Skip to main content

Full text of "التحفة البهية شرح العبودية"

See other formats


ا 


يضح مصام ين مون قك سيد (1) 


NS 


سرا برع مرم تیا ليبن أ وروا م یه 
ال 


524 .9 
جمه 


كك ې 
YAIR 4 5 0 2 4‏ 02 
ش 37 زر أ 0 
ررر الاك ( 0 0 
وار 1 کر 


للض عة وَالتشتر 0 


شرح رسالة العبودية 
لشيخ الإ سلام ابن تيمية 


تألية 


أ. د. محمد بن خليفة التميمي 


بجح مم 
ر( لے 


بسم الله الرحمن الرحيم, وبه نستعين 

إِنَّ الحمد لله نحمدُه ونستعينه ونَسْتَعْفِرهُ ونعوذ باللّه من شُرُور أَنْفْسِنا 
وهن شيفات أعمالتا؛ من هده الله فلا مضل لَه ومن يُضلل فلا هادي لَه. 

وأشهد أنَّ لا إِلّه إلا الله وحده لا شريك لَهُ وأشْهدُ أنَّ مُحَمَّدَا عبده ورَسُوله. 

أمّا بعد: فقد سُيِْلَ شيخ الإسْلام وعَلَم الأعْلام: تاصر السُنَّة وقامع البذعة؛ 
أخمد بن عبد الحَلِيم ابْن تَيِْية رَحمّه الله عن قؤله عزوجل: ييا لاش 
عبد وأ ره ک4 [البقرة:21]. 

فَمَا العِبّادَة؟ وما فروعبا؟ وهل مَجْمُوع الدَّين دَاخل فما أم لا؟ وما حَقِيقَة 
العُبُودِيَّة؟ وهل هي أعلى المقامات في الدِّنْيَا والآخرة. أم فَؤْقبًا شََيْء من المقامات؟ 
وليبسط لنا القَوْلَ في ذَلِك. 

فَأَجَاب رَحمّه الله: 

العبَادة: هي اسْمٌ جَامعٌ لكلّ ما يُحِبِهُ الله ويرضاه من الأفوال والأعمال 
البَاطئَة والظّاهرَة. 

فَالصّلَاة والرگاة والصِّيّام والحج وصدق الحَديث وأَدَاء الأمَائَة وير الوالدين 
وصِلّة الأَرْحَام والوقاء بالعْبود والآمر بِالمَغْرُوفٍ والنَّي عن المنكر والجيّاد للكفّار 
وَالمْنَافِقِينَ والإخسّان للجّار واليتيم والمسكين وابْن السّبيل والمملوك من الآدَمِيّين 
والهائم. والدّعَاء. والذّكر. والقرّاءة. وأمثال ذلك من العبّادَة لله. 


9 


EP‏ ع د سر | رن روا ري 

الحمدٌ لله وحده والصلاءُ والسّلامُ على من لا نَيَ بعده» صل الله عليه 
وعلى آله وصَحْبه وسَلَّم تسليمًا كثيرًا. 

ثم أمّا بعد: فرسالة «العبودية» لشيخ الإسلام ابن تيمية هي إجابة عن 
سؤال وُجّه إليه عن العبادة؟ وما فروعها؟ وهل يدخل فيها مضمون الدّين أم لا؟ 
وما حقيقة العبودية؟ وهل هي أعل المقامات في الدّنيا والآخرة؟ أو فوقها شيء 
من المَقامات؟ 

وقد بدأ شيخ الإسلام رحمه الله جواب عن هذا السؤال بتعريف جامع 
للعبادة فقال: «الجبادة: هي اسم جامٌ لكل ما يبه الله ويّرضاه من الأعمال 
والأقوال الظاهرة والباطنة»» وتندرج تحت هذه العبارة جملة مسائل؛ نذكر 
منها: 

المسألة الأولى: تعريف العبادة لغة: 

العبادة في اللغة: مصدر عَبَّدَ. 

وفي «القاموس): «العَبْدِيّةٌ والعغبودِيّةٌ والعُبودةٌ والعبادَةٌ: الطَّاعَةً)(1). 

وفي «الصحاح): «أصلٌ العُبودية: ا ضوع والدّلء والتّعبيد: الكّذليل. 

يقال: طريق مُعَبّد» والبعير المُعبد: المهنوء بِالقَظْرَان المُدَلّل. 

والعبادة: الطاعة» والتعبد: الكَّتَسّكَ). 

فتفترق المعاني بحسب الاشتقاق. 


) «القاموس المحيط» للفيروزا بادي (ص 296). 


«وقوله تعالى: (قاذخلي في عِبَادِي) [الفجر:29]» أي: في جزيي)(1)» 
فأضاف إليها معنى جديدًاء وهو الولاء. 

وفي «المخصص»: «أصل العبادة: الگذليل» من قوهم: طريق مُعَبّد أي: 
مدل كدر الرطو عليه ومن خد [العيد) ذاه ر 

والعبادة والخضوع والكدَثّل والاستكانة قرائب في المعاني؛ يقال: تعبّد 
فلان لفلان: إذا تذلل له» وكل خضوع ليس فوقه خضوع فهو عبادة؛ طاعة 
كان للمعبود أو غير طاعة؛ وكل طاعة لله على جهة اضوع والقَدَّلُل فهي 
عبادة» والعبادة نوع من الخضوع لا يستحقه إلا انعم بأعل أجناس التَّعَم؛ 
كالحياة والقّهم والسّمع والبّصر)(2). 

وف «اللّسان): «أصل العبودية: الخضوع والعذلل...» وفي حديث أبي 
هريرة: ١لا‏ يقل أحدكم لملوكه: عبدي وأَمَّي؛ وليقل: فتاي وفتاقي)(3)؛ هذا 
على نفي الاستكبار عليهم» وأن يَنسب عبوديتهم إليه» فإنَّ المستحق لذلك الله 
تعالى» هو رب العباد كلهم والعبيد)(4). 

وجعل بعضهم العبادة للّه» بحلاف العبودية وغيرها فهي تجعل لله 
وللمخلوقين. 


() انظر: « الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية» للجوهري (2/ 503 504). 
(2) انظر: «المخصص)»ء لابن سيده (4/ 62). 

9 أخرجه البخاري (2552)» ومسلم (2249). 

(4) السان العرب» لابن منظور (3/ 271). 


-) 6( 211010110110100 | شرح رسالة العبودية | 


قال الأزهري: «ولا يقال: عبد يَعبد عبادة إلا لمن يعبد الله ومّن عَبَدَ 
من دونه الها فهو من الخاسرين» قال: وأمّا عَبْدٌ خَدَمَ مَولاه» فلا يُقال: عَبَدَه... 
قال الليث: ويّقال للمشركين: هم عَبَدَة الطاغوت. 

ويقال للمسلبيق#ضياة الل درن اله العا الخد 

وغل هده سريت العبادة فق فة المرب هو أن العباة فى الذل 
والخضوع المستلزم طاعة المد اعا وة ا سي الرقيق «عبدًا» لأنّه 
0 ويخضع لسيده أمرًا ونهيًا فيما تختص بشئون الحياة. 

فمدار كلمة (العبادة)- في اللغة- على العذلل والخضوع والاستكانة» وهي 
معان متقاربة» لكن هذه اللفظة لما استعملت في ال رع أضيف إليها مع 
الخضوع كمال المحبة» فانتقلت إلى المعنى الشرعي بإضافة المحبة مع الخضوع. 
ولذلك لما عرّفها ابن كثير رحمه الله قال: «العبادة في اللغة: مِن الدَلةء يُقال: 
طريق مُعَبّده وبعير مُعَبّده أي: مُدَلّل. وفي الشرع: عبارة عا يتجمع كمال 
المحبة والُضوع والمتوف)(2)؛ فعند تعريفها في الشرع زاد فيها معنى آخرء 
وهو المحبة. 

المسألة الثانية: استعمالات كلمة (عبد) في الشرع. 

استّعملت كلمة (عبد) في الشرع على عِدَّة أقسام: 


«) «تهذيب اللغة» للأزهري (2/ 139ء 140). 


2 «تفسيرابن كثيرا (1/ 134). 


القسم الأول: عبودية الرَّنِّ كما جاء في قوله: (صَرَبَ الله مَكَلّا عَبْدًَا 
اوا لا يَغْدِرُ عَلَ شََيْءِ) [الححل: 75]» فالمراد بالعبد هنا: العبد الرّقيق المملوك؛ 
فتُطلق العبودية ويّراد بها عبودية الرّقّ. 

القسم الثاني: العبودية العامّة؛ حيث تُطلق العبودية ويّراد بها العبودية 
العامّة؛ أي: عبودية الربوبيةء كما في قوله: (إن كل من في السموات والأرض إلا 
آتي الرحمن عبدًا) [مريم:93]» فالعبد هنا: عبد القّهر والمُلك لله سبحانه وتعالى؛ 


Ge 
ها‎ 


نا عبيدٌ لله عز وجل. 

وعند جمع كلمة (عبد) يَظهر الفرق بين عبودية الربوبية لله عز وجل؛ 
وكذلك عبودية الرق» فتقول في جمعها: عبيد» وأمّا في عبودية الألوهية فتقول: 
عبادء ولذلك قال تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا) 
[الفرقان:63]. 

القسم الغالث: العبودية الخاصة» أي: ع كيان فقوا كنال 

[واذكر غبدنا ذاو ذا الأبدي) اف ةا وار عدا أبوب) اة 
[سبحان الذي اسر بعبده) [الإسراء:1]» فهذه العبودية الخاصة. 
القسم الرابع: عبودية الأشياء؛ كعبد الدنيا وشهواتهاء وخر اررق قوله : 
اتيس عبدٌ الدّينار والدّرهم والقطيفةء والتييصة؛ إن أعطي رَضِيِء وإن لم 
يُعط لم يَرْضّ)(1)» فهذا فِيمّن استعبدته الدنيا وملدَّاتها فأصبح لما عبدًا. 


() أخرجه البخاري (6435). والقطيفة: كساء أو فراش له أهداب. والخميصة: توب أسود أو 


) مسمس سي م ا 

لذا يلزم العفريق في استعمالات هذه الكلمة» حتى يتضح المراد بها. 

وهذه المعاني مما يجدر مُعرفتها والعناية بها؛ لأنها سترد خلال سياق هذه 
البّسالة المباركة. 

المسألة الغالغة: تعريف العبادة شرعًا: 

مع اختلاف عبارات العلماء- رحمهم الله- في تعريف العبادة شرعًا إلا 
أن الجميع يدور حول معنى واحده والفرق بين تعريفاتهم إنما يقع في الشمول» 
وسنعرض بعضًا منها: 

1- قال الإمام القرطئ رحمه اللّه: «العبادة: عبارة عن توحيده والتزام 
شرائع دينه» وأصل العبادة: الخضوع والكَدلّلَ)(1). 

2- وقال الإمام ابن كثير رحمه اللّه: «العبادة في الشرع: عبارة عمًّا 
يجمع كمال المحبة والخضوع والتوف)(2)؛ وعليه فمن اتصف بذلك فإنه يُطلق 
عليه أَنّهِ عابد لله عز وجل. 

3- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هنا: «العبادة: هي اسم 
جامعٌ لكلّ ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. 

وع هذا يتضح أنَّ للعبادة تعريفين. 

أحدهما: باعتبار العابد» وهو كمال الذّلّ مع كمال الحب لله عز وجل. 


() «تفسير القرطبي» (1/ 225). 
2 «تفسيرابن کثیر» (1/ 134). 


[لشيخ الإسلام ابن تيمية )أ ص ل ( و )- 


والآخر: باعتبار المُتَعَبّد به» وهو ما ُه الله ويرضاه من الأقوال 
والأعمال الباطنة والظاهرة؛ لكونه عر وجل شَرَعَهِ وعٌمل وَفْقَ مُراده. 

وقول المصنف: «ومن ذلك: الصلاة. والزكاة والصيام والحج. وصدق 
الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعبود والأمر بالمعروف 
والنمي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين والإحسان للجار واليتيم والمسكين 
وابن السبيل والمملوك من الآدميين والهائم. والدعاء. والذكر والقراءة. وأمثال 
ذلك من العبادة: وكذلك حب الله ورسوله وة الله والإتاية إلية: وإخلاصض 
الدين له والصبر لحكمه. والشكر لنعمه. والرضا بقضائه. والتوكُل عليه والرجاء 
لرحمته. والخوف من عذابه. وأمثال ذلك هي من العبادة لله». 

المسألة الرابعة: شرح تعريف المصنف للعبادة شرعًا: 

عَرّف المصنف العبادة فقال: «هي اسم جامعٌ لكل ما يحبه اللّه ويرضاها. 

فالعبادة اسم جنس؛ لذلك قال: (اسم جامع). 

ول( بد الله ومرضاه): قبن للعبادة وهو أن #كرن ها به اله 
ویرضاه» وهو كل ما أمر به؛ إِمّا أمر وجوب أو أمر استحباب إذ الأوامر ما 
فعلية وإِمّا تركية. 

وهنا يجدر التنبيه إلى أمور؛ وهي: 

الأمر الأول: أن جمهور الأصوليين قَسّموا الأحكام الشرعية التكليفية إلى 
خمسة» وهي: 

1 الواجب وهو: ما يُثاب فاعله؛ ويُعاقب تاركه. 

قشعب وما زاب ا ر 

3 المحرم وهو: ما يثاب تاركه ويعاقب فاعله. 


-) 10 ( 531101101011110 | شرح رسالة العبودية | 


4-المکروه وهو: ما یثاب تاركه ولا يعقب فاعله. 

5- المباح وهو: كل أمر لا يتعلق به شيء» إلا إذا تحولت هذه المباحات 
إلى طاعات بالنية الصالة. 

وقد زاد عليها إمامُ الحرمين الجويني (الصحيح والباطل). 

ر ا وماق اا رديه 

وأمّا الباطل عنده فهو ما لا يتعلق به النفوذ ولا يعتد به(1). 

غير أنه في «البرهان» تَابَعَ عون اا سرا في أنَّ الأحكام ال عة 

التكليفية خمسة(2)ء وكثير من الأصوليين يجعلون الضّحَّة والبُطلان من أقسام 
المكم الوضعي (3). 

ورأي الجمهور هو الغالب في هذا التقسيم؛ يقول مجد الدين ابن تيمية 
ف (المسودة): «اتفق الفقهاء والمتكلمون عل ا أحكام اشر تنقسم إلى: 
واجب» ومندوب» وحرم؛ ومکروه» ومباح)(4). 

فهذه الأحكام العكليفية الخمسة تنطبق على الأمور الفعلية والأمور 
التّركية. 


0 


7 انظر: «متن الورقات» (ص8). 

7 انظر «البرهان في أصول الفقه» للجوينى (1/ 106). 

انظر الفضح المبذول لقُرّاء سلّم الوصول» محمد بن عبد الرحمن الديسيء تحقيق: محمد شايب 
شريف (ص 39ء 40). 


(4) «المسودة في أصول الفقه» (ص 65)» ويّنظر: باب الحم الشرعي في كتب أصول الفقه. 


شيخ الإسلام ابن ية ) ل ار 

الأمر الغاني: أن الأعمال تعب إلى: 

1_اعمال القلت: 

2 اعمال اللسان. 

3- أعمال الجوارح. 

وأعمال القلب منها ما هو واجب؛ مثل: الإخلاص. ومنها ما هو محرم؛ 
مثل: الكبر والتسد. ومنها ما هو مُستحب. ومنها ما هو مَكروه. ومنها ما هو 
مباح. 

وهكذا بالنسبة للسان. وكذلك بالنسبة للجوارح. 

فالعبودية شاملة لجميع البدن؛ ظاهره وباطنه؛ وكل جارحة من البدن 
مطالبة بعبودية الله عز وجل. 

الأمر الثالث: حقيقة العبادة: هي كمال الذّلَّ مع كمال المحبة لله عز 
وجل؛ ونهاية الخضوع والانقياد والاستسلام والعواضع والخوف والخشية 
والإنابة والرجاء والإذعان لله وحده لا شريكٌ له في شيءٍ من ذلك البتة» إذ هو 
اله للها مكدو كوم سا سا 

قال شيحٌ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّه: «والعبادة تجمع كمال المحبة 
وكمال الذّلْ فالعابد حب خاضع» بخلاف من يحب مّن لا يخضع له» بل يحبه 
ليتوسل به إلى محبوب آخرء وبخلاف من يخضع لمن لا يحبه كما يخضع للظالم؛ 
فان كلا من هذين ليس عبادة محضة!(1). 


«قاعدة في المحبة» لابن تيمية (ص 98). 


| شرع رسالةالفيردية‎ | O ا‎ E3 

وقال ابن القيم رحمه اللّه: «والعبودية مّدَارها على قاعدتين هما أصلها: 
حب امل وذل عا ومشفاً خذين الأصلين....هما تشاهدة المكة الى تورث 
المحبة ومطالعة عيب الكّفس والعمل التي تورث الذل الام وإذا كان العبد قد 
بی سلوكه إلى الله تعالى على هذين الأصلين لم يَطفر عدوه به إلا على غِرَّة 
وغِيلة» وما أسرع ما يُنعشه الله عز وجل ويجبره ويتداركه برحمته)(1). 

الأمر الرابع: مفهوم العبادة في الإسلام: 

من خلال تعريف شيخ الإسلام للعبادة يظهر أن مفهوم العبادة أعم 
وأشمل من أن تنحصر في عبادات ظاهرية فقطء وإن كانت جليلة عظيمة» بل 
مفهوم العبادة شامل لجميع الأقوال والأفعال التي يقوم بها العبد انطلاقًا من 
محبته ورجائه وخوفه من الله وبشرط ان تڪون وفق مراد الله كما قال- جل 
وعلا- آمرًا نبيّه يي أن يُقَرّر هذا للناسء فقال: (فُل إِنَّ صَلَات وسكي 
وتحْيّاي: ومَمَ اني لِنْعِرَبٌ العَالَمِينَ * لا شري ك لَهُ وبِدَلِكَ اوا رل 
المَسْلِمِينَ) [الأنعام: 162 163]. 

بل إِنَّ الإسلام قد أسبغ على جميع أعمال الافسان صفة العيادة إذا قضد 
بهذه الأعمال وجه الله ومرضاته» وقام بها على الوجه المشروع الموافق للسنة 
وكانت في سبيل تحقيق أهدافها المقصودة المشروعة؛ فالمزارع والصانع والعاجر 
وغيرهم من أصحاب الأعمال تعتبر أعمالهم عبادة إذا قَصَّدَ بها كل منهم تفع 


0 «الوابل الصَيِّبِ من الكلم الطيب» لابن القيم (ص8). 


عباد الله والاستغناء عن الحاجة إلى الناس وإعالة العيال؛ تحقيقًا لأمر الله 
سبحانه وتعالى(1). 

وعلى هذا فكل ما أمر به شرا سواءً كان من الشعائر أو من سائر أحوال 
الاس وعاداتهم إذا ابتغى به قاغلة الأجرعن الله ع وجل فهر غبادة سواء 
رتب الفارع غليه جهزاء ددا اوا ا مُطلقًا دون تحديد جزاء» وهذا 
مِن فضل الله ورحمته بعباده؛ فمثال ما رتب على فعله جزاء ويحصل للمسلم 
هذا لاء إذا کان إِثَّمَا فعله لله: ها روی أبو هريرة © قال قال رسول الله 
اه اكل سى من الناس عليه صدقةء كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين 
اثنين صدقة» DEG EE‏ 
صدقة» والكلمة الطيبة صدقة؛» وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة 
وتميط الأذى عن الطريق صدقة)(2). 

فاشتمل الحديثٌ على بعض الآداب» وجعل الشّارع القيام بها عبادة 
يثاب عليها المسلم إذا وى أنه إنما قام بها من أجل الله عر وجل. 

كما أن العحنٌّ بالأخلاق يُعتبر عبادة أيضًاء فعن أي ذر ك قال: قال 
رسول الله بي الا تحفرنََ من المعروف شيئًا ولوأن تلقى أخاك بوجي 
طلق)(3). 


0 يدل ة لفربكل لدراسة العقيدة الأسلاسة لحان ضغيرية (ض 285 
7 أخرجه البخاري (5/ 226) في الصلح» ومسلم رقم (1009) في الركاة. 
4 أخرجه مسلم رقم (2626) في البر والصلة. 


ETT O 2 

ومثل ما أمر به شرعًا ولم يحدّد على فعله جزاءً معيئًاء ويعتبر القيام به 
عبادة إذا توي بها القربة لله ويؤجر عليهاء إجابة دعوة المسلم؛ قال عليه 
الصلاة والسلام: (إذا دعي أحدكم فَليُجبء فإن کان صائمًا فَلْبْصَلٌ وإن كان 
مغطرًا َلِيَظَعم)(1). 

فمن كانت نيته في إجابة الدعوة امتثال أمر الرسول ل وإدخال السرور 
على أخيه المسلم كان فِعله عبادة اما مَن لم تڪن له نية في إجابتها فلا يكون 
قد قام بعبادة. 

وهذا ينطبق على کل أمرٍ من شئون الحياة؛ من مأكلٍ ومشرب ومنكي» 
ونوم ويقظة وسَفرِ وإقامة» وهكذا؛ فمّن نوی بڪل هذه وأمثاها وجه الله فجي 
قاد ما جر علا ففتعن ول هته العادات رالات الاعات إل طاعات 
وقربات؛ لذا قال : «وفي بضع أحدكم صدقة)». قالوا: يا رسول الله E‏ 
أحدُنا شهوته ويڪون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه 
فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر»(2). 

فباستغناء العبد واستعفافه بالحلال عن الحرام كان له في فعل الحلال 
المباح أجر؛ ترغيبًا في الحلال وتنفيرًا من الحرام؛ فلا رهبانية في الإسلام 
وكذلك لا تفريط بفعل المحرم» وهذه هي وسطية الإسلام؛ فلم يمنع النفس 
'' أخرجه مسلم رقم (1150) في الصيام؛ وأبوداود (2461) في الصوم؛ والترمذي (780) في 

الصوم. 


9 أخرجه مسلم (1006) من حديث أبي ذر وَلِقتهُ. 


البشرية من غريزتها ولم يترك ها الحبل على الغارب» وإنما أعطاها ما تشتهي في 
سياج من الطهر والنقاء والعفاف والميثاق الغليظ. 

فالعمل المباح يَنقلب إلى طاعة وقربة إذا صاحبه نِيّة طيبة؛ لذا قال 
معاذ بن جبل ي لأبي موسى الأشعري: كيف تقرأ القرآن؟ قال: قائمًا وقاعدًا 


وعلى راحلتي» وأتفوقه تفوقًا(1). قال أبو موسى: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: 
أنام أول الليل؛ فأقومُ وقد قضيت جزڻ من الكّومء فأقرأ ما گب الله لي؛ 
ف اس تومتي کا فَوْمَي)(2)؛ «فكأنَّ معاد بن جبل فصل 
عليه)(3). 

فكان ك يتحتسب الأجر في النوم كما يحتسبه في قيام الليل؛ لاه أراد 
بالتّوم التَمَوّي على العبادة والإعانة على الطّاعة. 

قال الحافظ ابِنُ حَجَّر: «ومعناه: أنه يطلب الغواب في الرّاحة كما يُطلبه 


ف الب أن الزاحة إذا فصت بها الأعانة عل العبادة خصلت الراب 


7 أي: ألازم قراءته ليا ونهارًا شيئًا بعد شيء» ولا أقرأ وردي دفعة واحدة. مأخوذ من فواق 
الناقة» وهو أن تُحلب ثم ترك ساعة حتى يجتمع لبنها ثم تحلب» وهكذا. 
9 أخرجه البخاري (4341) و(4344). 


أخرج هذه الزيادة عبد الرزاق في «مصنفه) (5959). 


4) 


' «فتح الباري» لابن حجر (8/ 62). 


-) 16( شرج وسالة العبودية_) 

وكلّما كانت النية أشمل كان الأجر أعظم؛ لقول الرسول للك اّما 
الأعمال بالنيات وإنّما لك امرئ ما نَوَى...» الحديث(1). 

قال عبد الله بن المبارك: رب عمل صغير تعظمه النية؛ ورب عمل 
كبير تُصِعْره النية)(2). 

ما مّن لم ينو شيئًا فأعماله عادية لا أجر فيها؛ لذا تَبّايَنَ العاش في ذلك 
تبايئًا عظيمًاه فين الناس من كل عاداته وأفعاله عبادة لله؛ لأنه- دائمًا- 
لبحب اد كدر قافن يمان فد الل ييف يعض لانن دد 
عباداته حتى (الشّعائر الظّلاهرة) أو بعضها عادات» وذلك لخلوٌ قلبه مِن نِيّة 
العقرّبٍ إلى الله عر وجل. 

الأمر الخامس: أن الأعمال تتفاوت في المرتبة والأفضلية: 

فأعمال الطاعة تختلف حبة إلى الله وأجرّاء وكذلك المعاصي تتفاوت 
بغضًا إلى الله ووزرًا. 

فالعبادات أنواع لها ميزات وخصائص تختلف بها عن غيرها؛ لمقاصد 
عظيمة؛ وحم جليلة؛ تتجلى فيها عظمة هذه الشريعة؛ وكرم المُشَرّع 
شيحانة وتغالى؛ وكما أنه ستحانه خلق المخلوقات وقاضل بها ا قق 


' أخرج البخاري (7/1) في بدء الوجي» ومسلم رقم (1907) في الأمارة» وأبوداود رقم (2201) 
في الطلاق» والترمذي رقم (1647) في فضائل الجهاد» والنسائي (59/1) في الطهارة. 
ور عنه الحافظ اب رجب في «جامع العلوم والحكما (ص 69). 


المصلحة العظيمة؛ قال تعالى: (والله قَضَّلَ بَعْضَكُمْ عل بَحْضٍ في الرَّرْقِ) 
[النحل: 71]- كذلك فَاصَلَ بين العبادات» وجعل مراتبها ودرجاتها مختلفة. 

وقد وردت أدلة بَيّنَّة في السنة النبوية تدل على تفاضل العبادات 
وتمايزهاء ومن ذلك: 

ما رواه معاذ بن جبل يل أن الي # قال له: «ألا أدلك عل أبواب 
الخير؟ الصوم جُنَّة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النارء وصلاة 
الرجل من جوف الليل). قال: ثم تلا (تتجافى جنوبهم عن المضاجع] [السجدة: 
6 حتى بلغ (يعملون) [السجدة: 17]. ثم قال: (ألا أخبرك برأس الأمر كله 
وعموده» وذروة سنامه)؟ قلت: بلى يا رسول اللّهه قال: «رأس الأمر الإسلام 
وعموده الصلاةء وذروة سنامه الجهاد)(1). 

وكما جاء في حديث أي هريرة وإ أنَّ رسول الله ي قال: «الإيمان 


بضع وسبعون- أو- بضع وستون- شعبة» فأفضلها قول: لا إله إلا اللهء 
وأدناها إماطة الأذى عن الطريقء والحياء شّعبة من الإيمان»(2). 


7" أخرجه أحمد (22016)» والترمذي (2616) وابن ماجه (3973)» وصححه الألباني في 


الصحيح ابن ماجه» (3209). 
©) أخرجه مسلم (35). 


الغا 231001101111011 ۱ 0 | 


الإيمان ا ورسوله). قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل ا قيل: ثم ماذا؟ 
قال: احج مَبرور)(1). 

وعن ابن مسعود وَل أن رجلا سأل النبي يي: أي الأعمال أفضل؟ 
قال: «الصلاة لوقتهاء وبر الوالدين» ثم الجهاد في سبيل اللّه»(2). 

فهذه الأحاديت وقوه لل عل أن هتاك فاضا بين العيادات وأن 
بعضها أفضل من بعض» ويظهر من خلال التأمل فيها- أنها أجوبة مختلفة 
لسؤال واتجد» وقد أجاب العلماء غل هذا الاسنتشكال بأجويةه دار متها قول 
الحافظ ابن حَجَّر في «شرحه للجامع الصّحيح) حيث قال: «ومحصل ما أجاب 
به العلماء عن هذا الحديث وغيره نما اختلفت فيه الأجوبة بأنه أفضل الأعمال. 

- أنَّ الجواب اختلف لاختلاف أحوال السائلين؛ بأنّه أَعْلّم كل قوم 

بما يحتاجون إليه» أو بما لهم فيه رغبة» أو بما هو لائق بهم. 

2- أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات؛ بأن يكون العمل في ذلك 
الوقت أفضل منه في غيره» فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال؛ 
لأنّه الوسيلة إلى القيام بهاء والكَمَحكّن من أدائهاء وقد تضافرت النصوص على 


020 أخرجه البخاري (26) ومسلم (83). 


اک البخاري (7534) ومسلم (85). 


أن الصلاة أفضل من الصدقةء ومع ذلك فضي وقت مُواساة المضطر تكون 
الصدقة أفضل. 

3- أوأنََ (أفضل) ليست على بابهاء بل المراد بها الفضل المُطلق. 

4- أو المراد (مِن أفضل الأعمال)؛ فحُذفت «يِن»» وهي مرادة)(1). 

وقد ظهر هنا من أجوبة الحافظ ابن حجر بعض أوجه التفاضل بين 
العبادات؛ ومن ذلك: 

1- التفاضل بين العبادات وحصرها من حيث العبادة ومن حيث 
العايد: 

فمن خلال ما تقدم تبين أن وجوه العفاضل بين العبادات يمكن 
حصرها في مسألعين أساسيتين» وهما: 

المسألة الأرل» العنادة:ذاقها: 

والمسألة العائية: العايد. 

وتفصيل ذلك: أنَّ تفاضل العبادات ذاتها يكون من خلال وجوه عدة: 

أولأ تقاض العا من حت الندرب ااب كنا ق اديه 
القدسي: «ما تَقَرَّب إِليّ عبدي بشيء أحبٌّ ما افترضته عليه»(2). 

والحديث فيه دلالة واضحة على أن الفرائض أفضل الأعمال؛ لكونها 
حب إلى اله وقد ذكر الحافظ ابن حجر في (شرحه للصّحيح) نشو العنماء 


0 «فتح الباري» لابن حجر (2/ 9). 


شر 


9 أخرجه البخاري (6502) من حديث أي هريرة ذَللنه. 


| ا | شرع رهالةالفيودية‎ ED 
تبيّن فيها وجوه فضل الفرائض على التّوافل» وخلاصته: أن الفرائض أمرها‎ 
محتوم؛ أما النوافل فهي على سبيل الترغيب والاستحباب(1).‎ 

ثانيًا: التفاضل من حيث التحديد الزماني» كما في الحديث: (إِنَّ عُمرة 
ف رمضان تعدل حَجَّة معي)(2)» قال الحافظ ابن حجر رحمه اللّه: فاس 
أنه أعلمها أن العمرة في رمضان تعدل الحَجَّة في الغواب» لا أَنّها تقوم مقامها في 
إسقاط الفرض؛ للإجماع على أن الاعتمار لا يحزئ عن حج الفرض)(3), 
والحديث دليل على التفضيل في زمن خاص. 

ومن ذلك تفاضل الصدقات» كما في الحديث: «أن رجلا جاء إلى الحبي 
َه فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: «أن تَصَدَّق وأنت صحيح 
شحيحٌ تخشى الفقر وتأمّل الغفنىء ولا تُمهل حت إذا بلغت الحلقوم قلت 
لفلان كذاء ولفلان كذاء وقد کان لفلان»(4) . 

المًّا: تفاضلها من حيث التحديد المكاني» كما في الحديث: «صلاة في 
مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرا»(5). 


''«فتح الباري» لابن حجر (11/ 343). 

أخرجه البخاري (1863) ومسلم (1256) من حديث ابن عباس كت 
'*' «فتح الباري» (3/ 604). 

أخرجه البخاري (1419) ومسلم (1032) من حديث أي هريرة كك 


بدا أخرجه البخاري (1190) ومسلم (1394) واللفظ له» من حديث أي هريرة ذَلتَهُ. 


فقي الحديث تصريح من النبي تي أنَّ الصلاة في هذين المكانين أفضل 
من الصلاة في غيرهما من المساجدء إلى غيرها من وجوه التفاضل في العبادات 
الأخرف: 

ومن ذلك تفاضل الصلاة بحسب الاجتماع والانفراد» كما في الحديث: 
«صلاة الجماعة تفضل صلاة الفدَ بسبع وعشرين درجة'(1). 

ومن ذلك التفاضل بحسب التفاوت في مقدار الخُطى إلى المساجدء كما 
في الحديث: إن أعظم الناس أجرًا أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم)(2). 

والمسألة الثانية: التفاضل بين العبادات من حيث العابد: 

من عظيم حكمة اللّه أن جعل أبواب الرزق متنوعة ومتعددة؛ کا 
للناس أمور معاشهم» إذ حاجات الناس متنوعة ومتعددة تتكامل بها دورة 
حياتهم؛ والكّاس بين مَّن يجيد مهنة أوعددًا من المهن تدر عليه دخلا يعيش 
من ورائه ويدخر منه بحسب ما يدر عليه من مال» وهذه الأمور يعرفها كل 
العاس» وهي من البديهيات لديهم. ولكن الذي قد لا يعرفه بعض الناس: أن 
هناك صورة مشابهة هذه الصورة ولحكن في أبواب الطاعات» ولعل قصة الإمام 
مالك مع العُمَري العابد تتصلح كمدخل يقَرّب تلك الصورة» فقد كتب عبد 
الله بن عبد العزيز العُمَري العابد إلى الإمام مالك يحضّه على الانفراد والعمل؛ 
ويّرغب به عن الاجتماع إليه في العلم؛ فكتب إليه مالك: (إِنَّ الله عز وجل 


أخرجه البخاري (645) ومسلم (650) من حديث عبد الله بن عمر كخ 
باقر 


ا أخرجه مسلم (662) من حديث أي هريرة ذَلِتَهُ. 


oo E3‏ 21111 | شرع ردا انر 
قسم الأعمال كما قسم الأرزاق؛ قَرْبَّ رجل فُتح له في الصلاة ولم يفتح له في 
الصوم» وآخر فتح له في الصدقة ولم يُفتح له في الصيام» وآخر فتح له في الجهاد 
ولم يفتح له في الصلاة. وذّشر العلم وتعليمه من أفضل أعمال البر وقد رضيتُ 
بما قتح الله لي فيه من ذلك» وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه» وأرجو أن 
يكون كلانا على خير» ويب عل كل واحدٍ مِنّا أن يَرضى بماقُسِم له 
والسّلام)(1). 

فهذا الرد على اختصاره إلا أنه أشار إلى مسألة مهمة يحب على المسلم 
استيعابهاء وهي أن العباد في نوافل الطاعات يتفاوتون فيما يفتح الله عليهم من 
تلك النوافل؛ فين الناس من تراه يُكثر من صيام العطوع في مقابل أن غيره لا 
يزيد على صوم الفريضة ولو صام يومًا تطوعًا لوجد مشقة كبيرة في ذلك» ومن 
الاس مَّن يُكثر من نوافل الصلوات والأذكارء لكنه في باب الصدقة لا يزيد 
على أداء فريضة الركاة» وهناك من تجده في الأخلاق لا يجاريه أحدء لكنه في غير 
ذلك من النوافل لا رى له مزيد عمل» ومصداق ذلك في قول النبي 87: 
«اعملوا فكل مُيسَّرلما خُلِق له)(2)؛ وقد يفتح لبعض الناس أكثر من باب 
وهناك من تتعدد عنده الأبواب المتنوعة من الطاعات» ولو استعرضنا ما ورد في 
السّنَّة النبوية في هذا الجانب لوجدنا أمثلة كثيرة تشير لذلك ومنها ما وقع لأبي 


7 «التمهيد) لابن عبد البر (7/ 185)؛ ونقلها عنه الذهبي في «سير أعلام الخبلاء» (8/ 114). 
9 أخرجه البخاري (4949) ومسلم (2647) من حديث على بن أي طالب ذَلِقتهُ. 


لقص : 3 1 سے 1 0 كباله * 202 
بكر َي لما جاء من حديث اي هريرة فك ان رسول الله ب قال: امن 


أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير فمن 
كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة» ومن كان من أهل الجهاد دعي من 
باب المجهادء ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الرّيّان ومّن كان من أهل 
الصدقة دعي من باب الصدقة». فقال أبو بكر: بأبي أنت وأي يا رسول اللّه!ا ما 
على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة؛ فهل يُدعى أحدٌ من تلك الأبواب 
كلها؟! قال: ١نعم!‏ اڪ ان تكون منهم)(1). 

وكما أنَّ الناس في أبواب الرزق على ثلاثة أقسام؛ فمنهم من هو مرتفع 
الدّخْلء ومنهم مّن هو متوسط الدخل» ومنهم مَن هو منخفض الدخل- فكذلك 
الشأن في الطاعات» فالله عز وجل يقول: تم أَوْرَْنَا الككَابّ الَذِينَ اصْطَفَيْا 
مِنْ عباتا فَِنْهُمْ الم فيه ومِنْهُمْ مُفْمصِدٌ ومِنْهُمْ سَابِقّ بِايرَاتِ بِإِذْنِ الله 
ذَلِكَ هُو المَضْلُ الكبيرٌ) [فاطر:32]. 

ويجب على كل إنسان أن ينظر في نفسه؛ ليعرف ما فُتح له من أبواب 
الّاعة؛ فيلزمه ويحافظ عليه ويزداد منه» وعليه ألا يشق على نفسه في ميادين 
ليست متوائمة مع ما خَصَّه الله به من خصال الخير» كما يجب عليه أن ينظر 
للغير بنظرة من جنس نظرة الإمام مالك للعمزف الحايد بحي :قال له اوا رمو 
أن يكون كلانا على خير)» فالنظرة الإيجابية للناس مطلوبة باعتبار أن ما 


" أخرجه البخاري (1897) ومسلم (1027) من حديث أي هريرة 5@©. 


-( 24 ) ل | شرع ردا اند | 
فقوا له من الخير هو باب فح لهم من اللّهء يُرجى أن يكون سببًا لدخوطم 

ووجود بعض جوانب التقصير في بعض الاس لا يعني انعدام الخير 
لديهم بالكلية؛ فقد يكون لديهم جوانب خفية من الخير؛ ومن الشواهد على 
ذلك: ما جاء عن عمر بن الخطاب ول "أن رجلا كان على عهد الي كل 


وكان اسمه عبد الله» وكان يُلَقّبِ حمارًاء وكان يُضحك رسول الله يله وكان النبي 
5 قد جلده في الشَّرَابه فأقي به يومًا فأمر به فجلدء فقال رجل من القوم: الله 
الْعَنهُه ما أكثرٌ ما يق به! فقال الي : «لا تلعنوه» فوالله ما علمت إِنَّهِ بحب 
الله ورسوله»(1). 

فهذه القصة يُستفاد منها أن المتعين علينا أن لا تُقَيّم الدناس من منظور 
واحد» فڪم نقع في مجالسنا في أعراض أناس وننتقص من تدينهم ونذمه» 
وقد يكون لمم من الأعمال التي تُقَرّبهم إلى الله ونحن لا نعلم؛ فواجب على 
العاس أن يكون لديهم فقه في هذه الجوانب؛ لأنّها توجد لديهم بعض العوازن 
في نظرتهم ومعاملتهم لمن حوطهم؛ فالنصوص الشرعية تؤكد على أن لكل شخص 
ما يناسبه من الطاعات» كما أنَّ لكل وقت ما يُناسبه من الطاعات» وهم في ذلك 
بين ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات» وما علينا إلا أن نذكر لكل شخص 
ما يحمد له من خصال الخيرء وأن ندعو لمن نرى عليه تقصيرًا بالصّلاح 
والفلاح والتوفيق لما يحبه الله ويرضاه. 


شر 


أخرجه البخاري (6780) من حديث عمر بن الخطاب ذَلِكه. 


وفي مقابل تفاضل الطاعات جاءت أحاديث عديدة في السّنّة بيت 
أنَّ الذنوب- كذلك- أنواع ومراتب» فعن أبي بكرة قال: قال رسول الله 6ة: 
ال أنبئكم بأكبر الكبائر؟». قلنا: بل يا رسول اللّه. قال- ثلانًا-: «الإشراك 
بالله» وعقوق الوالدين»» وكان متكئًا فجلس» فقال: ألا وقول الرُور وشهادة 
الزورء ألا وقول الزور وشهادة الزور“(1) ؛ وعن عبد الله بن مسعود وَل قال: 
قلت يا رسول الله: أي الدّنب أعظم؟ قال: «أن تجعل للّه ندا وهو خَلََكَ!). 
قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك). قال: ثم أي؟ قال: 
أن تُزاني حليلة جارك» وأنزل الله تصديق قول الي : (والذين لا يدعون 
مع الله إلهّا آخر [الفرقان: 68] الآية»(2). 

تفاوت أفهام الناس في أفضل العبادات وأنفعهاء وأحقها بالإيثار 
والتخصص: 

انقسم الناس في ذلك إلى أربعة أصناف: 

الصنف الأول: يرون أنَّ أنفع العبادات وأفضلها هي أشقها على النفوس 
وأصعبها. وهؤلاء: هم أهل المجامّدات والجؤر على النفوس. قالوا: لأنه أبعد 
الأشياء عن هواهاء وهذا هو حقيقة التعبد. 


ا البخاري (5976) ومسلم (87). 


اه البخاري (6001) ومسلم (86). 


-) 26( شرج وسالة العبودية_) 

قالوا: والأجر على قدر المشقة» ورووا حديئًا لا أصل له: «أفضل الأعمال 
أحمزها"(1)»؛ أي: أصعبها وأشقهاء وقالوا: وإنما تستقيم النفوس بذلك» إذ طبعها 
الكسل والمهانة» والإخلاد إلى الأرضء فلا تستقيم إلا بركوب الأهوال وتحمل 
المشاق. 

الصنف الثاني: قالوا: أفضل العبادات العجرد والزهد في الدنياء والتقنّل 
منها غاية الإمكان» واطراح الاهتمام بهاء وعدم الاكتراث بكلّ ما هو منها. 

ثم هؤلاء قسمان: 

فعوامّهم ظنُوا أن هذا غاية» فشّمَّروا إليه وعملوا عليه» ودعوا الناس 
إليه» وقالوا: هو أفضل من درجة العلم والعبادة» فرأوا الزهد في الدنيا غاية كل 
عبادة ورأسها. 

وخواصّهم رأوا هذا مقصودًا لغيره» وأن المقصود به عُكُوف القلب على 
اللهء وجمع الهمّة عليه» وتفريغ القلب لِمَحَبّته» والإنابة إليه» والعوكل عليه 
والاشتغال بمرضاته» فرأوا أنَّ أفضل العبادات في الجمعيّة على اللّه» ودَوَام ذكره 
بالقلب واللسان» والاشتغال بمراقبته» دون كل ما فيه تفريق للقلب وتشتيت 
له. 

ثم هؤلاء قسمان: 


قال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (ص 130): «قال المزي: هو من غرائب الأحاديث »ولم 


يُرو في شيء من الكتب الستة». 


فالعارفون المُتّبعون منهم إذا جاء الأمرُ والنهي بادروا إليه ولو قرّقهم 

والمُنحرفون منهم يقولون: المقصود من العبادة جمعية القلب عل الله 
فإذا جاء ما يَقَرّقه عن اللّه لم يُلتفت إليه» وربما يقول قائلهم: 
يُطالّبُ بالأورادٍ من كان غافلا فكيف بقلب کل أوقاته ورد 

ثم هؤلاء- اساد فسياق: 

منهم مَّن يترك الواجبات والفرائض جمعيته. 

ومنهم مّن يقوم بهاء ويّترك السَّنَ والنوافلٌ وتَعَلَمَ العلم النافع لجمعيته. 

الصنف الثالث: رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها: ما كان فيه تفع معد 
فرأوه أفضل يِن ذي النفع القاصرء فرأوا خدمة الفقراءء والاشتغال بمصالح 
الغاس وقضاء حواتجهم؛ ومساعدتهم بالمال والمجاه والتفع أفضل؛ فتصدوا له 
وعملوا عليه. 

واحتجوا بقول الدبي ب «الخلقٌ كلهم عِبالُ اللّهء وأحبهم إليه أنفعهم 
لعياله)(1). 

واحتجوا بأنَّ عمل العابد قاصرٌ على نفسه» وعمل التَفَاع مُتَعَدّ إلى 
الغير وأين أحدهما من الآخر؟ 


'' أخرجه أبو يعلى (3370)» والطبرائيٌ في «مكارم الأخلاق» (210)» وأبونعيم في «حلية الأولياء» 
شر 


(2/ 102)ء والبيهقى في «شعب الإيمان» (7046) من حديث انی َء وضعفه الألباني في 
«الضعيفة» (3590). 


-) 28( مس | رع رسالة الغيودية ) 
قالوا: ولههذا كان قضل العالم على العابد كفضل القمرعلى سائر 
الكواكي. 


قالوا: وقد قال رسول الله 2 لعج بن أبي طالب وَل : أن يُهدي الله 


بك رجلا واحدًا خيرٌ لك من حمر التّعما(1). 

وهذا التفضيلٌ إِنّما هو للنفع المُتعدّيء واحتجوا بقوله #07 «مَّن دعا إلى 
هدى كان له ِن الأجر مشل أجور من تبعهء لا يَنقص ذلك من أجورهم 
شيئًا)(2)» واحتجوا بقوله 7: (إنَّ الله وملائڪته وهل السّمَوات والأرضين- 
حقٌّ التّملة في جُحرها وحتى الحوت- لِيُصلون على مُعَلّم الناس الخي(3). 

وبقوله : إن العالم ليستغفر له من في السماوات ومّن في الأرض» 

حتى الحيتان في البحرء والتّملة في جحرها)(4). 

واحتجوا بأنَّ صاحب العبادة إذا مات انقطع عمله» وصاحب النفع لا 
ينقطع عمله» ما دام نفعٌه الذي نُسب إليه. 


1 


واحتجوا بأَنَّ الأنبياء إلّما بُعثوا بالإحسان إلى الق وهدايتهم؛ ونفعهم 
ف د ا يُبعثوا 0 ا عن الفامن 00 


'' أخرجه البخاري (2942) ومسلم (2406) من حديث سهل بن سعد . 

9 أخرجه مسلم (2674) من حديث أي هريرة ل 

9 أخرجه الترمذي (2685) من حديث أي أمامة ك وحسنه الألباني في «المشكاة» (213). 

أخرجه أبو داود (3641) والترمذي (2682) من حديث أبي الدرداء بء وحسنه الألباني في 
١اصحيح‏ الترغيب والترهيب» (70). 


مخالطة الناس(1)ء ورأى هؤلاء التفرق في أمر اللّه» ونفع عباده والإحسان 
إليهم» أفضل من الجمعية عليه بدون ذلك. 

الصنف الرابعء قالوا: إن أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب في كل 
وقت بما هو مُقتضى ذلك الوقت ووظيفته؛ فأفضلٌ العبادات في وقت الجهاد: 
الجهادء وإن آل إلى ترك الأوراد؛ ِن صلاة الليل وصيام الها بل وين ترك 
إتمام صلاة الفرضء كما في حالة الأمن. 

والأفضل في وقت حضور الضيف- مثلا-: القيام بحَقّهء والاشتغال به 
عن الورد المُستحبب» وكذلك في أداء حقٌ الزوجة والأهل. 

والأفضل في أوقات السّحر: الاشتغال بالصلاة والقرآن والدّعاء والدّكر 
اا 

والأفضل في وقت استرشاد الطالب وتعليم الجاهل: الإقبال على تعليمه 
ااال 

والأفضل في أوقات الأذان: ترك ما هو فيه مِن ورده؛ والاشتغال بإجابة 
المَجَدذّن. 


7(" أخرج مسلم (1401) عن أنس و «أنَّ نفرًا من أصحاب المبي بل سألوا أزواج الي كللله 
عن عمله في السّرّ؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النّساءء وقال بعضهم: لا آكل اللحم؛ وقال بعضهم: لا 
أنام على فراشء فحمد الله وأثنى عليه. فقال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكنى أصل وأنامء 
واصوم وافطرء واتزوج النساءء فمن رغب عن سنت فليس مني). 


ES‏ شرج وسالة العبودية_) 

والأفضل في أوقات الصلوات الختمس: الجد والأصح في إيقاعها على 
أكمل الوجوه» والمبادرة إليها في أول الوقت» والخروج إلى الجامع» وإن بَعْد كان 
أفضل. 

والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالججاه» أو البدن» أو 
المال: الاشتغال بمساعدته» وإغاثة لقع وإيقار ذلك عل أورادك :وخلوتك. 

والأفضل في وقت قراءة القرآن: جمعيّة القلب والهمّة على تدبره 
وتفهمه» حتى كأنَّ الله تعالى يخاطبك به» فتجمع قلبك على فهمه وتدبره» 
والعزم على تنفيذ أوامره أعظم من جمعية قلب مّن جاءه كتابٌ من السُلطان 
على ذلك. 

والأفضل في وقت الوقوف بعرفة: الاجتهاد في القَصَرع والدّعاء والّكر 
دون الصوم المضعف عن ذلك. 

والأفضل في أيام عشر ذي الِجّة: الإكثار مِن القعبدء لا سِيّما التكبير 
والتهليل والتحميد؛ فهو أفضل من الجهاد غير المُتعين. 

والأفضل في العشر الأخير من رمضان: لُزوم المسجد فيه والخلوة 
والاعتكاف دون الحصدي لمخالطة الناس والاشتغال بهم» حت إِنَّه أفضل من 
الإقبال على تعليمهم العلم» وإقرائهم القرآن» عند كثير من العلماء. 

والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم- أو موته-: عِيادته» وحضور 
جنازته وتشييعه» وتقديم ذلك على خلوتك وجمعيتك. 


والأفضل في وقت تُزول التّوازل وأذى الناس لك: أداء واجب الصبر مع 
خُلطتك بهم» دون المرب منهم؛ فإِنَّ المؤمن الذي بالط الناس؛ ليصبر على 
أذاهم أفضل يِن الذي لا يخالطهم ولا يُؤذونه. 

والأفضل خُلطتهم في الخير؛ فهي خير من اعتزالهم فيه واعتزالهم في 
الشى فهو أفضل مِن خلطتهم فيه» فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله أو كَلَّلَه 
فخُلطتهم- حينئذٍ- أفضل من اعتزاهم. 

فالأفضلُ في كل وقتٍ وحالٍ: إيثارٌ مَرضاة الله في ذلك الوقت والحال» 
والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومُقتضاه. 

وهؤلاء هم أهل التعبّد المُطلق» والأصناف قبلهم أهل التعبد المُقَيّدِ 
فمتق خرج أحدهم عن النوع الذي تعلَّقَ به من العبادة وفارقه يَرى نفسه كأنه 
قد نقص وترك عبادته» فهو يَعبد الله على وجهٍ واحدء وصاحب التعبد المطلق 
ليس له غرض في تعبدٍ بعينِه يُؤثره على غيره» بل غرضه تَتَبّع مرضاة الله تعالى 
أين كانت؛ فمّدار تعيّده عليهاء فهو لا يزال متنقلا في منازل العبودية» كلما 
رُفعت له مَنزلة عَيل على سيره إليهاء واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى» 
فهذا دأبُه في السير حتى ينتهي سيره فإن رأيت العلماء رأيته معهم؛ وإن رأيتَ 
العْبّاد رأيته معهم» وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم» وإن رایت الذّاكرين رأيته 
معهم» وإن رأيت المَُصَدّقين المُحسنين رأيته معهم؛ وإن رأيتَ أربابَ الجمعيّة 
وعكُوف القلب على الله رأيته معهم؛ فهذا هو العبد المُطلقء الذي لم تَمْلكه 
الحدودء ولم تُقيّده القيودء ولم يڪن عملّه على مراد نفيه وما فيه لها 


-( 32 ) ا ا 2ط | شرع رسالةالعيود يه | 
ورّاحتها من العبادات» بل هو على مراد ربّه» ولو كانت راحة نفسه ولدَّتها في 
سواه (1). 

وأمّا قول المصنف رحمه اللّه: «مِن الأقوال والأعمال»- فكما تقدم من 
أن العبادات متنوغة؛ متها غبادات بالقول وغباذات العمل والقول إِمّا: 

اقول ال 

2ن اقول الان 

فقول القلب من معانيه: العلم» فإذا قال السلف مغلا: «الإيمان قولٌ 
وعمل)؛ فيذا القول وشل فول القلب الذي هو العلم الذي هو التصديق. 

فإدًا هذا العلم بالنسبة للقلب قول تعبّديٌُ» فالله قد تعبّدَنا به فكل ما 
نعلمه مِن أمور العلم النافع نحن نتعبد الله عز وجل به» فهذه عبودية وطاعة 
لله سبحانه وتعالى نقوم بها. 

وقول اللّسان: يُراد به اعطق بالشّهادتين عند العلماء» ويخصونه بذلك. 

والعمل إِمّا: 


ماضن اللساق فسائر الأذكارة من فراع القرا ن وغو للك فين الان 
الواردة في العبادات والأحوال والأزمنة المختلفة» ثم الأعمال. 


' انظر: «مدارج السالكين» لابن القيم (1/ 106- 111). 


وقول المصنف: «الأعمال الظاهرة والباطنة»- يشمل القول ويشمل 
العمل؛ فين القول ما هو في الباطن» ومن العمل ما هو في الباطن» وهكذا من 
القول ما هوني الظاهرء ومن العمل ما هو في الظاهر. 

فالأعمال منها قلٌ» ومن أعمال القلوب: ا لحب والخوف والرجاء 
والتوكل والإنابة والإخلاص» وهذه كلها أعمال قلبية باطنة» أي: في باطن 
الإفسان» والحبئٌ يل قد أشار بيده إلى صدره ثلاثًاء وقال: «التقوى هاهنا)(1)؛ 
هي ٳڏا عمل قلبي. 

ثم أعمال الجوارح تنطبق على الحواس الخمس» وتنطبق- كذلك- على 
سائر أعضاء الإفسان. 

فعلى الإذسان أن ينتبه لذه الأمور؛ فالصلاة- مثلّا- عبادة» وتتعلق بها 
أمور قلبية- أي: أمور باطنة- وأمور ظاهرة» ولآن الصلاة عمل فلا بد لها من 
نية» لأن الحبي ب قال: (إنَّما الأعمال بالنيات»(2)» والركاة تفتقر إلى النية؛ فقد 
يرك الإنسان بنية خالصة» وقد يفعل ذلك رياء أو سّمعة أو غير ذلك» وكذلك 
الصيام والحج وصدق الحديث» وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام 
والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكرء وجهاد الكفار والمنافقينء 
والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل» والمملوك من الآدميين 
والبهائم؛ وكذلك الدّعاء والذّكر والقراءة» وأمثال ذلك من العبادة. 


"'' أخرجه مسلم (2564). 
7 أخرجه البخاري (1) وفي مواضع» ومسلم (1907). 


-( 34 ) 2 | شرع ردا اند | 

ثم أشار المصنف إلى ما هو قلي مِن حب الله ورسوله ته وخشية الله 
والإنابة إليه» وإخلاص الدّين له» والصبر لحكمه؛ والشكر لنعمه» والرّضا بِقَدَرِه 
والتوكل عليه» والرجاء لرحمته» والخوف من عذابه» وأمثال ذلك من العبادات. 

ونحن نعلم أن من العبادات ما هي فرائض» ومنها ما هي نوافل؛ فقد 
تصبل فريضة وقد تصلي نافلة؛ وكذلك قد ثري وقد تتصدق» وكذلك الصيام 
منه ما هو فريضة ومنه ما هو نافلةء والنوافل أمرها عظيم» إذ هي من جهة 
مُكَمَّلة للفرائض» وين جهة هي سبب في رفع درجات العبد. 


ج5085 


قال لصنت رحمه الله: «وذَلِكَ أن العِبَادَة لله هي العَايَة المحبوبة لَه 
والمرضية لَهُ؛ التي خَلق الخلق لَبَاء كَمَا قال الله تَعَالَ: إومَا خَلَفْتُ الجن والإنسن 
إل لِيَعْبُدُون) [الذاريات:56]. 


8 ا E‏ 0ه كوا افش كنف 11 


قار رع 


سهم ن ق ت علد الصَلاة 4 [النحل:36]. 
وقال تحال: وما أَرَسَلْسَا من قبَإِلكك من سول لا نویۍ إل آنه 


Da YO 4% فاعَبُدونِ‎ 


و OK‏ د بع عه 


وقال تعال: [ هزو امک اندج دة وآتا رڪم فأَعَبُدُوي 4 
[الأنبياء:92]. 

كما قال في الآيّة الأخرى: يا ما الرْسُل كلوا من الطَيّبَاتَ واعْمَلُوا صّالحا إِنَي 
بِمَا تَعْمَلُونَ عليم * وإن هَذِه أمتكم أمة واجدَة وأنا ربكم فاتقون) [المؤمنون: 51 
52[. 


2 2 


وجعل ذَلِك لازما لرَسُوله إِلَى المؤت؛ كُمَا قال: # واعبد ریک حى 
ليقي 10 [الحجر: 99]. 

وبدَلِك وصف مَلانگته وأنبياءه؛ فَقَالَ تَعَالَ: (وله من في السَمَاوات والأزض 
ومن عنده لا يَسْتَكْبِرُونَ عن عبادته ولا يستحسرون * يسبحون اللّيْل والتَّبَار لَا 


-) 36 ) 531010101111100 | شرح رسالة العبودية | 


يفتمرون) [الأنبياء: 2019]ء وقال تعالى: (إن الّذين عند رَبك لا يَسْتَكْبرُونَ عن 
عِبَادَته ودسبحونه وله يَسْجُدُونَ) [الأعراف: 206]. 

ودَمّ المستكبرين عنها بقوله: (وَقَالَ رَبّكُمْ اذعُوني أُسْتَجِبْ لَكُم إِنَّ الَّذِينَ 
يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادتِي سَيَدْخْلُونَ جَهَنّمَ دَاخْرِينَ) [غافر: 60]. 

- 

بعد أن عَرَّفَ شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- العبادة دك رَ هنا 
بعض الأمعلة غليهاء مشير إلى بيان أهميثهاء وما ها من مَنؤلة ومكائة وده 
الإشارة مغزى عظيم؛ لأن أهل الكلام والمتصوفة- وهما من أكبر حضوم أهل 
السُّنَّة- لم يُقيموا لأمر العبادة وزئاه ولم يجعلوا لما شأنًاه حيث وقفوا عند 
توحيد الرّبوبية. 

فأهل الكلام لما عرّفوا التوحيد وقَسّموه قالوا: إنَّ الله واحد في ذاته لا قَسِيم 
له» وواحدٌ في صفاته لا نَظِير له» وواحدٌ في أفعاله لا شريكَ له(1). 

وهم بهذا التعريف أسقطوا ذكر وعَدَّ توحيد العبادة» ولم يجعلوه قِسْمّا من 
أقسام التوحيد؛ بل إنهم زيادة على ذلك فسَّرُوا معنى: لا إله إلا الله بقوهم: لا 


«) انظر في ذلك من كتب الأشاعرة: جرد مقالات الأشعري» لابن فورك (ص: 55)» ورسالة 
الحرة للباقلاني- المطبوعة باسم (الإنصاف» (ص: 33»: 34).» و«الاعتقادا للبيهقي (ص: 63)» 
واشرح أسماء الله ا لحسن» للقشيري (ص: 215)» و«الشامل في اهبو الدّين» (ص: 345- 
8) و«الإرشاد» (ص: 52)» والمع الأدلة» (ص: 86) للجوينيء والإحياء علوم الدين» (1/ 
3) و«الاقتصاد في الاعتقاد» (ص: 49) لأبي حامد الغزالي» وانهاية الإقدام في علم الكلام) 
للشهرستاني (ص: 90). 


لا رب ولا مالك ولا خالق» ولا قادر على الاختراع إلا الله سبحانه وتعالى» ولمًا 
عرفوا الإله حصروا معنى الألوهية في الربوبية» وقالوا: إن الإله هو: القادر على 
الاختراع والخلق(1). 

فهذا شأنُ توحيد العبودية والألوهية عند أهل الكلام. 

وأمّا أهل التصوف؛ فمنهم مَّن يقول كالحروي: إِنَّ «العوحيد: تنزيه الله تعالى 
غن الخدت وإنما فطق العلماء نما نطقوا به وأشار المحفقون يما أشاروا إلية 
في هذا الطريق؛ لقصد تصحيح التوحيد» وما سواه يِن حال أو مقام فكله 


والتوحيد على ثلاثة وجوه: 


الوجه الأول: توحيد العامة الذي يصح بالشواهد. 

والوجه الشاني: توحيد الخاصّة» وهو الذي يثبت بالحقائق. 

والوجه الشالث: توحيد قائم بالقدم» وهو توحيد خاصّة الخاصّة. 
فأما التوحيد الأول فهو شهادة أن إلا إله إلا الله) [مد:19] وحده لا شريك له 
الأحد الصّمّدء الذي لم يلد ولم يُولدء ولم يكن له اا 


«) انظر: «أصول الدين» للبغدادي (ص123).؛ و«اليلل والتّحل» للشهرستاني (1/ 100)» وامجرد 
مقالات الأشعري» لابن فورك (ص47). 
(2) «منازل السائرين» لأبي إسماعيل الحروي (135- 138). دار الكتب العلمية- بيروت. 


a ) 38 )-‏ ا | شرع رسالةالفيودية | 

فمن المتصوفة مّن اعتبروا توحيد العبادة الذي هو توحيد الرُسّل هو توحيدٌ 
العَوَام» وجعلوه في المنزلة الدّنياء وجعلوا توحيد الربوبية فوق توحيد العبادة 
ولذلك جعلوا توحيد الخاصّة هو شهود الربوبية» والفناء بشهوده عن مشهوده 
وبوجوده عن موجوده؛ بمعنى: أنهم حصروا هذا المقام من التوحيد في شهود مقام 
الربوبية. 

وتوحيد خاصّة الخاصة عندهم هو توحيد أهل وحدة الوجود» الذين يقولون: 
نه ما تّمت خالق ولا خلوق» ولا عابد ولا معبود وإِنَّ الوجود كله واحد. 
فإذًا كل من الفريقين (أهل الكلام والمتصوفة) لم يقم وزنًا لتوحيد العبادة ولم 
يلق له بالاء ولم يُعطه اهتمامًاء ولذلك تَبّه شيخ الإسلام رحمه الله هنا على 
توحيد العبادة ودّلّل عل قيمته ون منؤلسه؛ فقال: #وذلك أن العبادة لله هي 
الغاية المحبوبة له» والمرضية له)؛ واللّة تعالى بين قدرٌ أهل الايمان بقوله: بابر 
2 ر لالائدة 4 وأثنى عليهم بأنهم قد اكان عة له اة وال 
فقال: e‏ اموا اقا حا لله) [البعيرة: 1165 قال العلامة عبد الرحمن 
السعدي رحمه الله معلقًا عل هذه الآية: «أصل التوحيد ورُوحه: إخلاص 
المحبة لله وحده» وهي أصل التأله والتعبد له» بل هي حقيقة العبادة» ولا يتم 
التوحيد حتى تتكمل محبة العبد لربّه وتسبق محبته جميع التَحَابٌ وتغلبهاء 


ويكون لها الحم عليها بحيث تكون سائر محابٌ العبد تَبَّعَالههذه المحبة 
التي بها سعادة العبد وفلاحه)(1). 
فمحبة الله تعالى أمر عظيم ومقام جليل يَسعى إليه العبد» ولذلك قال الله عر 
وجل: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم 
والله غفور رحيم * قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب 
الكافرين) [آل عمران:32-31]. 

قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره هذه الآية: «(هذه الآية الكريمة 
حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية؛ فإنّه كاذب 
في دعواه في نفس الأمرء حتى يبع الشرع المحمدي والدّين النبوي في جميع 
أقواله وأحواله... وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قومٌ أنهم يحبون 
الله؛ فابتلاهم الله بهذه الآية»(2). 

فبرهان محبة الله عز وجل بتحقيق هذا الأمر؛ ألا وهو عبادة الله عز وجل 
وفق ما شرع في الكتاب والستة. 

ولذلك نلاحظ أن الكثير من تعريفات توحيد العبادة جاء النص فيها على 
أنَّ العبادة أمر يحبه الله عز وجل» فقد عرفها شيخ الإسلام هنا بقوله: «العبادة: 
اسم جامعٌ لكل ما يحبّه الله ويّرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة). 


() «القول السديد شرح كتاب التوحيدا للسعدي (ص 128). 


(2) اتفسير ابن كثيرا (2/ 32)» دار طيبة للنشر والتوزيع؛ الطبعة الغانيةء 1420ه- 1999م. 


-) 40( لس سي[ فرج رب رديه | 

رالد رهه التق عوط قر الماد الأمون ها تتبن مع ال 
ومعنى الجحب» فهي تتضمن غاية الذل لله بغاية المحبة له»(1). 

وقال في موضع آخر: «ففعل جميع المأمورات وترك جميع المحظورات يدخل 
في التوحيد» في قول: لا إله إلا اللّه(2), 

وقال كذلك: «العبادات التي يُتقرب بها إلى الله تعالى؛ منها ما کان محبويًا 
لله ورسوله» مُرضيًا لله ورسوله؛ إِمَّا واجب وإمًا مُستحبٌ)(3). 

وقال الإمام ابن كثير رحمه الله في تعريفها: «العبادة في اللغة من الدَّلَّة 
يقال: ريق مُعَبّد» وبعير مُعَبّد أي: مُذلل. وفي الشرع: عبارة عمًّا يجمع كمال 
المحبة والخضوع والخوف)(4). 

ومحبة الله تعالى لا تال إلا باتباع رسوله يله واتباع الرسول 4 إنما 
يكون بتحقيق العبودية لله عز وجل وتبذ الشرك» ولذلك استلزمت المحبة 
كنال طاعة الله سحا وتال هق ها اراتا امو وجدويةةوافا امير 
استحباب» وكما قال الإمام الشافعي عليه الرّحمة والرّضوان: 


تعصي الإ وأنت تزعم حُبَّه هذا محال في القياس بديع 


7" «مجموع الفتاوى» (10/ 153). 
2 المجموع الفتاوى» (28/ 34). 
«مجموع الفتاوی» (10/ 389). 


9 زتفسيرابن کین (134:/1): 


لو کان حبك صادقًا لأطعته ِنَّ المحب لمن يحب مُطيع 


في کل يوم يبتديكٌ بنعمةٍ منةُ وأنت لِشُّكرٍ ذاكَ مُضِيعْ(1) 

فبرهان محبة الله سبحانه وتعالى ودليل صدقها في قلب العبد: إنّما ينال 
بطريق العبادة» ولذلك جاء في الحديث القدسي: «(وما تَقَرّب إل عبدي ايء 
اح إل ما افترضتٌ عليه وما يزال عبدي يتقرب إل بالنوافل حت أَحِبَّه 
فإذا أحببثه كنت سمعه الذي يسمع بهه وبصره الذي يُبصر به ويده التي 
بطش بهاء ورِجْلّه التي يّمشي- عليهاء وإن سألني لأعطينه؛ ولأن استعاذني 
لأعيذنّه)(2). 

ولما كانت محبة الله سبحانه وتعالى لا تُنال إلا بطريق العبادة» كان لزامًا عل 
العبد أن يسلك هذا الطريق» وأن يجاهد نفسه في سبيل تحقيقها؛ قال تعالى: 
(وَاصْيرْ تفْسَكَ مَعَ الَِينَ يَدْعُونَ رَيّهُمْ بالَْدَاةِ وَلْعَشِيٌ يُريدُونَ وَجْهَهُ ولا غد 
عاك عَنْهُم] [الكهف: 28]»ء ولذلك قال شيخ الإسلام هنا: «إن العبادة هي 
الغاية المحبوبة له)» أي: أنها ما يحبه اللّه تعالى من عباده» وما رَضِيّها لهم. 

ويمكن إبراز هذا الباب من خلال ما يأي: 


() انظر: «ديوان الشافعي» (ص 67)» والأبياث من (الكامل العام). 


2( اک البخاري (6502) من حديث ا هريرة و 


-( 42 ) 523110110111010 | شرح رسالة العبودية | 


أولًّا: باب عبادة الله سبحانه وتعالى هي أحد أقسام التوحيد(!). 

فإذا ما قَسّمنا العوحيد إلى ثلاثة أقسام(2): 

القسم الأول: توحيد الربوبية: وهو إفراد الله بأفعاله؛ كالخلق والرزق. 

القسم الثاني: توحيد الأسماء والصفات: هو إفراد الله بأسمائه الحسنى 
وصفاته الع الواردة في القرآن والسنة» والإيمان بمعانيها وأحكامها. 

القسم الشالث: توحيد الألوهية: وهو إفراد الله بأفعال العباد التعبدية؛ 
كالصلاة والصوم والدعاء. 

فالقسم الشالث من أقسام العوحيد هو توحيد الأ لوهية» أو توحيد العبادة. 

وإذا ما قَسّمنا التوحيد إلى قسمين (3): 

القسم الأول: توحيد المعرفة والإثبات: ويُراد به توحيد الربوبية وتوحيد 
الأسماء والصفات» ويسّكى بتوضيد المعرقة؛ لان فعرفة الله عن وجل إنسا 
تكون بمعرقة أسباته وصفاثة وأفعالة: 


') تقسيم العوحيد إلى ثلاثة أقسام راجعٌ إلى اعتبار مُتَعَلّقَ التوحيد» وتقسيمه إلى قسمين راجع 
إلى اعتبار ما يحب على الموَحُد. 

8 انظر: «طريق الطجرتين») لابن القيم (ص 30)» واشرح الطحاوية» لابن أ العز(ص76)» 
والوامع الأنوار) للسفاريني (1/ 128)): واتيسير العزيز الحميد) لسليمان بن عبد الله (ص17- 
19( 

7 الأغلب في كلام أهل العلم المُتَقَدّمِين تقسيم العوحيد إلى قسمين؛ وهذا لأنهم يجمعون بين 
توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات» وذلك بالتّظرإلى أنهما يلان بمجموعهما جانب 
العلم بالله ومعرفته عز وجل» بينما توحيد الألوهية يُمَكّل جانب العمل للّه. 


والإثبات: هو إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله َء من الأسماء 
والصفات والأفعال. 

القسم الثاني: توحيد القصد والطلب: وسُمِّي بذلك؛ لأن العبد يتوجه 
بقلبه ولسانه وجوارحه بالعبادة لله وحده رغبة ورهبة» ويقصد بذلك وجه الله 
وابتغاء مرضاته(1). 

فهذا القسم الثاني من قِسمي التوحيد هو توحيد الألوهيةء أو توحيد العبادة. 

وإمَّا أن نقول: 

القسم الأول: التوحيد العلمي الَبري» والمقصود به: توحيد الربوبية 
وئيسية ا سا سات 

وسُسّي بالتوحيد اللي؛ آنه يَعتني بجانب معرفة اللّهء فالعلمي» أي: «العلم 
باللّه). والخبري: أي: يَتوقف عل الخبر من الكتاب والسّنّة. 

القسم الثاني: التوحيد الإرادي الطلبي: 

والمقصود به: توحيد الألوهية؛ وسمي بالتوحيد الإرادي؛ لأن العبد له في 
العبادات إرادة؛ فهو إمًا أن يقوم بتلك العبادة أو لا يقوم بها. وُي بالطلبي؛ 
لأن العبد يطلب بتلك العبادات وجة اللّه» ويقصده عز وجل بذلك(2). 

ومن العلماء من يُقَسَم التوحيد إلى قسمينء فيقول: 


0 انظر «مدارج السالكين» لابن القيم (3/ 449). 


2 وممن ذكر ذلك ابن القيم في امدارج السالكين» (3/ 450)» وابن تيمية في «الصفدية» (2/ 
228(. 


62 مسمس سس رس سس سس سس ل_شرح وصالة العبودية ) 

القسم الأول: توحيد السيادة: 

ويعني بذلك توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات» وُي بذلك؛ لأن 
د الله سبحاته رتال يافعاله جد رصا تحب له القيادة الظلفة 
والتصيّف الكَّام في هذا الكون؛ خلقًا ورزقًا وإحياء وإماتة وتصرفًا وتدبيرًاء 
فن وا چب الموحد أن يُفرد الله بذلك. 

والقسم الثاني: توحيد العبادة: 

والمراد به: توحيد الألوهية» وتسميته بذلك واضحة لا تحتاج إلى مزيد 

ومن العلماء مَن يُقَسّم التوحيد إلى قسمين(1)» فيقول: 

القسم الأول: التوحيد القولي: 

والمراد به: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات» وسُمَّي بالقولي؛ لأنه 
في مقابل توحيد الألوهية الذي بسكل الجانب العَمَلي من العوحيد وأمّا هذا 
الجانب فهو مختص بالجانب القولي العلي. 

القسم الثاني: التوحيد 0 

والمراد به: توحيد الألوهيةء وسُمي بالعملي؛ ؛لأنه يشمل كلا من عمل القلب 
وعمل اللسان وعمل الجوارح التي انكل با جاب الل من ابد 
فالتوحيد له جانبان: جانب تصديقي عِلمي» وجانب انقيادي عملي. 

ثانيّا: العبادة هي الحكمة من خلق الجن والإنس. 


0( من ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية. انظر: «مجموع الفتاوى» (367/1). 


فمعلوم أَنَّ الحكمة والغاية ِن خلق الله عز وجل للجنَّ والإنس هي 
عبادته وحده جل جلاله؛ قال الله عز وجل: (وما خلقت الجن والإنس إلا 
ليعبدون) [الذاريات:156؛ لذلك بين هم عن طريق الرسل والكتب ما يحخبه 
ويرضاه منهم ليَفعلوه» وما يبغضه ليجتنبوه. 

ثالمًا: العبادة هي ما بعث به الرسل. 

دلت کن ع الرسل من اکل هذا قال حاف زولقه كناف كل اة 
رسولا أن اغبدوا الله واجهنبوا الطاغوث] [الفحل عة فدغوة الرسل قائمة عل 
تحقيق العبادة لله عز وجل وحده. 

رابعًا: العبادة كذلك هي حقٌ الله على العبيد. 

كما قال النبي بي لمعاذ: لأتدري ما حقٌ الله على العباد؟ وما حقٌ العباد على 
اللّه؟). قال معاذ: الله ورسوله أعلمُ. قال: «حَقٌ الله على العباد: أن يَعبدوه ولا 
يشركوا به شيئًا(1)» فمّن أراد أن يُحَقّق العبادة عليه أن يقوم بحقٌّ الله عز وجل 
عليه من فِعل الأوامر واجتناب النواهي؛ مخلصًا في ذلك عمله لوجه اللّه؛ قال 
جل وغلا: (وما أمروا إلا ليعيدوا الله خلصين له الدين ) [البينةة]. 

خامسًا: العبادة هي الصلة بين العبد وبين الله عز وجل. 


' أخرجه البخاري (2856) ومسلم (30). 


E ( 46 )-‏ | شرع ردا انر 

فعلاقة العبد بربّه لا تڪون إلا من طريق عبادته عز وجل» كما جاء في 
الحديث القدسي: «وما تَقَرب إل عبدي بِشَيْءٍ أَحَبّ إَِ ما افترضتٌ عليه 
وما يزال عبدي يتقرب إكَ بالنوافل حت أَحِبّه)(1). 

فمحبة الله لعبده لا تحصل إلا بأن يحقق العبد العبادة لله عر وجلء وذلك 
بفعل الفرائضه واجتناب النواهي» والإكثار من الوافل. 

سادسًا: العبادة: هي معنى لا إِله إلا اللّه. 

فالإله: هو المعبودء وقيام العبد بحقٌّ لا إله إلا الله لا يتأق إلا بإخلاص 
العيادة لللاسيهانه وكعال وحده لذ شر داق له 

سابعًا: العبادة: شطر الإسلام وأوله وآخره. 

فالإفسان لا يدخل الإسلام إلا بعد أن ينطق بالشهادتين؛ (شهادة أن لا إله 
إلا الله وان محمدًا رسول اللّه)؛ فلا إله إلا اللّهء معناها: لا معبود بحم إلا الله 
ومحمد رسول اللّه معناها لا متبوع في أداء العبادة ولا قُدوة للنّاس إلا رسول 
الله لال كال ول وعلةه نقذ 6ن لكويق وقول للد ان E E‏ 
رجو الله وَالَيَوْمَ الْآخِرَ وَدَكَرٌ الله گثيرًا) [الأحزاب:21]. 

فمن أراد السعادة في الدنيا والآخرة فعليه باقتفاء أثره لله والض عل ما 
جاء به» وأن لا يَعبد الله إلا بما شرع رسوله بي قال تعالى: (وَمَا آكَاكُمُ 


( اخدة البخاري (6502) من حديث آي هريرة وَل 


اليَسُولُ َخُدُوهُ وَمَا تَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُواا [الحشر:7» وكذلك من كان آخر 
كلامه: لا إله إلا الله وَجَبت له النّةُ كما جاء في الحديث(1). 

ثامًا: العبادة ظاهر الدّين وباطنه. 

لأنَّ الدّين يشمل العبادات الظاهرة والعبادات القلبية الباطنة وستأق 
الإشارة إلى ذلك عند بيان تعريف العبادة؛ وأنها أول الدين وآخره وظاهره 
وباطنه. 

تاسعا: دعوة اليُسل- كنا هو معلوم- تقوم عل دعوة الناس للعبادة. 

فنوح وغيره من الأنبياء ممن ذكر الله تعالى في القرآن إنما أمَروا أقوامهم 
بهذا الا مر: اعدو آله لمن ِو رة 4 [الأعراف:59]. 

فلذلك حق على كل مسلم أن يُعتني بهذا الأمر حق الاعتناء» وان يهتم به 
غاية الاهتمام؛ علمًا وعملاء وكذلك دعوة وتطبيقًا. 

ومن هذا الاهتمام: دراستنا هذه الرسالة العظيمة المباركة التي بَيّن فيها 
شيخ الإسلام ابن تيمية بعض ما يتعلق بأمر العبادة» إذ فعلها إنما هو تنفيذ 
لمر الله سبحانه وتعالى وتحقيق لمراده من خلقه؛ لذا كانت من أهم ما يُصرف 
فيه الأوقات» ومن أعظم ما يجاهد من أجله العبد؛ فهمًا وتحمّنَا وعملًا. 

فعلى العبد أن يعرف قيمة هذا العلم (علم العقيدة)» وأن لا يَغتر بحال أهل 
الباطل الذين يُمَلّلون من أهميته؛ ليوقعوا الناس في الضلالات والبدع. 


أخرجه أحمد (22034) وأبو داود (3116) بلفظ: «دخل الْجَنَّةا من حديث معاذ ك 
وحسنه الألبائيٌ في «الإرواء» (687). 


-) 48 ) 521010101101000 | شرح رسالة العبودية | 


وما يجب أن يُعلم: أن الا نحراف في هذا الباب- باب العبادة- أعظم من 
الانحراف في سائر الأبواب؛ فا نحراف الناس في باب العبادة أكثر من انحرافهم 
في باب الأسماء والصفات. 

وسبب ذلك- كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-: الأنّ 
الا نحراف في أمر العبادة انحراف في أمر الإرادة» أمّا الاانخراف في باب الأسماء 
والصفات فهو انحراف في باب العلم» وباب العلم كما هو معلوم قد لا يناله 
كثيرٌ من الناس» بينما أمر الإرادة أمر مُشترك؛ حت البهائم لما إرادة» وبالعالي 
يقع الا نحراف كثيرًا في باب العبادة أكثر من وقوع الا نحراف في باب الأسماء 
والصفات» وعلى هذا فالبدع في باب العبادة أكثر من البدع في باب الأسماء 
والصفات» وهذا أمرٌ ملموس مشاهد؛ فمن يتأمل أحوال الناس يجد أن عندهم 
من الا نحرافات في باب توحيد العبادة ما هو أعظم من الا نحرافات في باب 
الأسماء والصفات» وأنواع البدع تشهد بذلك. 

فعلى العبد أن يحقق العبادة؛ التي هي غاية الأمور المحبوبة لله سبحانه 
وتعالى» والتي من أجلها خَلَق ايء ويها أرسل الرسل» وأنزل الكتب» حت إن 
أول أمرنزل في القرآن هو قوله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: يا أيها الناس 
افدر ريك الذي بوتكم الدب من و ا ن 

فإذا كانت العبادة بهذه المنزلة- فعلينا أن نحذر تمن يعمل على إسقاطهاء أو 
من بقلل من شأنهاء وأن نعمل جاهدين لتحقيق العبادة على الوجه الذي يحبه 
الله ويرضاه» وأن ذسعى كذلك في تعليمها للناس؛ وفي غرسها في نفوسنا ونفوس 
أبنائنا ونفوس طلا بنا؛ فهي مسئولية عظمى. 


وعلى المسلم أن يُرَنّبِ طريقةً تعليمه دار أولويات الديذ: إذ 
سال عن مس ا اما رل اا ایک فيان 
مسال فى هن لر احق أمور العقيدة رجغلا اسان ويأق بسائل- مغلا ق 
الأسماء والأحكاء ويك مهاعل سائل ارحب فليس هذا ماقف 00 
فأوليّات وأولويات هذا الدّين مرتبة» كما نبّه الي َل معاذدًا على ذلك؛ فعن 
عباس ووَزَيََعَتَع: «أنَّ رسول الله بل لما بعث معادًا َي على اليّمنء قال: 01 
َقْدُمُ على قوم ُهل كتاب؛ فَليحُن أولّ ما تدعوهم إليه: عبادة اللهء فإذا عَرفوا 
الله فأخبرهم أنَّ الله قد فَرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم فإذا 
قعلواء فأخبرهم أنَّ الل فرض عليهم زكاة من أمواهم ونرد على فقرائهم, فإذا 
أطاعوا بهاء فَحّذْ منهم وَوَقّ كرائمَ أموال الناس)(1). 

وأيضًا هذا المقام- مقام العبادة- مَقام عظيم» وهو شرف لمن حَقَّقِه 
وانتسب إليه؛ فهو شرف لملائكة الله تعالى المُقربين الذين لهم من المنزلة ما 
کر ال یاف وها لعن واف تان وا كن وا رضن 
غ15 من رن عن عباد عه ولا E‏ “خرن الجن 
وَالكَهَارَ لا يَفْترون1 [الأنبياء:0,19م]. 

فمع ما وضع الله فيهم مِن عِظم الخلق» وما جعل لهم من المنزلة» إلا أنَّهم لا 
يستكبرون عن عبادته سبحانه وتعالى! 

20 


90 أخرجه البخاري (1458) ومسلم (19). 


6 0 و 2 


قال المصنف رحمه الله: 

«ونَعَتَ صفوةً خلقه بالعبودية لَهُ؛ فَقَالَ تَعَالَ: (عينًا يشرب با عباد الله 
يفجرونها تفجيرا) [الإنسان: 6]. وقال: (وعباد الرّحْمَن الّذين يَمْشُونَ على الأزض 
هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قَالُوا سَّلاما...) الآيّات [الفرقان: 63- 77]. 

وما قال الشَّيْطَانُ: (رب بِمَا أغويتني لأزينن لَهُم في الأزض ولأغوينهم أَجْمَعِينَ * 
إلا عِبّادك مِنْهُم المخلصين) [الحجر: 39 40]؛ قال الله نَعَالَ: (إنَّ عبّادي لَيْسَ لك 
عَلَيْم سُلطصَّان إلا من اتبعك من الغاوين) [الحجر: 42]. 

وقال في وصف الْلائِكّة بذلك: (وقَالُوا اتخذ الرَحْمّن ولدا سُبْحَانَهُ بل عباد 
مكرمون * لا يسبقونه بالقَؤل وهم بِأَمْرهِ يغملُونَ * يعلم مَا بين أَيُديهم ومَا 
خَلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خَشيته مشفقون) ليام 26- 28[« 
وقال تَعَالَ : (وقَالُوا اتخذ الرَحْمَن ولدا * لقد جِنْتُمْ شَيْئا إدا * تگاد السّمَاوات 
يتفطرن مِنْهُ وتنشق الأَرْض وتخر الجبّال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا * ومَا 
يَنْبَغي للرحمن أن يتّخذ ولدا * إن كل من في السَّمَاوات والأزض إلا آتي الرّحْمَن 
عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلُم آتيه يَوْم القِيَامَة فردًا) [مَرْيم: 95-88]. 

وقال تَعَالَ عَن المسيح الَّذِي ادُعيت فيه الإلبية والبنوة: (إن هُو إِلّا عبد 
أنعمنا عَلَيْهِ وجعلناه مثا لبتي إِسْرَائِيل) [الزخرف: 59]. ولهدا قال التي ئ في 
الحَدِيث الصّجِيح: «لَا تُطْرُوني كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيِسَى ابْنَ مَرْتَم؛ فَإِنَّمَا أنا 
عبد. فَقولُوا: عبد الله ورَسُولُه». 

وقد نّعته الله بالعبودية في أكمل أخواله. فَقَالَ في الإسراء: (سُبْحَانَ الَّذِي 
أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلَا1 [الإسراء: 1] وَقَالَ في الإيحاء: (قأوحی إلى عبده مَا أوحى) [التَجْم: 
0 وقال في الدَّعْوة: (وأنه لما قَامَ عبد الله يَدعُوهُ كَادُوا يكوثونَ عَلَيْهِ لبدًا) 
[الجن: 19]ء وقال في التحدي: (وإن كُنْثُم في ريب ممًا نزلِنَا على عَبدنًا فاتوا بِسُورَة 
من مثله) [23 البَقَرَة]. 


يم 

أفى الله سياه وال فل اللاتكة بأنّهم لامستكبروة هن غيادقة: 
ودّمّ جل وعلا المُستكبرين حيث قال: [إِنَّ الذين يستكبرون عن عبادقي 
سيدخلون جهنم داخرين) [غافر:60]. 

وقد بَيّن شيحٌ الإسلام رحمه الله ثناءَ الله سبحانه وتعالى على عباده الذين 
حضوا له في عبادتهم له عز وجل» وهنا عِدَّةٌ وقفات: 

الوقفة الأولى: أنواع العبودية للّه تعالى: 

العبودية عل توقية: عزودية عامة..وغبودية خاصة. 

فالعبودية العامّة: عبودية أهل السموات والأرض كلهم لله؛ برهم 
وفاجرهم» مُؤمنهم وكافرهم. فهذه عبودية القّهر والمُْلك؛ قال تعالى: (وقَالُوا 
اد امن ولا لَقَدْ جم سا إا كاد المَمَاواتُ يمرن مِنْهُ نشي 
لأر وثَخِرُ ابال هَدَّا أن دَعَوا لِلِرّحْمَنِ ولا وما يَنبَغي لِلرَّحْمَنٍ أن يَتَحِدَ ولا 
إن كل من في السّمَاواتِ وَالأَرْضٍ إلا آتي البّحْمَنِ عَبْدًا) [مريم: 193-88 فهذا 
يدخل فيه مؤمنهم وكافرهم. 

وقال تعالى: (ويَوْمَ يَحُْرُهُمْ وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله فَيَقُولُ اث أَصْلَلتمْ 
عِبَادِي هَوْلآء اَم هُمْ صَلُوا السّبيل) [الفرقان: 17]؛ فسّمّاهم عِبَاده مع ضلاه» 
ولكنها تسمية مُقَيّدة بالإشارة» وقال تعالى: لقُلٍ الهم قَاطِرَ السّمَاواتِ والأرْضٍ 
عَالِمَ الَيْبٍ والقَّهَادَةٍ انت تڪ بَْنَ عِبَادِكَ في ما كَانُوا فيه يَحْتَلِمُون) [الزمر: 
6 وقال: (ومًا اللََيُرِيدُ ظلمًا لَلعِبَاد) [غافر: 131 وقال: (إِنَّ اللْهَقَدْ حَحَمَ 
بين العِبّاد [غافر: 48]؛ فهذا يتناول العبودية الخاصة والعامة. 


.)2( مس سس سي ارو ري هري 

وأما النوع الثاني: العبودية الخاصة» وهي عبودية الطاعة والمحبة واتباع 
الأوامر» وقد الله 

قال تعالى: يا عِبَادٍ لآ حَوْفُ عَلَيْكُمُ اليَوْمَّ ولا ن رون [السرف: 
8 وفال: رباد ال رن ديق يرن كل الأض عونا وإذا حاط 
الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلآمّا1 [الزخرف: 68]. 

وأخرج الطبريٌ عن الربيع في قوله: (إِنّهُ لَيْسَ له سُلْطَانٌ على الَدِينَ آمَمُوا 
عل رهم يَتَوَكُونَ) [الدحل:99] إلى 3 وَل ذِينَ هم به باكرا [التحل:100] 
يُقال: إِنَّ عدو الله إبليس قال: لأَغْر يََّهُمْ أحمَعِينَ إلا بادك مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) 
[ص:83.82] فهؤلاء الذين لم يجعل اا عليهم ا واا سلطانه على قوم 
الخذوه ا في أعمالهم»(1). 

فعباد الله حقًا هم الذين قال لإبليس عنهم: (إِنَّ عِبَادي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ 
سُلطَانٌ إلا من اتبَعَكَ مِنَ العَاوِين) [الحجر: 42]. 

قال الإمام این كقير وه الله: «وقوله: إإن عبادي ليس لك عليهم 
سلطان) [الحجر:42] أي: الذين قَدَّرْتُ طم الهداية؛ فلا سبيلَ لك عليهم» ولا 
وض لك إليهم؛ إل مَن اتبعك من الغاوين) [الحجر:42] استثناء مُنقطع)(2). 

والاستثناء المُنقطع معناه: أن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه ولا 


9" أخرجه الطبري في «تفسيره» (17/ 295). 


2 «تفسير ابن كثيرا (4/ 535). 


ولع هنا أن هؤلاء الغاوين المتبعيق لابليسن لنسواعبادًا لله ا أى: 


العبودية الخاصة. 
قال الإمامُ ابن القَيّم رحمه الله: اونما انقسمت العبوديّةٌ إلى خاصّة وعامة؛ 


لان أصلّ معنى اللفظة [أي: العبودية]: الل حصو يُقال: طريق مُعَبَّد إذا كان 
مُدَنَلُا بوطء الأقدام» وفلان عَيّده الحبٌ إذا ذلَّلَه. 

لحن أولياؤه خضعوا له ودَلُوا طوعًا واختيارًا وانقيادًا لأمره ونهيهء وأعداؤه 
خَضعوا له قهرًا ورغمًاا(1). 

الوقفة الثانية: وصف عبيد ربوبيته بالعبودية لا يأتي إلا على أحد خمسة 
5 

فالخلق كلهم عبيد ربوبیته» وأمّا آهل طاعته وولايته: فهم عبيد إلهيته. 

ولا يجيء في القرآن إضافة العباد إليه مطلقًا إلا هؤلاء المُخلّصِين. 

وأمّا وصف عبيد ربوبيته بالعبودية؛ فلا يأتي إلا على أحد خمسة أوجه: 

الأول: إِما مَُكَرَاه كقوله: (إن گل من في السَّمَاواتِ والأَرْضٍِ إلا آني الرّحْمَنِ 
ا 3-9 93[. 

والشاني: مُعََقًّا بالألف واللام؛ كقوله: (ومًا اللَّيُرِيدُ لما لّلعِبَاد) [غافر: 

1 وقوله: إن اللَّدَقَدْ حَكمَ بين العبّاد) [غافر: 48]. 

الغالث: مُقَيدَا بالإشارة أو نحوها؛ كقوله: أن أَضْلَلتُنْ عِبَادِي هَوُلاء ام 
هُمْ صَلُوا اليل ا 17]: 


«مدارج السالكين» (1/ 106). 


ooo ) 54 (-‏ ا ل | شرع رسالةالفيردية | 

الرابع: أن يُذكروا في عموم عباده؛ فيّندرجوا مع أهل طاعته في الذّكر؛ 
كقوله: (أنت تڪ تَحْكُمْ بَيْنَ عِبَادِكَ في مَا انوا فيه يَخْتَلِفُون) [الزمر: 46]. 

الخامس: أن ر توضوفيق بعلم کشر تال (كل ا ادق الدياق 
سفوا غل أَنفّيِهمْ لآ توا من رة الل [الزمر: 53]. 

وقد يقال: إِنَّما سَمّاهم (عباده) إذا لم يتقنطوا من رحمته» وأنابوا إليه» واتّبعوا 
ان انول لهم مع :ريه ی عا ا 

الوقفة الثالثة: مدار التّزاع في هذا الباب: 


ا 


ومدا رالنزاع مع المخالف في هذا الباب جاء من عدم فهمهم للفرق بين 
العبودية الخاصّة والعبوديّة العامّة؛ ذ فمن اتضح له الفرقٌ بين العبودية الخاصة 
والعبودية العامة- عرف أين مقام الفناء» وأين مقام الدَّمّ 

فمقام الغناء هو لأهل العبودية الخاصة؛ فلذلك تَعََهم اللّهُ تعالى جَنْعهم 
وأفرادهم؛ لأن مقامٌَ هذه العبودية أشرف المقامات» ومرتبتها أعلى المرتبات ؛ 
فينا كك رفك اللا كال اهال ا عا رفك لا 
يَسْتَكْيرُونَ عن ' عِبَادَتْهِ وَمُسَبَحُونَهُ 2 يَسْجَدُونَ) [الأعراف: 206]» وقال جل 
جلاله: ابل ا وده بِالْمَوْلٍ وَهُمْ بار لو [الأنيباء: 
26 27[. 

والعبودية هي مقام التشريف لأنبياء الله ورسله» وهم أعلى مُكلّفين في 
مراتب العبودية؛ قال عز وجل: (ِوَسَلامٌ عل عِبَادِهِ الّذينَ اضْطفَى) [السل: 59» 


' انظر: «مدارج السالكين» (1/ 106). 


وقال سبحانه: (وَلََدْ سَبَمَتْ كلِمَمُنا عباتا اْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُْ لهم المَنْصُورُونَ) 
[الصافات: 171 172]» وقال جل وعلا: (وَاذْكُرْ عِبَّادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقٌ 
يفقوت أول ی ا لس االاروص ف سياه ابوت التي ا 
طويلا بقوله: (إِنَا وداه صَابرًا نعم الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَابُ) [ص:444 وأثنى عل 
سليمان الذي وهبه الملك العظيم بقوله: (وَوَعَْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعُمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ 
ا اة ما عى غلب السلا قتع رد جاك عل من اهو رل 
(إِنْ ُو إلا عَبْدُ أَنْعَمْنَا عَلَيْو) [الزخرف:59]» ولذلك استشهد هنا شيخ الإسلام 
بقول النبي د «لا تُظْرُونٍ كما أَظْرَتِ الَصَارَى ابن مَرَيم؛ قَإِنّمَا ا 
فَقولُوا: عبد الله ورَسُوله؛(1). 

فهذه العبودية تُطلق في مقام المدح والعناء» إذ هي شرف للعبد؛ لذلك 
وصف الله عز وجل بها نبيّه 4 في أعلى المقامات: ففي مقام الإسراء قال جل 
جلا سین اللا سرف عي ياه من المسجد الحرام إلى المسجد 
الأقصى) [الإسراء:1]؛ وفي مقام الوجي قال سبحانه: (فأوج إلى عبده ما أوجى) 
[النجم:4]10 وفي مقام الدعوة قال جل وعلا: (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا 
يكونون عليه لبدًا) [الجن:19]» وفي مقام التحدي قال عز وجل: (وإن كنتم في 
ريب هما زلا على عبدنا [البقرة:23]: فذكره بوصف العبودية. 


شر 


أخرجه البخاري (3445) من حديث عمر بن الخطاب ذَلقك. 


-) 56( شرج وسالة العبودية_) 

فعلى العبد أن يسعى جاهدًا في تحقيق العبودية؛ فهي شرفه ودليل إيمانه؛ 
كنا ف اللديث: «واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل)(1). 

الوقفة الرابعة: تحقيق العبودية للّه: أول الأولويات: 

تحقيق العبودية للّه أول الأولويات؛ كما في حديث شُعب الإيمان: «الإيمانُ 
بضع وسّبعون- أو بضع وستّون- شُعبة؛ فأفضلّها: قول: لا إله إلا اللّه. وأدناها: 
إماطة الأذى عن الطريقء والحياءٌ شُعبة من الإيمان»(2)» فالإيمان كله 
عبودية؛ فكل طاعة من الطاعات هي شعبة من شعَب الإيمان؛ فالصلاة شعبة 
من شعب الإيمان» وكذلك الركاة والصوم وبر الوالدين وصلة الأرحام والصدقة.. 
إلى غير ذلك» فكل طاعة من هذه الطاعات فهي شعبة من شعب الإيمان. 

وعليه» مَّن أراد أن يكون من أهل الإيمان فليّحَقّق العبودية لله سبحانه 
وتعالى» وهذا مقام عظيم يّناله مَن أسلم لله ظاهرًا وباطنًاء وذلك بمعرفة الله 
سبخانه وتغال المعزفة الحقة؛ قال الله قال (إنما يشي الله من غاد 
العلماء) [فاطر:28]» فالعلماء هم أهل اة وأهل التقوى لله سبحانه وتعالى؛ 
لأنهم باللّه أعرف» وكما قال العلماء: ١مّن‏ كان باللّه أعرف كان له أعبدا. 

ولا كان الأنبياء أشد الناس معرفة بالله عز وجل- كانوا أعظم تحقيقًا 
للعبودية له جل وعلاء وقد رد ب4 على أولعك النفر الذين سألوا عن عبادته 
'' أخرجه الطبراني في «الأوسط» (4278)» والحاكم في «المستدرك) (7921) من حديث سهل 


بن سعد َء وحسنه الألباني في «الصحيحة) (831). 


7 أخرجه مسلم (35) من حديث أي هريرة ك. 


ی فلا يرا كأنهم تقالوها فقال: اأَمَا- والله- 5 أخشاكم لله 
وأتقاكم له...»» الحديث(1)» فالنبي كيا أخشانا وأتقانا وأكثرنا عبودية لله جَلَّ 
وعلا. 

فطريق تحقيق هذه العبادة هو عن طريق معرفة الله تعالى؛ لأن هذه المعرفة 
فق ما غق فس کن الله سحا رال اس یدمن كل گی 
واکبرَ من كل شيء؛ وأعظمَ من كل شيء؛ وأجلّ من كل شيء. 

فإذا امتلأتِ النفوس بمحبة الله جل وعلاء عمرتها بالميبة والإجلال 
والخشية والانكسار والذل والخضوع له جل جلاله وأكسبتها سرعة 
ااا د ارال ساق[ ان دمن اموا سيدا ولد 
وَلِلِئَمُولِ لدا دَعَاكُمْ لِمَا يحْيِكُمْ وَاعْلَمُوا ائ الله ڪول بين الْمَرْءِ وَكَلْبِهِ وَأ 
اله مرون [الانتفال: 24]» ونتج عن ذلك تحقيق طاعته سبحانه وتعالى؛ 


والبعد عمًّا حرم عز وجل؛ فتستحق هذه النفوس أن تكون من أهل هذا 
الوصف؛ وصف العبوديةء وأن يدخلوا فيمن قال الله فيهم: (وعباد الرحمن) 
[الفرقان:63]» فهذه العبودية الخاصّة تنال عن طريق تحقيق عبادة الله عز وجل. 

ولا شك أنَّ الناس فيها مقامات؛ فهناك من هو سابق بالخيرات. وهناك مَن 
هو مقتصد. وهناك مَّن هو ظالم لنفسه» لكن يخلص من هذا كله: أنَّ الدين 
كله داخل في العبادة. 


'' أخرجه البخاري (5063) ومسلم (1401) من حديث أذس بن مالك ذَلك. 


e _ ) 58 )-‏ | شرح رسالة العبودية | 
ولذلك لما سمل الحبي ية عن الإسلام والإيمان والإحسان والسّاعة- كما 
سيأقي في حديث جبريل عليه السلام- قال ايا في آخر ذلك الحديث: «هذا 


5 


جور أن تاكم يُعَلَمكم ديتكم)(1). 


DEC 


8 الفرفة البخاري (50) من حديث أي هريرة َء ومسلم (8) من حديث عمر بن الخطاب 


ا 
حتت 


| لشيخ الإسلام ابن تيمية أ 11111111611111111111616161111116161611111161616161111616111116166016160608 ( 59 )- 

قال المصنف رحمه الله: «فالدين كله داخل في العِبَادَة. وقد تبت في 
«الص > لصجيح» أن جاریل نما جَاءَ إلى النَِّي عل 25 صورّة أَعْرَابي فشالة عن الإسْلام 
قال: « الإسْلَاحُ: أن تشہد أن ا إِلّه إلا الله وأن مُحَمَّدَا رَسُولْ الله وتقيم الصَّلَاة 
وتؤتي الرّكّاة. وتصوم رَمَضَانَ. وتحج البَيْتَ إن اسْتَطَّعْتَ إِلَيّْه سَبيلا». قال: فَمَا 
الإيمان؟ قال: «أن تؤمن باللّه ومَلانگته وكُثّبه ورْسُله والبّعث بعد الْمَوْتِء وتؤمن 
بالقدر؛ خَيره وشره». قَالَ: فَمَا الإخسّان؟ قال: «أن تعبد الله كَأَنَك تراهُ. فَإن لم 
تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك». ثم قال في آخر الحَدِيث: «هَذَا جإريل جَاءَكُم يُعَلَمُكم 
ديتكُمْ». فَجعل هَذَا كُلَّه من الدّين». 

الشرح 

والإحسان)» وفيه خص الي بي الإسلام بالأمور الظاهرة وحص الإيمان 
بالأمور الباطنةء وجعل الإحسانّ مجموعٌ الأمرين؛ لأن الإحسان في اللغة: 
الإتقان» والمراد هنا: إتقان الظاهر والباطن. 

والإسلام يطلق أحيانًا ويُراد به جميع الدّين» كما في قوله تعالى: (إنَّ الدين 
عند اللّه الإسلام) [آل عمران:19] ويُطلق تارة ويّراد به الأمور الظاهرة» كما في 
هذا الحديث حيث قال: «الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا اللّه...)» إلخ. 

والايمان كذلك يُطلق ويراد به جميع الدّين» كما في حديث: «الإيمانُ بضع 
وسّبعون شُعبة...)» ويُطلق الإيمان ويراد به: الأمور الباطنة» كما هنا في حديث 
جبريل حيث قال ک: «الإيمان: أن تمن باللّه وملائكته وکتبه ورسله...). 


-) 60( 1 2310011011111101909 | شرح رسالة العبودية | 


فلفظ الإسلام والإيمان إذا ذكرا معًا افترقا؛ فصار للإسلام معنى خاص» 
وللويمان معنى خاص» كما هنا في حديث جبريل عليه السلام؛ فالإسلام 
خاص بالأعمال الظاهرة» والإيمان خاص بما يتعلق بأعمال القلوب. 

أما إذا ذكر الإسلام وحده أو الإيمان وحده؛ فإنَّ أحدهما يدخل في الآخر؛ 
لهذا يقول أهل العلم: «إنّهما إذا اجتمعا افترقاء وإذا افترقا اجتمعا؛؛ فالإيمان 
عند أهل السنة والجماعة: هو عمل بالأركان» وقول باللسان» وتصديق بال نان 
ويدخل فيه الإسلام؛ يكون قولًا باللسان وعملًا بالأركان وتصديقًا بالجنان؛ 
إذا ذكر وحده(1). 

والشاهد هنا قوله: «فجعل هذا که من الدّين)» أي: جعل من الدين: 
الأعمال الظاهرة والأعمال الباطنة وإتقان الظاهر والباطن» وهذا أعلل المقامات 
وهو مقام الإحسان» ومعناه: أن تتقن الظاهر والباطن؛ فإذا أحسن العبدٌ أعماله 
الظاهرة» وأحسن أعماله الباطنة؛ فقد ارتقى إلى درجة الإحسان. 

و البي 5 في آخر الحديث: ١هَذَا‏ جِبْرِيلُ جَاءَكُم يُعَلّمُْكم ديتَكُمًا؛ 
نعكل الثية ون ال 

إِذّا العبادةٌ هي الدّينُء والدّينُ هو العبادة؛ فعلى العبدِ أن يَعتئي دامر العيادة 
لأنّها الدّينُ وعليه أن يَعلم أن طريقه لتحقيق هذا دين الإسلام والغبات عليه: 
إِنّما يكون بتحقيق العبادة. 

20 


() انظر: «المنتقى من فتاوى الفوزان» أول المجاد الغانيء أول فتاوى الإيمان. 


قال المصنف رحمه اللّه: «واليّين يتضَّمّن معنى الخضوع والذل؛ يُقَال: دنه 
قدان؛ أي: أذللته فَذَلَ. ويُقال: يَدِين الله ودين لله أي: يَعبد الله ويُطيعه 
وتخضع لَه فدين الله: عبادته وطاعته والخضوع لَه 

ا اي مَعْتَاهَا: الذلٌ أَبْضًّاء يُمَال: طريق مُعَبّد. إذا كَانَ مُذَلَلَا قد 

٠‏ لكن العبّادَة اا مھا تت 5 تتضمن معنى الذل ومعى الحبٌ؛ في تَتَضّمّن غَايَة 
الذل لله تعالى. بغاية المحبّة له». 

لفظ الدّين ولفظ العبادة في أصل اللغة بمعنى واحد. 

فالدين في اللغة معناه: الخضوع. 

قال ابن فارس: «(دين): الدال والياء والون أصلٌ واحد إليه يرجع فروغه 
كا وهو جد هن الا قاد وال فان الطاعة ال دان له دين ديق 
إذا أُصْحَبَ وانقاد وطاعً. وقومٌ دِينّ» أي: مُطيعون منقادون)(1). 

وقال الوبيدي: «والدين: (الطاعة)» وهو أضل المعنى؛ وقد دنه ونث لهء 

أطعمه)(2). 

ساد في اللغة معناها: الخضوع. 

قال الرازي: «أصل العْبُودية: الخضوع والذّلّ. والتَعْبيدٌُ: العذليل؛ يُقال: 
طريق معبد. 


0 «(معجم مقاييس اللغة» (2/ 319). 
2 «تاج العروس» (35/ 54). 


-( 62 ( 531011011010000 | شرح رسالة العبودية | 


وَالتَعبِيدُ أيضًا: الاسْتِعْبادُ وهو اتخاذ الشخص عبدًا... 

وَالعِبَادَةٌ: الطاعة. وَالتَعَيّدُ: العنسّك»(1). 

وقال الطبري في تفسير سورة الفاتحة عند قوله: (إياك نعبد) [الفاتحة:5]: 
او ا اخترنا البياق هع اویل یاه بمعنى: نخشع ونذل وذستكين» دون البيان 
عند يانه ع ترجو ركاف وان کن اا اء و يف لا يكونان إلا مع 
ول2 لان العبودية عند جميع العرب أصلها الدّلّة)(2). 

ولذلك قال شيخ الإسلام هنا: «والدّينُ يتضمن معنى الخضوع والذلء هذا في 
أصل اللغة» يقال: دنه قَدَان أي: أذللته قَدَل)» ثم قال: «أي: فيد الله ويطيعه 
ويخضع له). 

فدين الله: عبادة الله وطاعته والخضوع له» فإذا أضيف الدّين لله سبحانه 
وتعالى؛ فإنه بمعنى: عبادة الله تعالى والخضوع والطاعة له سبحانه وتعالى. 

وهكذا معنى العبادة» فالعبادة أصل معناها في اللغة هو: الذل والخضوع 
وبالتالي يقال: طريق مُعَبّد إذا كان مذللًا قد وطئته الأقدام. 
لكن العبادة في الشرع أضيف لها مع كمال الل كمال المحبة؛ كما قال شيخ 
الإسلام: «العبادة تجمع كمال اة وکال اذل #العايد غت خاضع بخلاف 
من يحب من لا يخضع له بل يحبه؛ ليتوسل به إلى حبوب آخرء وبخلاف من 


' «مختار الصحاح» (ص467). 
2 «تفسير الطبري» (1/ 161). 


يخضع لمن لا يحبه كما يخضع للظالم؛ فإ كلا من هذين ليس عبادة محضةء 
وإِنَّ كل محبوب لغير الله ومُعَظم لغير الله ففيه شَوْبٌ من العبادة»(1). 

فبعض الألفاظ إذا انتقلت من المعنى اللغوي إلى المعنى الشرعي انضاف 
إليها معنى زائد» أو أنها اختصت بأمر معين؛ فلفظ العبادة في أصل اللغة 
معناه: الذل والخضوع» ولكن لما أصبح لمكا شرعيًا فإنّه جمع مع الذل كمال 
اله كيال قال الصف ها الكن العباذة امور بيبا كي صح ال 
ومعنى الحبّا. 

502 


"' «قاعدة في المحبة» (ص 98» 99). 


-) 64 ) 531101101101110 | شرح رسالة العبودية | 


قال المصنف رحمه الله: «فَإِنَّ آخرّمَرَاتِب الحبّ: هُو التتيم. وأوله: العلاقة؛ 
لتعلق القلب بالمحبوب. ثمّ الصّبابة؛ لانصباب القلب إِلَيْهِ. ثمّ الغرام: وهُو الحبُ 
الملازم للقلب. ثمّ العشق. وآخرها: التتيم؛ يُقَال: تَيْمُ الله أي: عَبْدُ الله؛ فالمتيّم: 
المعبّد لمحبوبه». 

حدر الحديث هنا عن عدة مسائل: 

المسألة الأولى: شرح الألفاظ الخمسة: 

ما العلاقة؛ فقد قال العلامة ابن القيم رحمه اللّه: «العلاقة وتسم العَلّق 
بوزن القَّلّق؛ فهي من أسمائهاء قال الجوهري: والعلق- أيضّا-: الموى؛ يقال: 
نظرة من ذي عَلَق؛ قال الشاعر: 
ولقد أردت الصبر عنك فعَلّقني عَلَقُ بقلبي من هواك قديم 

وقد عَلِقها بالكسر وعلق حُبّها بقلبه» أي: هَويها وعلق بها علوقًاء وسَمِّيت 
علاقة؛ لععلق القلب بالمحبوب؛ قال الشاعر: 
أعلاقة أم الوليد بعدما أففان رأسك كلقغفام 

وأمّا الصَبُوة؛ فقال ابن القيم: «الصَّبُوة والصَّبّا فمن أسمائها أيضََاء قال في 
«الصحاح): «والصّبًا من الشّوق؛ يقال منه تصَابًا وصَبًا يَصبو صَبُوة وصَبْوَاء أي: 


' المخلس: اسم فاعل من أخلس النبات» إذا كان بعصّه أخضر وبعضه أبيض» وكذلك يقال: 
اخس راب إذا خالط سراد باضه 
رة المحبين ونر الممحاقين» (3271) 


مال إلى الجهل. وأَصْبَتْهُ الجاريةٌ وبي صّباء هثل سّيِع سَماعًاه أي: لعب مع 
الصبيان. 

قلت: أصل الكلمة من الميل؛ يقال: ضبا إلى ككذاء أي: مال إليةه. وسميت 
الصبوة بذلك؛ لميل صاحبها إلى المرأة الصبية. والجمع: صبايا؛ مثل: مَطية 
ومطايا. والتّصابي: هو تعاطي الصبوة مثل التمايل وبابه. والفرق بين الصبا 
والصبوة والحصابي: 

أن التصابي هي تعاطي الصباء وأن تفعل فعل ذي الصبوة. 

وأمّا الصبا فهو نفس الميل. 

وأما الصبوة فالمرة من ذلك مثل العٌشوة والكبوة وقد يقال عل الصفة 
اللازمة مثل القسوة» وقد قال يوسف الصديق عليه السلام: (وإلاً تصرف عي 
كَيْدَهَنَّ اهن وك مِنَ الجاهلين) [يوسف:33]. 

وما الصبابة فقال في «الصحاح): هي رقة الشوق وحرارته؛ يقال: رجل 
ای هقان رقه صت :يا رجله«بالكسرة قال الحا 
ولست قصب إلى الظاعدين إذا ما صديقك لم يَصْبّبِ 


وهم كثيرًا ما يعاقبون بينهماء فبينهما تناسب لفظي ومعنوي؛ قال الشاعر: 


كفك التحرق الضياية ليق تحمّلت ما يَلقون مِن بينهم ودي 


4 


-) 66( 23100101119 | شرح رسالة العبودية | 


ويقال: رجل صب وامرأة صَبء كما يقال: رجل عدل وامرأة عدل)(1). 

وأما الغرام فيقول ابن القيم: «وأمّا الغرام فهو الحب اللازم؛ يقال: رجل 
مُغرم بالحب» أي: قد لَزِمه الحبّء وأصل المادة من اللزوم؛ ومنه قوهم: رجل 
مُغرم من العُرم أو الدَّيْن؛ قال في «الصحاح): والعّرام: الولوع» وقد أغرم 
بالشيء» أي: أولع به. والغريم: الذي عليه الدَّيْنُ يقال: خذ من غَّريم السوء ما 
سنح» ويڪون الغريم أيضًا: الذي له الدين؛ قال كتير عرَّة: 


قضى کل ذي ذَيْن فوقٌ غْرِيمه وعَرّة طول مُعَقى غُريمها 

ومن المادة: قوله تعالى في جهنم: (إِنَّ عَذَابَهَا كنَ غَرَامَا) [الفرقان:65]» 
والغرام: الشَّر الدائم اللازم والعذاب؛ قال بشر: 
ويوم التسار ويوم الفا ر کانا عذايًا وكانا غراما 


إن يعاقب يكن غرامًا وإن ي طِ جزيلًا فإنه لا يبالي 
وقال أت عبيدة: ن عَذَابَهَا كان عا [الفرقان:65]: كان هلام وَلِزامًا 
وللطف المحبة عندهم واستعذابهم ها لم يكادوا يطلقون عليها لفظ 


الغرام» وإن لهج به المتأخرون)/2). 


رة الخ (2234/1): 
رة الح 1(7 5049 


وأَمّا العشق فيقول ابن القيم: «العشق فهو أَمَرٌ هذه الأسماء وأخبَمُها؛ وقَلَّ 
ما ولعت به العربُ» وكأنهم ستروا اسمه وگنّوا عنه بهذه الأسماء؛ فلم يكادوا 
يفصحوا به» ولا تكاد تجده في شعرهم القديم» وإِنَّما أولع به المتأخرون» ولم 
يقع هذا اللفظ في القرآن ولا في السنة إلا في حديث سويد بن سعيد وسنتكلم 
عليه إن شاء الله تعالى» وبعدٌ فقد استعملوه في كلامهم؛ قال الشاعر: 


وماد عسئ الواشون أن يتحدكوا سوى أن يقولوا: إنني لك عاشق 


نعم» صدق الواشون أنت حبيبة ِب وإن لم تصف منك الخلائق 
قال في «الصحاح): العشق: فرط الحب» وقد عشقها عشقاء؛ مثل علم 
ورجل عشيق مثل فَسيقء أي: كثير العشق. والتعشق: تكلف العشق؛ 

قال الفراء: يقولون: امرأة حب لزوجها وعاشق. وقال ابن سيدة: العشق: عجب 


المحب بالمحبوب؛ يتكون في عفاف الحب ودّعارته؛ يعني: في العفة والفجور... 

وقد اختلف الناسٌ: هل يُطلق هذا الاسم في حقٌّ الله تعالى؟ 

فقالت طائفة من الصوفية: لا بأس بإطلاقه» وذكروا فيه أثرًا لا يُثبتء 
وفيه: «فإذا فعل ذلك عشقني وعشقته). 

وقال جمهور الناس: لا يُطلق ذلك في حقّه سبحانه وتعالى؛ فلا يُقال: إنه 
يعشق» ولا يقال: عشقه عبده. 

ثم اختلفوا في سبب المنع على ثلاثة أقوال: 

أحدها: عدم التوقيف بخلاف المحبة. 


r ooo (68 )-‏ 2111 | شرع رسالةالسيردية) 

الغاني: أن العشق إفراط المحبة» ولا يمحكن ذلك في حقٌّ الرب تعالى؛ فإِنً 
الله تعالى لا يُوصف بالإفراط في الشيء» ولا يبلغ عبده ما يستحقه من حبّه؛ 
فضلا أن يقال: أفرط ف حبه. 

الغالث: أنَّه مأخوذ من التغير؛ لأنه قيل: هو مأخوذ من شجرة يقال لها: 
عاشقة تخضّر ثم تدق وتض ول تللق كلل هل الله سجاه رسال 

أما الشتيم؛ فيقول ابن القيم في تعريفه: «وأمًا العتيم فهو التعبّد؛ٍ قال في 
«١الصّحاح):‏ تيم الله أي: عبد الله. وأصله: مِن قوطم: كببة اللي إذا فده 
و فهو ميم ويقال: تامته المرأة؛ قال لقيط بن زرارة: 


تامت فؤادك» لو يحزنك ما صنعت 


إحدى نساء بنى ذهل بن شيبانا)(2) 

المسألة الثانية: أسماء المحبة: 

وقد ذكر ابنُ القيم في كتابه «روضة المحبين ونزهة المشتاقين): «أنَّ لحب 
قريبًا من ستين اسماء وهي (المحبة» والعلاقة» والحوىء والصبوة» والصبابة» 
والشغف» واليقة» والوجدء والكلف» والعتيم؛ والعشق» والجوى» والانف» 
والشجوء والشوق» والخلابة» والبلابل» والعباريح السدم» والغمرات» والوهل؛ 
والشجنء واللاعج» والاكتثاب» والوصبء والحزن» والكمدء واللذع» والحرق» 
والسهد» والأرق» واللهف» والحنين» والاستكانة» والعبالة» واللوعة» والفتون» 
والجنون» واللمم» والخبل» والرسيس» والداء المخامرء والودء والخلة» والخلم» 


ارا( 02927 اهار 
a 8‏ 78( 


والغرام؛ والميام» والتدلية» والوله» والععبد)؛ وقد ذكر له أسماء غير هذه 
وليست من أسمائه وإنما هي من موجباته وأحكامه؛ فتركنا ذكرهاء وقد شرح 
ابن القيم معاني هذه الكلمات في كتابه المذكور؛ فمن أراد الاستزادة فليرجع 
إليه(1). 

المسألة الغالفة: تعريف المحبة: 

نتطرق هنا للمعنى اللغوي والاصطلاجي لكلمة المحبة» وذلك بهدف 
التعريف بها وبيان مدلوطا: 

أ- أصل اشتقاق المحبة: 

قال ابن معظورة #الحية انث الب12 

ويرى ابن القيم أنَّ مادة كلمة (حب) تدور في اللغة على خمسة أشياء: 

أحدها: الصفاء والبياض» ومنه قولحم لصفاء بياض الأسنان ونضارتها: 
حب الأسنان)». 

الغاني: العلو والظهورء ومنه احَبَّب الماء وحبّابه)» وهو ما يَعلوه عند المطر 
الشديدة وكيب الكامن ند 

الغالث: اللزوم والعبات» ومنه» حَبّ البعيرُ وأَحَبَّه إذا برك ولم يقّم. 

قال الشاعر: 


خُلْتَ عليه بالقّلاةٍ صَرْيا صَرْبَ بعِيرٍ السو إِذ حب 


7 انظر: اروضة المحبين ونزهة المشتاقين» (ص 25- 52). 
9 «السان العرب» (1/ 290). 


E _ ( 70 )-‏ | شرح رسالة العبودية | 


ومنه: ا لحب لواحدة الخبوب؛ إذ هي صل الشيء ومادّته وقوّامه. 

الخامس: اليفظ والإمساكء ومنه: حب الماء؛ للوعاء الذي يحفظ فيه 
ویُمسکه» وفيه معنى الغبوت أيضًا. 

ثم قال رحمه اللّه: ولا ريب أنَّ هذه الخمسة من لوازم المحبّة: 

1- فإِنَّها صفاء المودة» وهَيّجان إرادات القلب للمحبوب. 

2-وعلوها وظهورها منه؛ لتعلقها بالمحبوب المراد. 

3-وثبوت إرادة القلب للمحبوب» وأزومها لزومًا لا تفارقه. 

4-ولإعطاء المحب محبوبه لبه وأشرف ما عنده وهو قلبه. 

5-ولاجتماع عَرّماته وإراداته وهمومه على څبوبه. 

فالجشيعه فيها المعاق الخنسية)/21. 

وزاد ابن القيم على هذه المعاني الخمسة ما يل: 

«وقيل: بل هي مأخوذة من القلق 5 ومنه سمي القرط حِبًا؛ 
لقلقه في الأذن واضطرابه. 

وقيل: بل هي مأخوذة من اليب الذي هو إناء واسع؛ فيمتلئ به بحيث لا 
يسع لغيره» وكذلك قلب المحب ليس فيه سّعة لغير محبوبه. 


90 انظر: «مدارجح السالكين» (3/ 11ء 12). 


وقيل: مأخوذة من الحبّ» وهو الخشبات الأربع التي يُستقر عليها ما يوضع 
من جَرَة أوغيرها؛ فسني الحب بذلك؛ لأنّ المحب يتحمل لأجل محبوبه 
الأثقالء كما تتحمل الخشباث ثقل ما يوضع عليها»(1). 

ووضعوا لمعناها حرفين مناسبين للمسمى غاية المناسبة: (الحاء) التي هي من 
أقصى الحلق. و(الباء) الشفوية التي هي نهايته. 

تللا الا عداو الباء اها رة شأن الح رف ها ال تكن 
اذا ءها سنه واتتهاءها إليه: 

ثم اقتصروا على اسم الفاعل من (أحب) فقالوا: (نحبٌ)» ولم يقولوا: 
(حاب)» واقتصروا على اسم المفعول من (حَبَّ) فقالوا: (حبوب)» ولم يقولوا: 
(نحَب) إلا قليلاء كما قال الشاعر: 


ولقد نزلتٍ فلا تَظَي غيره وق بملزلة ا ا 2 


يقول: وقد نزلتٍ من قلي منزلة من يحب ويڪرم؛ فتيقني هذا واعلميه 


2 
4 


قطعًا ولا تی غير.(3). 


ف الا (ض 507 ): 
2 البيت لعنترة بن شداد. انظر: «معلقتها. 
«شرح المعلقات السبع) للزوزني (ص 247 دار إحياء التراث العربيء الطبعة الأولى» 


123ھ - 2مم. 


| شرح رسالة العبودية‎ | aaiasapasaaina sama sese êêê ê aaa near enes ( 72 )- 

وأعطوا (الحب) حركة الضّم التي هي أشدٌ الحركات وأقواهاء مطابقة لِشِدَّة 
شركة اوها 

وأعطوا (الجب)- وهو المحبوب- حركة الكسر؛ لخفتها عن الضمة وخفة 

فتأمل هذا اللطف والمُطابقة والمناسبة العجيبة بين الألفاظ والمعاني 
تطلعك غل قذور هذه اللفقه ران ها غا ليس لسا اللغات 17 

ب- الحدٌ الاصطلاحي للمحبة: 

قال الحاقظ ابن حجر رجه الله #وحقيفة اة عند أهل العرفة- يفن 
ا 125 وانيا معرقها قن قاس مه ا كارو ل یکو ا 
عنها»(2). 

وقال ابن القيم: «لا تحَدٌ المحبةٌ جحد أوضح منها؛ فالحدود لا تزيدها إلا 
خفاء وجفاء» ين وجودها. ولا تُوصف المحبة بوصف أظومرفن المحبة.» 
وإنما يتكلم الناس في أسبابهاء وموجباتهاء وعلاماتهاء وشواهدهاء وثمراتهاء 
وكثرت الأقارات عسب إدراك الشخض ومقامه وخاد وملك لليا واا 


0 انظر: «مدارجح السالكين» (3/ 12ء 13). 
«فتح الباري) (1/ 463). 
9 «مدارج السالكين» (3/ 9). 


وهذا الذي ذكره ابن القيم وابن حجر هو الذي تطمئن له النفسٌ؛ فالمحبة: 
أمرٌ شعوريٌ وجدائيٌ يُتعرف عليه بواسطة الأمور الستة التي أشار إليها ابن 
القَيّم» وذلك لكون هذه الأمورهي العناصر التي يمكن أن يعبر عن المحبة من 
طريقها. 

ولذلك فلا داعي لذكر تعريفات العلماء لما؛ فحَدّها وجودهاء والحدود لا 
گزیدها إلا خفاء وجفاءء كما قال ابن القيم EE‏ 

20م 


© 0 ورج 7 


قال المصنف رحمه إينّه. «وممن خضع لإِنْسَانٍ مَعَ بغضه لَه لا يكون عابدًا لَه 
ولو أحب شَيْنَا ولم يَخضع لَه لم يكن عابدًا لَهُء گمَا قد يُحب الرجل ولّده 
وصديقه. وِلِبَدًَا لا يَكْفِي أَحدُهمًا في عبَادَة الله تَعَالَء بل يجب أن يكون الله أحبٌ 
ِلَى العَبْد من كل شَيْء. وأن يكون الله عِنْدَه أعظمَ من كل شَيْء. بل لا يسْتّحق 
المحبّة والخضوع التَّامَ إلا الله. وكل مَا أُحِبٌ لغير الله فمحبته فَاسِدَة ومَا عُظّم 
بعَيْرأمرالله فتعظيمه بَاضِل؛ قال الله نَعَالَ: (قل إن كَانَ آباؤكم وأبناؤكم 
وَإِخْوانكُمْ وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها 
ومساكن ترضونها أحب إِلَيْكُم من الله ورَسُوله وجهاد في سَبيله فتربصوا حَتَى 
يأتي الله بأّمْره) [العوبة: 24]». 


يجدر التنبية هنا لعدة مسائل؛ منها: 

المسالة الأولى: أقسام المحبة من حيث العموم: 

تنقسم المحبة من حيث العموم إلى قسمين: (المحبة المشتركة والمحبة 
الخاصة). 

القسم الأول: المحبة المشتركة. 

أحدها: محبّة طبيعية؛ كمحبة الجائع للطعام» والظمآن للماء ونحوذلك» 
وهذه لا تستلزم التعظيم. 

الغاني: محبّة رحمة وإشفاق؛ كمحبّة الوالد لولده الطفل» وهذه- أيضًّا- لا 


تستلزم الد لحعظيم. 


الثالث: محبة فس وإِلْفء وهي محبة المشتركين في صناعة أو عِلم أو مُرافقة 
أو تجارة أو سفر لبعضهم بعصًّاء وكمحبة الإخوة بعضهم بعضًا. 

فهذه الأنواع الشلاثة التي تصلح للخَلْق؛ بعضهم من بعض» ووجودها فيهم 
للا يون رة فى خحبة الله و هدا كان رسسول الله الست الخلسواء 
والقسل(1) وان يحت ساء:(2)» وعائفة اهن إليه ركان جيب أصحابه 


صر 


القسم الثاني: المحبة الخاصّة التي لا تصلح إلا للّه. 


ومتى حب العبدُ بها غيرّه» كان شرا لا يَغفره الله وهي محبة العبودية 
المستلزمة للذل والخضوع والععظيم» وكمال الطاعة» وإيثاره على غيره. 

فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلا(4)» بل يجب إفراد الله بهذه 
المحبة الخاصة التي هي توحيد الإميةء بل الخلق والأمر والغواب والعقاب إنما 


' أخرجه البخاري (5431) ومسلم (1474) من حديث عائشة رضي الله عنها. 

وقال القاضي عياض عن هذا الحديث: هذا احُجََةٌ فى استعمال مباحات الدنياء وأكل لذيذ 
الأطعمة. والحلواء هنا: كل طعام مُستحل). «إكمال المُعْلِم بفوائد ا (5/ 28). 

9 خرچ النسائي (3939) عن أنس ي قال: قال رسول الله يلِ: احُيّب إل من الدنيا: النّساء 
والظيب» وجُعل ق عيني في الصلاة». وحسنه الألباني في «المشكاة» (5261). 

أخرج البخاري (3662) ومسلم (2384) عن عمرو بن العاص د أنه قال: أي الناس 
ا إليك؟ قال: «عائشة)». فقلت: مِن الرجال؟ فقال: (أبوها). قلت: : ثم من مَن؟ قال: :"ثم عمربن 
الخطاب» فعَدَّ رجالًا». 

انظ اتسر العو اليد ( ضاف 


-) 76( سس سس سس سس سس ل_شرح وصالة العبودية ) 
ذنشأعن المحبة ولأجلهاء فهي الح الذي خُلقت به السموات والأرض» وهي 
الحق الذي تضمنه الأمر والنهي» وهي سر العأله» وتوحيدها: هو شهادة أن لا إله 
إلا الله. 

وليس كما يزعم المنكرون: أن الإله هو الربٌ الخالق؛ فإن المشركين كانوا 
مُقِرّین بأنه لا رب إلا الله ولا خالق سواه» ولم يڪونوا مُقرين بتوحيد الإلحية 
الدع هو فة إل إل الله كان ا الت اكه القنرب يشا ودلا عرفا 
ورجاء وتعظيمًا وطاعة. 

وإله بمعنى مألوه» أي: محبوب معبود» وأصله من التأله» وهو التعبّد الذي هو 
آخر مّراتب المحبة» فالمحبة حقيقة العبودية!1)» وسيأتي مزيد تفصيل لهذا 
القت 

المسألة الشانية: أقسام المحبة باعتبار متعلقها ومحبوبها: 

تنقسم المحبة باعتبار متعلقها ومحبوبها إلى قسمين: (نافعة محمودة. 
مذمومة ضارة). 

القسم الأول: المحبة النافعة 

وهي التي تجلب لصاحبها ما ينفعه وهو السعادة وهي ثلاثة أنواع: 

ا ا 


ب- مححبة فى اللّه. 


(' انظر: «مدارج السالكين» (3/ 20)ء واروضة المحبين» (ص 59)» واتيسير العزيز الحميدا 
(ص412). 


3 7 مود ميت مسيم‎ LE 


ج- حبةٌ ما يُعين على طاعة الله واجتناب معصيته. 

فيحبٌ الله تعالى حبًا لا مُشاركه فيه أحد٬‏ ويكون الله عز وجل هو 
المحبوب المراد الذي لا يحب لذاته ولا يراد لذاته إلا هى وهو المحبوب الأعلى 
الذي لا صَلاح للعبد ولا فلاح ولا نعيم ولا سرورإلا بأن ڪون هو محبوبه 
ومراده وغاية مطلوبه. وتكون هذه المحبة مستلزمة لما يتبعها من عبادته 
تعالى وخضوعه له» وتعظيمه عز وجل. 

والمحبة في اللّه: بأن يحب المؤمنين لا يحبهم إلا لله ويڪون هواه تبعًا لحب 
ال ال وا الها عب انر ا 

ومحبةٌ ما يُعين على طاعة الله أنواعٌ كثيرة ندرج فيها جميع العبادات. 

القسم الثاني: المحبة الضارة: 

وهي المحبة المّذمومة التي تجلب لصاحبها ما يضرّهء وهو الشقاء. 

وهي ثلاثة أنواع أيضًا: 

النوع الأول: المحبة مع اللّه. ومنها: محبة المشركين آمتهم كحبٌ اللّه. 

النوع الغافي: محبة ما يُبغضه اللّه. ومنها: محبة الفواحش والمنكرات التي 
شيا الل 

النوع الغالث: محبة ما تقطع محبته عن محبة الله تعالى أو تنقصها. ومنها: 
شق النساء الذي يزيد عن حَدَّه حتى يُضيع الأوامر ويُدخل في النواهيء وفي 
مقدمة ذلك عشق الفاسقات والعاهرات والولدان. 


ع 


فهذه سِنَّةٌ أنواع عليها مدارٌُ محابٌ الخلق. 


| شرح رسالة العبودية‎ | aaiasapasaaknasaasahesibsa sese Saan asenoaneRRAREKaaDERS aes ( 78 )- 

فأضل التحات الحيودة: عة اد اله يل واصل الآببات والعريحيه 
والنوعان الآخران تَبَعٌ ها. 

كما أنَّ المحبةً مع الله أصلُ الشرك والمحاب المذمومة والنوعان الآخران 
كَيَةٌ لا(1) 
بع ا 

فأصل الشرك الذي لا يغفره الله هو الشرك في هذه المحبة؛ فإِنَّ المشركين لم 
يزعموا أنَّ آلتهم وأوثانهم شاركت الربٌّ سبحانه في خلق السموات والأرض؛ 
وإنّما كان شركهم بها من جهة محبتها مع اللّه؛ قَوَالَوَا عليها وعادوا عليها 
وتأهوهاء وقالوا: هذه آحة صِغار تُقَرّبنا إلى الإله الأعظم؛ قال تعالى: (ومِنَ 
الگا مَنْ يِذ مِنْ دون الله أنْدَادًا يبُوتَهُمْ حب الله والَّذِينَ آمَئُوا َد حا 
ل [البقرة: 165]» وهذا منهم كحال عبادتهم لهم؛ Ep EEE‏ 
ادوا مِنْ دونه أَوْلِيَاءَ مَا تَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرَيُونا إل الله رُلْقَى) [الزمر: 3]. 
بتحقيق هذا الموضع فإنه مَفرق الطرق بين أهل التوحيد وأهل الشرك(2). 

المسألة الغالفة: حقيقة المحبة الشرعية: 

المقصود بالمحبة الشرعية: محبة الله سبحانه وتعالى ومحبة رسوله ب وكل ما 
يدخل في فَلّكها ويدور مع محورها. 


4 راجع: «إغاثة اللهفان» (2/ 140: 141)» واجامع الرسائل» (2/ 202). 
)2( انظر: اروضة المحبين») (ص3 29). 


فهذه المحبة يِن أعظم واجبات الإيمان وأكبر أصوله» بل ومن أوجب 
العبادات المُناطة بقلب المؤمن» ذلك لأنَّه لابد في إيمان القلب من حب الله 
ورسوله» وأن يڪون الله ورسوله ٤‏ إليه نما سواهما. 

فهي أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدّين» كما أن العصديق به أصل 
كل قول من أقوال الإيمان والدّين؛ فإنَّ كل حركة في الوجود إنما تصدر عن محبة؛ 
اناعم عب عدوةة ارح ا 

فجميع الأعمال الايمانية الديئية لا تصدر الا عن المحبة المحمودة» وأصل 
المحية ا لحد في عة الله سبحانه وت الإ العمل الصبادرعن عبة 
ب ايكون ا صالخا عند اللهء بل جميع الأعمال الإيمانية الدينية لا 
تصدر إلا عن ححبة اللّه؛ فإنَّ الله تعالى لا يقبل مِن العمل إلا ما أريد به وجهه؛ 
كما ثبت في «الصحيح» عن الي كَل فيما يّرويه عن ربّه أنه قال: «أنا أغنى 
الشّركاء عن الشرك؛ مَن عَيل عملا أشرك فيه معي غيري ركه وش ر گه)). 

فإخلاصٌ الدّين لله هو الدّين الذي لا يقبل الله سواه وهو الذي بَعث به 
الأوّلين والآخرين من الرُسلء وأنزل به جميع الكتب» واتّفق عليه أهل الإيمان. 

رعا هر خلا الا ع اة وهو فب القفراق الذي دون علينه 


ا فاصل لذبن رقاعدته يضق أن بكرن اللة هو المعسوه الذي به 


00 5 17 في ا(صحيحه)؛ كتاب (الزهد)» باب (مَن أشرك في عمله غير اللّه) (8/ 223). 


-) 60( 2310011111091 | شرح رسالة العبودية | 


القلوب وتخشاه ولا يكون لما إله سواه والإله: ما تألهه القلوب بالمحبة 
والتعظيم والرجاء والخوف والإجلال والإعظام ونحو ذلك. 

والله سبحائة أرسل الرسل بأنة لا إله إلا هو؛ فكخلو القلوب عن حبة ما 
سواه بِمَحَبّتهه وعن رجاء ما سواه برجائه» وعن سؤال ما سواه بسؤاله» وعن 
العمل اعرا اع اها ياس ا و 

فإذا كان أصلُ العمل الديني هو إخلاص الدين لله وهو إرادة الله وحده 
فالشيء المراد لنفسه هو المحبوب لذاته» وهذا كمال المحبة» ولكن أكثر ما 
اا لطلوي بابد o‏ زوكنا للقت اولان ا 
ِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56]» وقوله: (يَا ايا اگاس اغْبُدُوا ريڪ الذي خَلَقَخُمْ 
e‏ مِنْ قبلڪم] [البقرة: 21]» وأمثال هذا. 

والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته» وكمال الذل ونهايته» فا محبوب الذي 
لوالفيولة نل لا بك و وسعييرة ادر ی بكون 


و م ير 


معبودًاء وهذا قال تعالى: (ومِنَ الئاس مَنْ يَتَخِدُ مِنْ دون الله أَنْدَادًا يحم وتَهُمْ 
كفت اللو والديق أغثرا أكلة E E‏ 

فبيّن- سبحانه- أنَّ المشركين بربهم الذين يتخذون من دون الله أندادًا وإن 
كانوا يُحبونهم كما يحبون اللّه» فالذين آمنوا أشدٌ حُبا لله منهم لله ولأوثانهم؛ 
لآنَّ المؤمنين أعلم بالله» والحب يَتبع العلم» ولأن المؤمنين جعلوا جميع حُبَّهِم 
لله وحده» وأولعك جعلوا بعص حُبّهم لغيره» وأشركوا بينه وبين الأنداد في 


'' «مجموع الفتاوى» (11/ 523 524). 


اله ومسلو أن ذلك آل قال تغاللى: کرت الله مكلا رجلا فيه شكاء 
0 
يَعْلَمُونَ) [الزمر: 29]. 
واسم المحبة فيه إطلاق وعموم؛ فإِنَّ المؤمن يحب الله ويحب رُسلّه وأنبياءه 
وعباده المؤمنين» وإن كان ذلك من محبة الله وإن كانت المحبة التي لله لا 
مشا غر وا عات اله سات وهال كتروقة يبا شخضص هه 
سبحانه من العبادة والإنابة إليه والعبثّل له» ونحوذلك. فكل هذه الأسماء 


تتضمن محبة الله سبحانه وتعالى. 
وكها أن محبته هي أصلٌ الدّينء فكذلك كمال الدين يكون بحمالما 
EY‏ !ا 


وكمال هذه المحبة هو بالعبودية والذل والخضوع والطاعة للمحبوب 
سبحانه وتعالى؛ فالحق الذي خُلِق به ولأجله الخلقٌ: هو عبادة الله وحده التي 
هي كمال محبته والخضوع والذل له» ولوازم عبوديته من الأمر والشهي والشواب 
والعقاب» ولأجل ذلك أرسل الرسلّ؛ وأنزل الكتبّه وَخَلَقَ الجنّة والحار(2). 

وقدحيق الله هد وجل اند 7 الاس للابتلاء؛ فقال جل وعلا: الي 
الت واححيّاة لبو يحم ا ةع [الملك: 2]ء وقال تعالى: (إِنا 
Er Top r AEE‏ 


7" انظر: «مجموع الفتاوى» (10/ 56> 57). 
9 انظ لاروضة المخبين) (ض59). 


Srna ) 82 )-‏ 111111711 | شرح رسالة العبودية | 
سبحانه: (وهُو الذي حَلَقَ السَّمَاواتِ والأرْض في سِنَةِ يام وگن عَرْشْهُ عل المَاءِ 


يتأرك ابش لخدن ع 

فأخبر جل وعلا في هذه الآيات أنَّ خلق العالم والموت والحياة وكَرَّيّنَ 
الأرض بما عليها: أنه للابتلاء والامتحان؛ ليختبر خلقه أيهم أحسن عملا 
فيكون عمله موافقًًا لمحابٌ الرب تعالى» فيوافق الغاية التي خُلِقَ هولما وخلق 
لأجلها العالّم» وهي عبوديته المتضمنة لمحبّته وطاعته» وهي العمل الأحسن وهو 
مواقع محبته ورضاه؛ وقَدّر سبحانه مقادير تخالفها بحكمته في تقديرهاء وامتحن 
خلقه بين أَمْرِه وكَدَره ليبلوهم أيهم أحسن غملا. 

فانقسم الخلق في هذا الابتلاء إلى فريقين: 

الفريق الأول: داروا مع أوامره وحابّه» ووقفوا حيث وَقف بهم الأمر 
وتحَرّكوا حيث حَرّكهم الأمرء واستعملوا الأمرّفي القَّدَ وركبوا سفينة الأمر 
في بحر القَّدَ وحَكُموا الأمرّعل القَّدَر ونازعوا القَدَرَ بالقَدَر؛ امتغالا لأمره 
واتّباعًا لمرضاته؛ فهؤلاء هم التّاجون. 

والفريق الثاني: عارضوا بين الأمر والقَّدَ وبين ما يِه ويّرضاه وبين ما 
قدرغ وقَضَاهء فهؤلاء هم امف ن(1). 

وحقيقة المحبة: حركة نفس المّحِبّ إلى محبوبه» فالمحبة حَركة بلا سكون؛ 
فالحبٌ يُوجب حركة النفس وشِدّة طلبهاء والتفس خُلِقت مُتحركة بالطبع 
كحركة النار» فالحب حركتها الطبيعية» فكل مَن أَجَلَّ شيئًا من الأشياء وَجَدَ في 


7" انظر: اروضة المحبين» ( ص60 61). 


حُبّه لدَّة ورَوْحّاء فإذا خلا عن الحب مطلقًا تعطلّت النفس عن حركتها وكقلت 
وكشلت وفارقها خنة التغاط» وطذا غد الكسال أكثر الاس هما غا 
وحُزناء ليس هم قرح ولا سرورء بخلاف أرباب التّشاط وا لحد في العمل أيّ 
عمل كان» فإن كان النشاط في عمل هم عالمون بحسن عواقبه وحلاوة غايته 
كان العذاذهم جبّه ونشاطهم فيه أقوى. 

وإِلّه ليس للقلب والروح أَلدٌ ولا أطيبٌ ولا أحلى ولا أنعم من محبة الله 
والإقبال عليه وعبادته وحده وقُرّة العَين به» والأنس بقربه» والشوق إلى لقائه 
ورقيعة» وان مفقال د عن هذه اللذة لا جمدل اال اليال من لات الدتيناء 
ولذلك كان مثقال ذرة من إيمان بالله ورسوله يُخَلّص من الخلود في دار الآلام؛ 
فكيف بالإيمانٍ الذي يُمنع من دخوها؟!(1). 

رک کک سلاج ا أن تدرف ترق مدت كلا مال ر 
بحيث يحب اللَّهَ بكل قلبه ورُوحه وجوارحه؛ فليس لقلب العبد صلاح ولا 
نعيم إِلّا بأن ڪون الله ورسوله يل أحبٍّ إليه ما سواهماء وان ڪون ميه 
لغير الله تابعةٌ لمحبة الله فلا يحب إلا لله؛ كما في الحديث الصَّحيح: اثلاث 
من كن فيه وَجَّد بهن حَلاوة الإيمان: من كان اللّهُ ورسوله أحبٌّ إليه مما 
سواهماء ومّن كان يحب المرء لا يحبّه إلا للهه ومّن كان يكره أن يرجع في 
الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يّكره أن يُلقى في الثَّارِ)(2), ناخير أن العيد 


() «روضة المحبين» (ص 165- 168) بتصرف واختصار. 
که البخاري في «(صحيحه)» كتاب (الإيمان)» باب (حلاوة الإيمان)» فتح الباري)» (1/ 


-( 84 ) 531011011111100 | شرح رسالة العبودية | 


ل جد عاد الايمان ا اق روا حت اغا رر ارف 
من محبته» ومحبة المرء- إن كانت لله- فهي من ححبة اللّهء وإن كانت لغير اللّه 
فهي مُنقصة لمحبة الله مُضعفة هاء وتصدق هذه المحبة بأن يكون كراهته 
لأبغض الأشياء إلى حبوبه- وهو الحفر - بمنزلة كراهته لإلقائه في النار أو 
أشد. 

ولا ريب أنَّ هذا من أعظم المحبة؛ فإنَّ الإنسان لا يهَدّمِ على محبة نفسه 
وحياته شيئاء فإذا قَدَّم محبة الإيمان باللّه على نفسه بحيث لو حير بين الڪفر 
وإلقائه في الكار لاختار أن يُلقِى في النار ولا يكفر- كن اللَّهُ أحبٌّ إليه من 
نفسه؛ فالحديثٌ دل على أن حلاوة الإيمان تَتْبّع كمال محبة العبد للهء وهذه 
الحلاوة لا تحصل إلا بثلاثة أمور: (تكميل هذه المحبة. تفريعها. دفع ضدها). 

1 - افتكميلها»: أن يكون الله ورسوله بل أحبّ إليه مما سواهماء فإن 
عه الأدوييرانةا؟ كس يا رامل اهيل لأيد أن يصون اده وسور 
َك حب إليه تما سواهما. 

2- و«تفريعها): أن يحب المرء لا حه إلا لله. 

3- وادفع ضدها): أن يكره ضد الإيمان- وهو الڪفر- أعظم من 
كراهته الإلقاء في النار17). 


60) ج 16 و رة مسلم في ((اصحیحه)» كتاب (الإيمان)» باب (بيان خصال من اتصف 
بهن وجد حلاوة الإيمان) (1/ 48). 
'' «مجموع الفتاوى» (10/ 206). 


وهذه المحبة هي فوق ما يِجِدُه سائرٌ العُشَّاق والمحبين من حبة حبوبهم» بل 
لكك ذه الح كبا لأ عل ن افع نه 

وهي حبة تقتضي تقديم المحبوب فيها على النفس والمال والولدء وتقتضي- 
كمال الذل والخضوع والتعظيم والإجلال والطاعة والانقياد ظاهرًا وباطتاء 
وهذا لا نظير له في محبّة المخلوق کائتًا مَن كان. 

ولهذا من أشرك بين الله وبين غيره في هذه المحبة الخاصة کان مشريكًا شرك 
اقفر الله كماقال الله فعا روي ی لقند ون كين انه انتداق 
يبُونَهُمْ كحت الله u‏ آمَنُوا اَذ حا ل [ ال65 والصحيح أ معنى 
الآية: والذين آمنوا أشد حبًا للّه مِن أهل الأنداد لأندادهم؛ كما تقدم بيائه: أن 
محبة المؤمنين لربهم لا يُماثلها محبة مخلوق أصلاء كما لا يُماثل حبوبهم غيره» 
وکل أذى في محبّة غيره فهو نَعيم في محبته؛ وکل مكروه في حبة غيره فهو قُرَّة عين 
في محبته(1). 

وكثير مِن الناس يدعي محبة الله تعالى من غير تحقيق لموجباتها؛ وروي 
عن الحسن من طرق؛ قال: «قال أقوامٌ على عهد رسول الله : والله يا محمد 
إذا لفحت راا فأدول ال زقل إن كلق غنوت الله قاكبخون سبك الله 
ويَغْفِرُ لَحُمْ ذُنُوبَكُمْ ) [آل عمران: 31]؛ فجعلّ الله اتَباعَ نيه محمد ب عَلَمَا 
لخبّهه وعذاب من خالمّه(2)» وقال الإمام ابنُ كثير رحمه الله في تفسيره هذه 


رة المحبين) (ض 199 200). 


2 أخرجه الطبري في تفسيره» (6/ 322)» وانظر: «مجموع الفتاوى» (18/ 315). 


(s6).‏ مسحيس سو سمس سم و اي 
الآية: «أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبّتكم إيّاه وهو محبّئّه إمّاكم؛ 
وهو أعظمٌ من الأول»). 

هذا لأنَّ الرسول هو الذي يدعو إلى ما يحبه الله وليس شيء يحبه الله إلا 
والرسول كل يدعو إليهء وليس شيء يدعو إليه الرسول ِل إلا والله حه 
فصار محبوبٌ الرََّبّ ومَدْعُو الرّسول متلازمين» بل هذا هوهذا في ذاته وإن 
تنوعت الصفات. 

فكل من ادعی أنه يحب الله ولم يتبع الرسول ٩‏ فقد گڏّب» وليست محبته 
لله وحده بل إن كان يحبه فهي محبة شرك فإنما ينبم ما يهوا؛ كدعوى اليه ود 
والخصارى محبة اللّه» فإنهم لو أخلصوا له المحبة لم يحبوا إلا ما أحب؛ فكانوا 
يتبعون الرسول ي فلما أحبوا ما أبغض الله مع دعواهم حبّه كانت محبتهم من 
جنس محبة المشركين. 

وهكذا أهلُ البدع؛ فمّن قال: إِنَّهِ من المريدين لله المحبين له» وهو لا يقصد 
اتباع الرسول ‏ والعمل بما أمر به» وترك ما نهى عنه» فمحبته فيها شَوْبٌ من 
محبة المشركين واليهود والنصارى بحسب ما فيه من البدع فإن البدع ليست 
نما دعا إليه الرسول ولا يُحبها اللهء فإن الرسول بل دعا إلى كل ما يحبه الله فأمر 


يكل عرفا ون عن کا سرك 0 


00 «اتفسیر ابن كثيرا (2/ 32). 
2( انظر: الجموع الفتاوى» (8/ 60). 


فمحبة الله ورسوله وعباده المُتَّقِين تقتضى فعل محبوباته وترك مكروهاته؛ 
والناس يتفاضلون في هذا تفاضلًا عظيمًا؛ فمّن كان أعظم نصيبًا من ذلك كان 
أعظم درجة عند الله» ومّن كان أقل نصيبًا كان ذلك سببًا في نزول درجته 
ومنزلته. 

وأا من كان غير مُتّبع لسبيل الي بهي فكيف يكون محبًا لله سبحانه 
وتعالى؟!(1)» ومعلوم أنه لا يتم الإيمان والمحبة لله إلا بتصديق الرسول فيما 
ار © 

فلابد لمحب الله من متابعة الرسول 4 والمجاهدة في سبيل الله بل هذا 
لازم لكل مؤمن؛ قال تعالى: (إِنّمَا المؤمنو نَ لدی آمَنُوا ب اللو ورَسُوله BE.‏ 
لاوا عدوا بأنواله وليه في سَبِيلٍ اللي أُولَيِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) 
[الحجرات: 15 فهذا ا ب المؤمن للّه. 

وقد قال تعالى: قل إِنْ گان آبَاؤُكُمْ وأبْتَاؤْكُمْ وَإِخْوائحٌئْ وأَرْواجُحُمْ 
ورم قرالا ا اا كَسَادَهَا ومس اڪن رص و نها 
حب حَبّ إِلَيْكُمْ مِنَ الله ورَسُولِهِ وجِهَادٍ في سَبِيلِهِ كريد يَصُوا حَقٌّ يَأ الله بأَمْر 
واللّك لا يَهْدِي القَوْمَ القَاسِقِينَ) [العوبة: 24]؛ د أنَّ مَن كانت محبوباته أحب 
اليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله فهو من أهل الوعيد. 


7" «مجموع الفتاوى» (18/ 316). 
9 «مجموع الفتاوى» (8/ 366). 


oo ©‏ شح رسا لوديا 


8 
ص 70 
ع 


وقال في الذين r E E TE‏ أذلةٍ 
عَلَ المُؤْمِنِينَ أعِرَةِ عَلَ الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ في سَبِيلٍ الله ولا افون لَوْمَة 2 
[المائدة: 54]. 

فمن تمام محبة الله ورسوله : بُغض من حَادَ الله ورسوله + وا جه اد في 
سبيله؛ لقوله تعالى: (لا تَجِدٌ قَوْمّا يُؤْمِنُونَ بالل واليَوم الآخِرِ يُوادُونَ EE‏ 
اللَكَورَسُولَةُ ولو كَانُوا آبَاءَهُمْ َو أَبْتَاءَهُمْ N‏ ا رعق ت 
في قُلْويهمْ الأيمان وَأَِدَهُمْ بروج م السادله: 22]. 

0 (ترَى كَثِيرًا مِنْهُمْ م ولون الَذِينَ كَفَرُوا ليس ما قد مث لَهُمْ 
فشان Sas‏ 
والكّبيّ وما رل ا E‏ ولَكِنّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) [المائدة: 
0 81 وقال تعالى: (قَدْ گائٺ لَكُمْ سء حم في إن اهي Ss‏ 
قَالُوا لِقَوْمِهمْ إِنَا برآء مِنْحُمْ وما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله حَفَرْنَا بُ وبَدَا 
تتا ويَيْنَحكُمْ العَدَاوةٌ والبَعْضَاء أَبَدّا حى تُؤْمِنُوا باه وحْدَةُ) [الممتحنة: 4]. 

فأمر المؤمنين أن يتأسوا بإبراهيم ومّن معه؛ حيث أَبْدَوا العداوة والبغضاء 
من أشرك حتى يُؤمنوا بالله وحد:(1). 

وثبات المحبة إنما يكون بمتابعة الرسول © في أعماله وأقواله وأخلاقه 
فبحسب هذا الاتباع يكون مَّنشأً هذه المحبة وثباتها وقُوّتهاء وبجسب 
نقصانه يكون نقصانها. 


0( انظر: «جموع الفتاوى» (8/ 361(. 


وهذا الاتباع يُوجب المحبة والمحبوبية معًاء ولا يتم الأمر إلا بهماء كما قال 
بعض الحكماء العلماء: اليس الشأن أن ا OEE‏ ا ف 
أن حبك الله ولا يبك الله إلا إذا اتبعت سحبيبة ظاهدً| وباطئاء وصَدّفكه. خير 
ر و نيت عن ميخ كين کک رصن 
محبة غيره من الخلق بمحبته» وعن طاعة غيره بطاعته» وإن لم يكن ذلك فلا 
تعن وارجع من حيث شئتَ؛ فالعمس نورًا فلست على شيء(2). 

ومحبة الله ورسوله 7 على درجتين: 

الدرجة الواجبة» وهي درجة المقتصدين. 

الدرجة المُستحبة» وهي درجة السّابقين. 

فمحبة المقتصدين (الواجبة): تقتضي- أن يكون الله ورسوله ل أحبٌ 
إليه ما سواهماء بحيث لا حب شيئًا يُبغضه؛ كما قال تعالى: (لا جد قَوْما 
يُؤْمِنُونَ الله واليَوْم الآخِرِ يُوادُونَ مَنْ حَاد الل ورس وله [المجادلة:22]؛ وذلك 
يقتضي حبة جميع ما أوجبه الله تعالل»وتقفضن ما كيه الله تغالى: وذلك 
واجبٌء فإِنَّ إرادة الواجبات إرادة تامة تقتضي وجود ما أوجبه الله» كما تقتضي- 
عدم الأشياء التي نهى الله عنهاء وذلك مُستلزم لبُغضها العام. 

فيحي هل كل ن أن ما االو فض هنا أيفضه قان 
تعالى: َلك بِأَنّهُمْ كُرِهُوا مَا أَنْوَلَ الله ةخبط أَعْمَالَهُمْ) [حمد: 428 وقال 


8 انظر: (مدارح السالكين» (3/ 37). 


نال وكا انر سُورة قِنُّْمْمَن يَقُولُ َي اَن هَذْ إِيمَانًا نا لي 
آمَنُوا قَرَادَنْهُمْ إيِمَانَا وهُمْ َسْتَبْشِرُونَ» وأمّا الَذِينَ في قُلُوبِهِهْ مَرَص قَرَادَتْهُم 
رجسًا 9 رجسهم] [العوبة: 124 125]» وقال تعالى: (والَِينَ آَيْتَاهُمُ الككابَ 
يَفْرَحُونَ بماأنْلَ إِلَيْكَ وين الأَحْرَابٍ مَنْ يُنْكِرُ بَْضَه) [الرعد: 36]. 

وأما محبة السابقين (المُستحبة): بأن يحب ما أحبّه الله من العوافل 
والفضائل حبّة تامّةه وهذه حال المُقَرّبِين الذين قَرَّبهم اللّه إليه. 

فإذا كانت حبة الله ورسوله الواجبة كقتضي بغضّ ما أبغضه الله ورسوله 


كنا منائز انراع ا 


505 


00 انظر: «قاعدة في المحبة) لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص 91: 92). 


(لشيخ الإسلام ابن تيمية ) لصي سي و OL‏ 

قال المصنف رحمه اللّه: «فجنس ال محبّة يكون لله ولِرَسُولِهِ كالطاعة. فَإِن 
الطَاعَة لله وَلِرَسُولِهِ والإرضاء لله وَلِرَسُولِه: (والله ورَسُوله أَحَق أن يرضوه) 
[العوبة: 62]ء والإيتاء لله ولِرَسُولِهِ: (ولّو أنهم رَضوا ما آنَاهُم الله ورَسُوله) [العوبة: 
9]. 

وأا العبادة وما يُناسبها من التوكل والخوف ونحو ذلك. فلا تكون إلا لله 
وحده. كما قال تعالى: (قل يا أهل الكتاب تَعَالَوا إلى كلمة سَوَاء بَيْنَنَا وَبَبْنكُم أن 
لا نغبد إلا الله ولا نشرك به شَيْئا ولا لذ بَخضتا بَعْضا ابابا من دون الله فَإِن 
تولّوا فَقولُوا اشْبَّدُوا بأنا مُسلمُون) [آل عمرّان: 64]ء وقال تعالى: (وَلّو انهم رضوا 
مَا آتَاهُم الله وَرَسُولِه وَقَالُوا حسبتا الله سيؤتينا الله من فَضله وَرَسُوله إِنَا إلى 
الله راغبون) [التوبة: 59]؛ فالإيتاء لله والرسول. كقوله: (وما آتاكم الرسول 
فخذوه وما نماكم عنه فانتهوا) [الحشر:7]ء وأما الحسب- وهو الكافي- فهو الله 
وحده. كما قال تعالى: [انّذين قال لَيُم النّاس إن النّاس قد جمعُوا لكم 
فَاخْشَوْهُمْ فَرَادَهُم إِيمَاتًا وَقَالُوا حَسبنًا الله وَنعم الْوكيل) [آل عمرّان: 173]. وَقَالَ 
تَعَالَ: (يَا مها النَّمي حسبك الله ومن اتبعك من الُؤمنين) [الأنفال: 64]. أي: 
حَسبك وَحسبْ مَن اتّبعك من المؤمنِينَ: الله ومن ظنّ أن المعنى: حسبك الله 
والمؤمنون مَعَه. فقد غلط عَلطًا فَاحِشَاء كَمَا قد بسطناه في غيرهَدًا المؤْضع. 
وَقَالَ تَعَالَ: (أَلَيِْسَ الله بكاف عبده) [الزمر: 36]». 

الشرح 

قرن الله جل وعلا بينه وبين نبيّه كل في وجوب المحبة؛ فقال: [أحَبّ 
ِلَيْكُمْ مِنَ الله ورَسُولِهِ) [العوبة: 424 وفي التوعد على الأذى؛ فقال: (إِنَّ الَِينَ 
يدون الله ورس وله لَعَتَهُمْ الله ف اليا وَالْآَخِرَة وَأَعَدَّ َه عَدَابًا مهيا 
[الأحزاب: 58]. 


eg yy (2).‏ 
وفي وجوب الطاعة وترتّب الأجر العظيم عليهاء وفي التحذير من المعصية 

رترب العقاب الشديد غليهاء ققال: و م هو ا عة كنات 
تخْري ين ها انار حَالدينَ فِيها وَذَلِكَ الْمَوْدُ الْعَظِيمْ (13) وَمَنْ يَمْصٍ الله 


ETE OEE EO ERE E وقول وتققد‎ 
4 


3 ع 
ت 


وفي الأحقية بالرّضاء فقال سبحانه: (والله ورس وله أَحَنٌ أَنْ يُرْضُوة) 
[العوية:62]. 

فهذا ونحوه هو ما يستحقه رسول الله- بأبي هو وأي ونفسي- . 

وَأَمّا العبادة وما يُناسبها من التوكل والخوف ونحو ذلك فهي لله تعالى وحده 
لا شريك له لا ينبغي لأحد أن ينازعه فيها أو أن يصرفها لغيره؛ قال جل 
چلال م واکیدوا انلكو لا ُشركوا به شَيًا) [النساء:36]؛ وقال: [إِيّاكَ تَعْبْدٌ وإيّاكَ 
ذَسَتَعينُ [الفاتحة:5]» وقال: إومًا إل لِيَعْبُدُوا الله تُخلِصِينَ له الدينَ حْتَفَاء 
[البينة:5]. 

وقد جه وتعالى بين العبادة والعوكل مراع كسان قوله جل 
وعلا: (فَاعْبْدُهُ وتَوكل عَلَيْ) آهود:123]» وقوله: (وتوكل عَلَ الي الذي لاتير 
سبح يحَمّدِو] [الفرقان:58]. 

والدهاء عي أن بكرن لالد وده سراد كان ذفاءعياذة أو وهام مسالل 
قال تعالى: (وأَنَّ المَسَاجِدَ لوقلا تَدْعُومَعَ ا لَمَاقَامَ عَبْدُ الله 
يَدْعُوهُ كادُوا ونون عَلَيْه لكا فل إِنمَا أَدْهُورَيٍ ولا شرك به عدا 
[الجن:20-18]. 


وتوحيد الله وإخلاص الدّين له في عبادته والاستعانة به كثير جدًا في 
القرآنه بل :هو قلب الإيمان؛ وأول الإسلام وآخره؛ كما قال الي : أمرت 
أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللهء وأن محمدًا رسولُ اللّه)(1)» وقال 
: «مّن كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة)(2). 

وهو قلب الدّين والإيمان» وسائر الأعمال كالجوارح له. 

فالعبادة والاستعانة وما يدخل في ذلك- من الدعاء والاستغاثة والخشية 
والرجاء والإنابة والتوكل والتوبة والاستغفار- كل هذا لله وحده لا شريك له. 

فالعبادة متعلقة بألوهيته» والاستعانة متعلقة بربوبيته» واللّه رب العالمين لا 
إله إلا هوء ولا رب لنا غيره» لا مَلِكَ ولا نَِيّ ولا غيره؛ يقول سماحةٌ الشيخ ابن 
باز رحمه اللّه: «الشرك: هو تشريك غير الله مع الله في العبادة؛ كأن يدعو 
الأصنام أو غيرهاء أويّستغيث بهاء أويّنذر هاء أويصي اء أويصوم اء أو 
يذبح لها»(3). 

فأعظم الذنوب: الإشراك بالله؛ بأن تجعل له ندا وهو خلقك» فقد سأل رجلٌ 
الي بل فقال: يا رسول اللهء أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: «أن تَدْعْوَ لله ندا 
وهو خَلّقك). قال: ثم أي؟ قال: ن أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك). قال: 


() أخرجه البخاري (25) ومسلم (22) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. 
2 أخرجه أبو داود (3116) من حديث معاذ بن جبل يبء وصححه الألباني في «المشكاة) 
(1621). 


(2) المجموع فتاوى ومقالات متنوعة» للشيخ ابن باز (4/ 32). 


-( 94 ( ل ل |: شرع را انر 
ثم أي؟ قال: «ثم ن ترا بحليلة جارك)؛ فأنزل الله عز وجل تصديقها: (والذين 
لا يدعون مع الله إلهّا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا 
يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا) الآية [الفرقان: 1()]68). 

والشرك: أن تجعل لغير الله شِرْكًا- أي: نصيبًا- في عبادتك وتويك 
واستعانتك» قال جل جلاله: إا أَنْرْنا إَيِكَ الْكَِابَ بالق فَاعْبْدِ الله صا 
له الين * ألا لله الذيق الخَالِضٌ والدين ادرا من ذويه أؤلاة ما تعب ت إلا 
موتا إلى الله لق إِنَّ الله يكم بَيْتهُمْ في مَا هُمْ فيه لفون إن الله لا 
يَهْدِي مَنْ هُوَ گاب مار [الزمر: 2ء 3]. 

وأصناف العبادات- من الصلاة بأجزائها مجتمعة» وكذلك أجزاؤها التي هي 
عبادة بنفسها من السّجود والركوع والتسبيح والدعاء والقراءة والقيام- لا 
يصلح أن توه إلا لله وده 

وكذلك ر أن ل ما هن طريق العباة إل الموسةة لأ لي 
ولا لقمرولا لملك ولا لبي ولا لصالح ولا عند قبر ني أو صالح» وهذا في جميع 
يلل الأنبياءء وقد جاء في شريعتنا النهي عن العنفل- ولو على وجه التحية 
والإكرام- لاي مخلوق» ولهذا نهى النبي به معادًا أن يَسجد له» وقال: الو كنت 
آمرًا أن يُسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عِظم حقّه 
عليها»(2). 
0) أخرجه البخاري (6861) ومسلم (86) من حديث عبد الله بن مسعود وإ 


)2( ا ابن ماجه (1853) وابن حبان (4171) من حديث عبد اللّه بن أبي أوفى ل“ 


وكذلك الزكاة العامة من الصدقات كلها والخاصة:» لا يُتصدق بها إلا لله 
كما قال تعالى: وما لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تجرَى إلا اْتهَاءَ وجه رَه الأغل) 
[الليل:20.19]. 

فلا يجوز فعل ذلك على سبيل العبادة؛ لا لملك ولا لشمس ولا لقمرولا 
لبي ولا لصالح؛ ولا لغيره» كما يفعل بعض السؤال والمعظمين؛ فيقولون: كرامة 
لفلان وفلان. 

وكذلك ا علق يا دادو يال اليا المتحابة ولأ الاي او 
بغير الصالحين» ولا بغير البشر؛ فعن سعد بن عبيدة قال: سمع ابِنُ عمر رجلا 
يحلف: لا والكعبة» فقال له ابنُ عمر: إني سمعت رسول الله يله يقول: امن 
حَلَفٌَ بغير الله فقد أشرك)(1). 

وكذلك الدذر من العبادة؛ فلا يجوز صرفه لغير اللّه؛ يقول الشيخ سليمان 
بن عبد الله رحمه اللّه: «إنَّ الله تعالى مدح الموفين بالدذرء واللّه تعالى لا يمدح 
إلا على فعل واجب أو مُستحبب» أو ترك محرم؛ لا يمدح على فعل المباح المجرد 
وذلك هو العبادة؛ فمّن فعل ذلك لغير الله متقربًا إليه» فقد أشرك)(2). 

وكذلك الحج إلى بيت الله الحرام؛ قال الله تعالى: (إِنَّ اَل بَيْتِ وْضِعَ لِللَاس 
ِي بک مُبَاركا وَهْدَى للْعَالَيِينَ * فِيهِ ايا بات مَقَامُإِْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَّهُ 


وصححه الألباني في اصحيح ابن ماجه» (1503). 
() أخرجه أبو داود (3251) والترمذي (1535)ء وصححه الألباني في «الصحيحة» (2042). 


2) اتيسير العزيز الحميد» للشيخ سليمان (ص203). 


:)56( يي سس eg‏ 
كانَ آمِئا ويڻو عل الگا حِجٌ الْبَيْتِ مَن اسْتَطاعٌ إِلَيْهِ سيا وَمَنْ كَفَرَ قن الله 
عن عن الْعَالَيِينَ) [آل عمران: 96: 97]؛ فلا يحج إلا إلى بيت الله الخحرام 
بمكة؛ ولا يُطاف إلا به» ولا تفعل مناسك الحج والعمرة المختلفة إلا عنده 
كما بينها الي ٣‏ وعليه فلا يجوز فعل شيء من هذا بقبرنييٌ ولا صالح» ولا 
بوثن ولا غيره؛ قال الله تعالى: (قُل إِنَّ صَلَاتي وَذْسُکي وڪي اي وَمَمَ اني يورب 
الْعَالَمِينَ * ا ريك ل [الأنعام: 4162 163]. 

وكذلك الصيام؛ لا يُصام إلا عبادة للّه؛ فلا يُصام لأجل الكواكب والشمس 
والقمر» ولا لقبور الأنبياء والصالحين ونحو ذلك. 

وقد بَيّن سماحة الشيخ ابن باز - رحمه الله- نَوْعِي الشرك وضرب هما 
أمثلة» وأقام عليهما أدلةء ومن ذلك قوله : «ضد العوحيد: الشركء وهو نوعان: 
شرك ا كبر وشرك أصغر؟ فالشرك الأ كبر هرما يضم ضرف العبادة لغير الله 
أو بعضها؛ كدعاء الأولياء والاستغاثة بهم والنذر لهم أو يتضمن استحلال ما 
حَرّم الله» أو إسقاط ما أوجب اللّه؛ كاعتقاد أن الصلاة لا تجبء أو الصوم لا 
يجبء أو الحج مع الاستطاعة لا يجب أو الزكاة لا تجبء أو اعتقاد أنَّ مثل هذا 
غير مشروع مطلقاء كان هذا كفرًا أكبر» وشركًا أكبر؛ لأنه يتضمن تكذيب 
الله ورسو له ا 

والنوع الثاني: الشرك الأصغرء وهو ما ثبت بالخصوص تسميته شركاء لكنه 
لم يبلغ درجة الشرك الأكبر» فهذا يُسَتَى شرا أصغر؛ مغل: الرياء والسمعة؛ 
کمن يقرأ يرائي» أو بُصل يرائي» أو يدعو إلى الله يرائي» ونحو ذلك؛ فقد ثبت في 
الحديث أنّه 4 قال: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر)؛ فسثل عنه 


فقال: «الرياء)؛ يقول الله عز وجل يوم القيامة للمُرائين: «اذهبوا إلى من كنتم 
تراءون في الدنيا فانظروا؛ هل تجدون عندهم من ججزاء؟)؛ رواه الإمام أحمد 
بإسناد صحیح» عن محمود بن لبيد الأشهل الأنصاري وي (1). 

ومن ذلك قول العبد: ما شاء الله وشاء فلان؛ أو لولا الله وقلان:» أوهذا 
من اللّه ومن فلان. 

هذا كله من الشرك الأصغرء كما في الحديت الذي رواه أبوداود بإستاد 
صحيح عن حذيفة وإ عن النبي © أنه قال: ١لا‏ تقولوا: ما شاء الله وشاء 


فلان. ولكن قولوا: ها نقاء الله ثم شاء فلان»(2). 

ومن هذا: ما رواه النسائي عن قتيلة: «أنَّ اليهود قالوا لأصحاب الي 446: 
إنّكم دُشركون تقولون: ما شاء الله وشاء محمده وتقولون: والكعبة؛ فأمرهم 
البي 4 إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: وربٌ الكعبة. وأن يقولوا: ما شاء الله 
ثم شاء حمدا(3)» وفي رواية للنسائي- أيضا- عن ابن عباس عة أن 
رجلا قال: يا رسول الله» ما شاء اللَّهُ وشئت. فقال: «أجعلتني لله نِدَّاه ما شاء 
الله وحدها(4)؛ ومن ذلك ما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير 
قوله تعالى: قلا تَجْعَلُوا لله َنْدَادًا وام لمرن [البقرة:22] قال: اهو الشرك 


7 «مسند أحمد بن حنبل» (5/ 428). 

2 «سنن أبو داود» (4980)» وامسند أحمد بن حنبل» (5/ 399). 

«سنن ابن ماجه» (2118)» و«امسند أحمد بن حنبل» (5/ 72)» واسنن الداري» (2699). 
) «ستن ابن ماجه» (2117)» والمسند أحمد بن حنبل» (1/ 283). 


(s8)‏ لمع سب ا ل را ردي 
اا کے ین عيبي الک ا ا د دة ا رهد أن 
تقول: والله وحياتك يا فلان وحياقي» وتقول: لولا كَلَيْبَةٌ هذا لأتانا اللصوص› 
ولولا البكّد في الدار لأق اللصوص» وقول الرجل: ما شاء الله وشئت» وقول: لولا 
الله وفلان. لا تجعل فيها فلانًا. فإن هذا كله به شرك)». رواه ابن أبي حاتم بإسنادٍ 
11 

فهذا وأشباهه من جنس الشرك الأصغر. وهكذا الحلف بغير اللّه؛ كالحلف 
بالكعبة» والأنبياء والأمانة وحياة فلان» وبشرف فلان ونحوذلك» فهذا من 
الشرك الأصغر؛ لما ثبت في «المسند) بإسناد صحيح عن عمر بن الخطاب ولع 
عن الي بل أنه قال: ١مَن‏ حلفٌ بشيء دون الله فقد أشرك)(2). 

فاتضح بهذا أن الشرك شركان: أكبر» وأصغرء وکل منهما يكون خفيًا؛ 
كشرك المنافقين.. وهو أكبر» ويڪون خفيًا أصغر؛ كالذي يقوم يراڻي في صلاته 
أو صَدقته أودعائه لله» أو دعوته إلى الله أو أمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر 
أو و ذلك: 

فالواجب على كل مؤمن: أن يحذر ذلك» وأن يبتعد عن هذه الأنواع؛ ولا 
سيما الشرك الأ كبر فإنّه أعظم ذنب عُصي الله به» وأعظم جريمة وقع فيها 
الخلق» وهو الذي قال الله سبحانه وتعالى فیه: (وَلَوْ آشرگوا خبط عَنْهُمْ ما وا 


حبني اتير آل 
22 8 - ير وخر 


يَعْمَلُونَ) [الأنعام:88]» وقال فيه سبحانه وبحمده: [إِنَّهُ من يُشْرِكُ بِاللَهِقَقَدُ حَرَّمَ 


() أخرجه ابن ابي حاتم في «تفسيره) (1/ 62). 
9 قد اجه بن طبل» (1/ 47). 


عَلَيْه اة وَمََوَاهُ الكَارُ) [المائدة:72» وقال فيه سبحانه أيضا: (إِنَّ الملا 
دان يُشْرَكَ به وَيَعْفِرٌ مَا دُونَ دَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء:48]. 

فمن مات عليه فهو من أهل النار جزمًاء والجنة عليه حرام» وهو مخلد في 
النار أبد الآباد؛ نعوذ باللّه من ذلك. 

أما الشرك الأصغر فهو أكبر من الكبائرء وصاحبه على خطر عظيم» لحن 
قد يُمجى عن صاحبه برجحان الحسنات» وقد يُعاقب عليه ببعض العقوبات؛ 
تكن لذ كاد ق المار علو الكفار قلي هر ا رجي كرد فى العارة 
ولیس غا حيط الأعمال» ولكن يخبط العمل الذي قفارت 

فالشرك الأصغر يحبط العمل المقارن له؛ كمن يُصلي يُرائي فلا أجر له» بل 
عليه إثم» وهكذا مَّن قرأ يرائي فلا أجر له. بل عليه إثم؛ بخلاف الشرك 
الأكبر والكفر الأ كبر؛ فإنهما يحبطان جميع الأعمال؛ كما قال تعالى: ولو 
أَشْرَكُوا خبط عَنْهُمْ مَا انوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام:88]. 

فالواجب على الرجال والنساء ول العالم والمتعلم» وعلى كل مسلم: أن يعنى 
بهذا الأمر ويّتبصر فيه» حتى يعلم حقيقة التوحيد بأنواعه» وحتى يعلم حقيقة 
الشرك بنوعيه: الأكبر والأصغرء وحتى 5 بالعوبة الصادقة ما قد يقع منه من 
الشرك الأكبرء أو الشرك الأصغرء وحتى يلزم التوحيدء ويستقيم عليه» وحتى 
يستمر في طاعة اللّهء وأداء حقه» فإن التوحيد له حقوق؛ وهي أداء الفرائض» 
وترك المناهي» فلا بد مع التوحيد من أداء الفرائض وترك المناهي» ولا بد- 
أيضّا- من ترك الإشراك كله: صغيره وكبيره. 


ooo 100 |.‏ | شرع رسالةالعيودية | 
فالشرك الأ كبر ينافي التوحيد» وينافي الإسلام كليًا. والشرك الأصغريُنافي 
كماله الواجب» فلا بد من ترك هذا وهذا. 
فعلينا جميعًا أن تُعنى بهذا الأمرء ونتفقه فيه؛ وتُبَلّغه للناس بكل عناية 


وبكل إيضاح؛ حتى يكون المسلم على بَيّنة من هذه الأمور العظيمة)(1). 
Eha‏ 


() انظر: «مجموع فتاوى العلامة عبد العزيز بن باز» (1/ 43- 48) بتصرف واختصار. 


قال المصنف رحمه اللّه: «وتحرير ذَلِك: أن العَبْد يُرَاد به المعبّد الَّذِي عبّده 
الله. فذلَّله ودبّره وصرّفه. 

وها الاعْتِبَار: فالمخَلوقون كلهم عباد الله: الْآَبْرَار مِم والفجار. والمؤمنون 
وَالكمّارء وَأهل الجَنَّة وَأهل النَّار؛ إِذْ هُوَ ربمم كلهم ومليكهم. لا يخرجُون عَن 
مَشِيئّته وَفُدرته. وكلماته الثَّامّات التي لا يُجاوزهن بَرٌوَلَا فَاجِر؛ فَمَا شَاءَ گان وَإِن 
لم يشاءوا. وَمَا شَاءُوا إن لم يشأه لم يكن. كَمَا قال تَعَالَ: (أفغير دين الله يَبِْعُونَ 
له أسلم من في السَّمَاوَات وَالْآَرْض طُوْعًا وكرها وَإِلَيْهِ يرجعُونَ) [آل عمران: 83]. 
فَمُوَسُبْحَاتَهُ رب الْعَالمين. وخالقهم ورازقهم ومحيهم ومُميتهم. ومقلب قَلُوهم 
وضرف أشورهي للارث لجم غير ولا كالك لجم سواف ولا خالق م الا فة 
سَوَاء اعْتَرَقُوا بذلك أو أنكروه. وَسَوَاء علمُوا ذلك أو جهلوه؛ كن أهل الإيمَان 
منم عرفوا ذَلِك وآمنوا به؛ بخلاف مَن كَانَ جَامِلًا بذلك؛ أو جاحدًا لَه مستكبرًا 
على رته. لا يُقِرُوَلَا يخضع لَهُ؛ مَعَ علمه بِأَنَّ الله ربه وخالقه. فالمعرفة بِالْحَقّ إذا 
كانت مَعَ الاستكبارعَن قبُوله والجحد لَه كَانَ عذدَابًا على صّاحبه. گمَا قَالَ 
تَعَالَ: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فَانْظُركَيفَ كَانَ عَاقِبَة 
المفسدين) [الكمل: 14]. وَقَالَ نَعَالَ : (الّذين آتَيْنَاهُم الكتاب يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ 
أَبْتَاءَهُم وَإن فريقا مِنْهُم ليكتمون الْحق وهم يعلمُونَ) [البقرة: 146]. وَقَالَ تَعَالَ: 
(قد نعلم إِنّه ليحزنك الَّذِي يَفُولُونَ فَإِمَّيُم لا يكذبُوتك وَلَكن الظَّالمين بآيَات الله 
يجحدون) [الأنعام: E‏ 

فَإذا عرف العَبْدُ أَنَّ الله ره وخالقه. وَأَنّهِ مُفتقر إِلَيْهِ مُحْنَاجٍ إِلَيْهِ عرف 
الْعْبُودِيّة المتعَلّقَة بربوبية الله. وَهَذَا العَبْد يسال ربّه وبتضرع إِلَيْهِ ويتوكل عَلَيْهِ 
كن قد يُطِيع أمره وقد يَعصيه. وقد يعبده مَعَ ذَلِكء وقد يعبد الشَيْصَانَ 
والأصنام. وَمثل هَذِه الْعُْبُودِيّة لا تُقَرّق بين أهل الجَنَّة وَأهل النَّارء وَلّا يَصِيريا 
الرجل مُوْمنَاء كُمَا قال الله تَعَالَ: (وَمَا يُؤمن أكأرهم باللّه إلا وهم مشركون) 


102 ل ١‏ شرع را ار 
[يوسف: 106]؛ فَإِن المشركين گائوا يُقِرُونَ أن الله خالقهم ورازقهم وهم يَعْبِدُونَ 
غيره؛ قال تَعَالَ: (وَلَيْنَ سَأَلِمْ مَن خلق السَّمَاوَات وَالْآَرْضِ ليَقُولن الله) [لقمان: 
5 وَقَالَ تَعَالَ: [قل لمن الأزض ومن فما إن كُنْتُمم تعلمُونَ * سيقولون لله قل 
أفلا تذكزونَ * قل من رب السَّمَاوَات السّبع وَرب الْعَرْشُ الْعَظِيم * سيقولون لله 
قل افلا تَتَفُون * قل من بِيَّدِهِ ملكوت كل شَيْء وَهُوَ يجير ولا يجار عَلَيْهِ إن كُنْثم 
تعلمُونَ * سيقولون لله قل فأنى تُسحرون) [المؤمنون: 84- 89]. 

وكثير ممن يتلم في الْحَقِيمَة فيشهدها. لا يَشْهد إلا هَذِه الْحَقِيمّة. وهي 
الحَقِيقَة الكونية التي يَشْتَرك فما وني شهودها وني مَعْرفَتهَا الْمُوْمنُ وَالْكَافِرَوَالْبِرُ 
والفاجر. بل وإبليس معترف يذه الْحَقِيقَة وَأهل النَار؛ قال إبُليس: (رب فأنظرني 
إلى يَوْم يبعثون) [الحجر: 36]ء وإقال رب بمَا أغويتني لأزينن لَيُم في الأزض ولأغوينهم 
أَجْمَعِينَ) [الحجر: 39]. وقال: (فبعزتك لأغوبهم أَجْمَعِينَ) [ص: 82]ء وَقَالَ: (أرأيتك 
هَذَا الذي كرمت علي لين أخرتن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لأحتنكن ذُرئّته إلا قليلا) 
[الإسراء: 62]ء وأمثال هَذَا من الخطاب الَّذِي يُقِرّفِيهِ بان الله ربه وخالقه وخالق 
غَيرهء وَكَدَلِكَ أهل النَّار قَالُوا: (رَبِنَا غلبت علينا شقوتتًا وَكُنَا قوما ضَالَينَ) [106 
المؤمنون: 106]. وَقَالَ تَعَالَ عَنْهُم: (وَلنّوترى إِذْ وقمُوا على رهم قال أَلَيْسَ هَذَا 
بِالْحَقّ قَالُوا بی ورینا) [الأنعام: 30[. 

قَمن وقف عند هَذِه الْحَقِيمَة وَعند شهودهاء ولم يقم بِمَا أمر الله به ِن 
الحَقِيقَة الدِينِيَّة التي هي عِبّادته الْمْتعَلَقَة بألوهيته وَطَاعَة أمره وَأمررَسُولهء كَانَ 
من جنس إِبْليس وأهل التار. 

فإن ظَنَّ مَعَ ذَلِك: أنه من خَواص أَوْلِيَاء الله وَأهل المعرفة وَالتَخْقِيق. الّذين 
سقط عَم الآمر وَالمَي الشّرعيان. كَانَ من أشر أهل الكفر والإلحاد. 

وَمَن ظن أن الخَضْرَوَغَيرهِ سقط عَمْيُم الآمر؛ لمشاهدة الإرَادَة وَتَخو ذَلِك- كَانَ 
قله هَدَا من شَرَأَقْوَال الكافرين باللّه وَرَسُولِه. حَنَّى يَدْخْل في النَوْع الثَانِي من 


| لشيخ الإسلام ابن تي 0 أ aaa aa‏ 1 1 ذا TO‏ 


معنى العَبْدء وَهُوَالعَبْد بِمَعْنى العابد؛ فيكون عابدًا لله. لا يَعبد إلا إياه؛ فيطيع 
أمرّه وَأمرَ رُسّله» ونُوالي أولياءه الْمُؤمنِينَ المْتَّقِينَ وتُعادي أعداءه. 

وَهَذِه الْعِبَادَة مُتَعَلّقَة بالإلبيّة لله تَعَالَء وَلِمَدَا كانَ عنوان التّؤْحجِيد: (لا إِلّه 
إلا الله). بخلاف مَن يُقر بربوبيته وَلَا يَعبده. أو يَعبد مَعه إِلَمَا آخر. 

فالإله: هُوَائَّذِي يألبه القلب بگمال الحبَ والتعظيم والاجلال وَالْإِكُرَام 
وَالْخَؤْف والرجاء. وَنَخو ذَّلِك. 

وَهَّذه الْعبَادَة هي التي يُحمًا الله وترضاهاء وما وصف المصطفين من عباده. 
وما بعت رُسله. 

ما العَبْد- بِمَعْنى المعبّد- سَّواء أقرَّبذلك أو أنكرة. فَبَذَا الخنى يَشَتَرك فيه 
المُؤْمنُ وَالْكَافِر 

وبالفرق ين هِدَيْن النوْعَيْنِ يعرف الفرق ين الْحَقَائِق الدّنِيّة الدَاخِلّة في 
عبَادة الله ودينه وَأمره الشَرْعِيَ التي يجا وترضاها ويُوالى أهلبًا وثكرمهم بجنته. 
وَبَين الْحَقَايق الكونية التي شرك فِيَا المُؤمن وَالگافِر وَالبروالفاجر التي مَن 
اكتفى با ولم يَتّبع الْحَقَائِق الدِينِيّة گانَ من أتبَاع إِبْلِيس اللعين والكافرين برب 
الغا حن ومن اكتفى فما بض تور دون بعضٍ أوفي مقام دون مقَام كشال 
دون حَال نقص من إيمَّانه وولايته لله بحسب ما نقص من الْحَقَائِق الدِّينِيّة». 

الا 

أراد شيخ الإسلام هنا أن يُقّسّم العبودية إلى قسمين: القسم الأول: 
العبودية الاضطرارية. والقسم الغاني: العبودية الاختيارية. 

وذلك أنَّ العبد قد يُطلق ويراد به المُعَبّد» وقد يطلق ويراد به العابد» فإذا 


أطلق ارفا به الك فان العبودية تڪون حينكذ بمعنى: الخلقء» ويمعى 
الإيجاد والربوبية» وهذا النوع يُطلق عليه (العبودية الاضطرارية)» وهي عبودية 


e 104 )-‏ 9 رسالة العبودية ) 
الذل والخضوع لله سبحانه وتعالى قهرًا واضطراراء وليس اختيارًا من الإنسانء 
وهذه العبودية حاصلة لكل مخلوقات الله سبحانه وتعالى» فكل المخلوقات من 
الإنسن والجن والملائكة والأشجار والأحجار وجميع المخلوقات هي عابدة لله 
سبحانه وتعالى بهذا الاعتبار. 

حت الكفار فهم عابدون لله عز وجل اضطرارًاء أي: خاضعون وذليلون له 
وهم في خضوعهم وذهم هذا ليسوا مختارين» وإنما هم مضطرون إلى ذلك. 

وهذه العبودية الاضطرارية بهذا المعنى هي موافقة لربوبية الله سبحانه 
وتعالى» أي: أنه رب كل شيء» وأنه خالق كل شيء. 

وهذه العبودية الاضطرارية لا تُمَرّق بين أهل الجنة وهل العار» ولا يصير 
الإفسان بها مؤمتا. 

ومشركو مكة مقرون بهذه العبودية الاضطرارية؛ فإنهم كانوا يَعترفون أن 
الله هو الخالق الرازق المحبي المميت» ومع ذلك كانوا يشركون في عبادتهم معه 
غيره؛ قَالَ تَعَالَ: (وَلَيِنِ سَألعهمْ مَّن خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْضِ ليَمُولن الله) 
القمان: 25]» وَكَالَ تَعَللَ: [قل لمن الْأَرْض ومن فِيهًا إن كُنكُم تعلمُونَ * سيقولون 
لله قل فلا تذكرُونَ * قل من رب السَّمَاوَات السّبع ورب الْعَرْش الْعَظِيم * 
سيقولون لله قل افلا تَقُون * قل من بيد ملكوت كل شَيْء وَهُوَ يجير ولا يجار 
عَلَيْهِ إن كُنُْم تعلمُونَ * سيقولون لله قل فَأ ُسحرون) [المؤمنون: 84- 89]. 

ومع ذلك لم تنفعهم هذه العبودية وحدهاء ولهذا يقول اللّه سبحانه وتعالى 
عنهم: وما يُؤْمِنُ أَكْثَيُهُمْ باللَهِإِلَا وَهُمْ مُشْرَِكُونَ) [يوسف:106]؛ فأثبت لهم 


إيماّه لكن هذا الإيمان لم يُنفعهم وحده؛ بل لا بد أن يُضاف إليه إيمان آخرء 
وهو غيودية الله سبعحانة وتعالل مختازين منقادين لأوامره الشرعية. 

قال شيخ الإسلام: «ومعلوم أَنَّ المشركين من العرب الذين بُعث إليهم محمدٌ 
ب لم يكونوا يخالفونه في هذا [أي: في توحيد الربوبية]؛ وهم مع هذا 
مشركون)(1). 

ولمهذا جاء عن بعض السلف أنه سى الإقرار بالربوبية فقط دون الإلهية: 
إيمان المشركين» وذلك أن الإقرار بالربوبية والإقرار بالعبودية الاضطرارية من 
الإيمان» لكن ليس هو كل الإيمان» وليس هو الإيمان الذي ينجي الإفسان 
يوم القيامة» وليس هو الإيمان الذي يُدخل الإفسان الجنة» ويجعله يخرج من 
دائرة الكفر إلى دائرة الإسلام» بل لابد من الإتيان بالعبودية الاختيارية التي 
سيأتي الكلام عنها. 

وهذه العبودية الاضطرارية (الجبرية) هي التي جاءت في قوله تعالى: (إِنْ كُلّ 
من في السّمَوَاتِ وَالأَرْضٍ إلا آتي البَحْمَنِ عَبْدَا [مريم:93] يعني: إلا سيأق إلى 
الله عز وجل وهو خاضع مُّقرء ولن يستطيع المرب يوم القيامة. 

ثم قال شيخ الإسلام: اوكثير هّن يتكلم في الحَقِيقّة في* ها لا يَمْهد إل 
هَذِه اقيق وهي الحقيقّة الكونية الي يَشْترك فِيهًا وي شهودها وَفي مَعْرفَتَهًا 
الْمُوْمِنُ وَالْكافِرَ وَاأْمرُ والفاجر. بل وإبليس معترف بِهَذِهِ الحقِيقة وأهل الگار؛ 
قال إبلييس: (رب فأنظرفي إلى يَوْم يبعثون) [ص:1]79. 


¥ 


\ 


4 «مجموع الفتاوى» (3/ 98) باختصار. 


106 مر رع رسالة العبودية ) 

فهذه العبودية الاضطرارية هي التي يُتعب الصوفية أنفسهم في الوصول 
إليهاء فهم يعتبرونها الغاية التي يصل إليها العابد» ويفنون أعمارهم في شهود 
الحقيقة الكونية» مع أنه يشترك في معرفتها وشهودها المؤمن والكافر والبر 
والفاجر» حتى إبليس- الشيطان الرجيم- معترف بهذه الحقيقة؛ حيث قال 
إبليس فيما قصّه الله في كتابه عته: (وَبٌ قأنظرن إل يوم يُبَعَقُونَ) [الجر :136 
فهو مقر بالربوبية» ولكنه لما استكبر عن تنفيذ الأمرما نفعه هذا الإقرار؛ 
فكفرء وتوعده الله بالعذاب الأليم؛ قال تعالى: (وَإِذْ قتا لِلْمَلائِڪة اسْجُدُوا 
آَم َسَجَدُوا إلا لیس أل وَاسْتَكْيَرَ وان مِنَ الْكافِرِينَ) [البقر::34]. 

وكذلك أهل النار قَالُوا: (رَبنَا غلبت علينا شِقُوَتنا وَكُنّا قوما ضَالَينَ) [106 
المؤمنون: 106] وَكَالَ تَعَالَ عَنْهُم: (وَلّوترى إِذْ وقمُوا على ربهم قال أَلَيْسَ هَدَا 
باق الوا بى وربنا) [الأنعام: 30]» فهم معترفون بربوبية الله تعالىك ولكنهم لم 
يقوموا بعبودية الألوهية (الاختيارية). 

لذلك كان الاشتغال بهذا النوع من العبودية اشتغال بأمر قد قُطر الناس 
عليه. 

وأما النوع الآخر وهو (العبودية الاختيارية)؛ فهي العبودية التي يفعلها 
الإنسان عن اختيار وإرادة» ولو شاء لتركها. 

وهذه العبودية لا تكون إلا من المكلفين الذين كلفهم اللدسنيجانة و قال 
بالأمر والنهي؛ فهؤلاء هم الذين يعبدون الله عز وجلء وهم المختارون للهذه 
العبادة عن رضا وطواعية. 


ومن أجلها أرسل الله الرسل وأنزل الكتب؛ وقد قص القرآن أن جميع 
الرسل قالوا لقومهم: (اغْبّدُوا الله مَا أَكُمْ مِنْ إِلَهِ غَيْرْهُ1 [الأعراف:159]» أي: هو 
وحده المستحق للعبادة دون سواه ولا قبل أن تُشركوا معه غيره فيها. 

فهي التي يسمى بها الإنسان مؤمتاء وبها ينجو من عذاب الآخرة» ويفوز 
النعيم في الجنة. 

قال ابنُ أبي العِرّ الحنفي رحمه اللّه: «وكذلك كان حال الأمم السالفة 
المشركين الذين كَذَّبوا الرسل. كما حكى الله تعالى عنهم في قصة صالح عليه 
السلام عن التسعة الرهط الذين تقاسموا باللّهء أي: تحالفوا بالله؛ لتبيتنّه 
وأهله. فهؤلاء المفسدون المشركون تحالفوا بالله على قتل بيهم وأهله» وهذا بين 
نهم كانوا مؤمنين باللّه إيمانَ المشركين. 

فَعْلِم أَنَّ العوحيد المطلوبٌ هو توحيه الإلحيَّةِ الذي يتضمن توحيد 
الربوبية؛ قال تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيمًا فطرة اللّه التي فطر الناس عليها 
لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) 
[الروم :0130( 

وعلى العبد ألا يخلط بين (الإرادة الكونية القدريّة) وبين (الإرادة الدّينية 
الشرعية). 

فالإرادة الكونية القدريّة: هي ما يقع في الكون بقدر الله وتدبيره. ويشترك 
في شهودها البّر والفاجر. 


9 شرح العقيدة الطحاوية» (ص 33). 


ا 108 310101011101010 | شرح رسالة العبودية | 


وأمًا الإرادة الدّينية الشرعية: فهي ما شرعه وأمر به سبحانه» ورضيه 
وأحبّه من عباده. 

وعدم التفريق بين هذين النوعين جَرٌ طوائف إلى الوقوع في أنواع الإلحاد 
والكفر؛ يقول شيخ الإسلام ره الله هنا: قن E ME FETE‏ 
عند شهودهاء وَلم يقم بمَا أمر الله به مِن الحقِيقّة الدَينِيِّة الَّبِي هي عِبادته 
الْمُتَعلَقّة بألوهيته وَطاعَة أمره وَأمر رَسُولهه كان من جنس إِبْليس وأهل الكّار. 

إن طن مَعَ دلِك: أله من حَواص أَوْلِياء الله وَأهل المعرقّة وَالتَحْقِيق» الذين 
سقط عَنْهُم الأمر وَالتّهِي الشّرعيان» ان مِن أشر أهل الكفر والإلحادا. 

فبعضٌ الصوفية وبعضٌ أهل الكلام قد فَسّروا (لا إله إلا اللّه) بأنه لا خالق 
إلا الله. 

ويزعمٌ أحدهم أن الخضر سقط عنه التكليف؛ لشهوده الإرادة» ويفرقون 
بين العامة والخاصة» وخلاصة قوطم: أنهم يرون أن العامة هم الذين لم يشهدوا 
الحقيقة الكونية شهودًا كافيّاه وأن الخاصة هم الذين شهدوا الحقيقة الكونية 
شهودًا كافيًا. 

ووصفهم للمسلمين بأنهم (العامة) وصف انتقاص؛ لأنهم يقولون: إنهم 
الذين لم يصلوا إلى شهود الحقيقة الكونية» وهي- عندهم- أن يعلم أن الإنسان 
لا صفات له ولا أفعال له» وإنما الفاعل على الحقيقة هو اللّهء ونه عبارة عن 
محل لفعل الله مثل الأناء عندما يكون علا للماءء وكالريفة الي يخركها 
ال مواء» يعني: ليس فاعلًا فعلًا اختياريًاء وإنما الله عر وجل هو الذي يحركه 
والإفسان مسلوب الإرادة» بور على فعله. 


ويترتب على هذا القول: أن القول الذي يقوله الإنسانُ ليس قولّه؛ بل هو 
قول اللّهء وأنَّ الفعل الذي يقوم به الإنسان ليس فعلّهء وإنما هو فعل الله. 

ويترتب على هذا أيضًا: أنه بسبب شهوده له ذه الحقيقة سقط عنه 
العكاليف؛ لأنه لا فِعل له؛ فالتكليف يحصل عندما يكون للإنسان فعلءثم 
يحاسب على هذا الفعل» ولكن إذا لم يكن له فعل؛ فكيف يحاسب عليه؟ 
وكيف يجازى على فعله مع أنه ليس هو فاعله حقيقة؟ وإنما الفعل الذي فيه 
هو فعل اللّه؛ لذلك أسقطوا التكاليف الشرعية. 

وهذا- لا شك قولُ في غاية الكفرء والسبب هو: أنهم جعلوا هذه 
الأفعال القبيحة التي تصدر عنهم من كفر أو فسق- هي فعل الله؛ فجَرَّدوا 
الإفسان من إرادته. 

مع أنَّ هذا مخالف لحقيقة الإذسان في الدنيا الآن» ومخالف لشعوره 
ومخالف للواقع الذي يعيشه؛ وهو أن له إرادة وله عمل» وهو محاسب على إرادته 
وعمله» بالإضافة إلى النصوص المتوافرة من الكتاب والسنة المثبتة للإفسان 
إرادة ومشيئة واختيارًا وسعيًا وكسبًا. 

tha 


| شرح رسالة العبودية‎ | saia nA EGR a 110 |... 


قال المصنف رحمه اللّه: «وهذا مقامٌ عظيم فيه غلط الغالطون. وكثر فيه 
الاشتباه على السالكين حنّى رَلِقَ فيه من أكابر الشيوخ- المدَّعين للتحقيق 
والتوحيد والعرفان- ما لا يُحصهم إلا الله الذي يَعلم السَرّ والإعلان». 

يشير المصنفُ بهذا إلى بعض كبار شيوخ المتصوفة المُدّعين للتحقيق 
والتوحيد والعرفان؛ إذ وقع هؤلاء في هذا المزلق الخطيرء وهو إقصاؤهم للأمور 
الشرعية» وتركيزهم على الحقائق الكونية القدرية» وإن كان نظرهم كذلك هو 
نظر الجبرية. 

فالصوفية والجبرية يتكلمون بلسان واحد في باب القَدّرء فإذا ذكر الصوفية 
في هذه المسائل فاعلم أَنّهم جبرية؛ فهم والجهمية في خندق واحدء مع تعطيلهم 
لباب الحقائق الدينية» ومع تعطيلهم للأوامر والنواهي» فما أراده الْجَهُمُ(1)- وهو 
أول مَن برز بعد الجعد(2) في مسائل الكلام- أراد هؤلاء أن يحققوه» فا لحمدف 
0 هو جهم بن صفوان؛ أبو محرز الراسبي مولاهم» السمرقندي» الكاتتب» المتكلم» 0 الضلالة» 

وراس الجهمية. كان صاحب ذكاء وجدال» وكان ينكر الصفات» وينزه الباري غنها بزعمه» 

ويقول بخلق القرآن» ويقول: إن الله في الأمكنة كلها. 
وكان يقول: الإيمان عقد بالقلب» وإن تلفظ بالحفر. قيل: إن سلم بن أحوزقتل الجهه؛ 
لإنكاره أن الله كلم موسى. ينظر سير أعلام النبلاء» (6/ 226 27). 
2 الجعد بن درهم: هو أول من ابتدع بأل الله ما اتخذ إبراهيم خليلاء ولا كلم موسى» وأن ذلك 
لا يجوز على اللّه. قال المدائني: كان زنديقًا. وقد قال له وهب: إني لأظنك من الهالكين» لولم يُخبرنا 
الله أنَّ له يدّاء وأنَّ له عينًا ما قلنا ذلك. ثم لم يلبث الجعد أن صُلب. ينظر «سير أعلام الحبلاء) 
(6/ 26 27). 


عندهم واحد» والطريق واحدء والمؤدَّى واحد» فانظر كيف يلتقي أهل الباطل 
مع بعضهم في هذه المسائل. ولذلك قال المصنف: «ما لا يخصيهم إلا الله الذي 
يعلم السرّ والإعلان). 

2 


...| 112 71010909999000 | شرح رسالة العبودية | 


قال المصنف: «وإلى هذا أشار الشيغٌ عبد القادر- رحمه الله- فيما ذُكر عنه. 
فبيّن أن كثييرًا من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا إلا أناء فإني 
انفتحت لي فيه روزنة. فنازعت أقدار الحق بالحق للحق» والرجل مَن يكون 
منازعًا للقدر. لا من يكون موافقا للقدر». 

ا 

أشار المصنف هنا إلى ما ذكر عن الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه اللّه(1) 
من أن كثيرًا من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكواء وهذا على نهج 
الحونية من أن الب د حيو ولكفهيقول: إن الله نا من هد النظرة 
الخاطئة» وانفتحت لي فيه روزنة- أي: نافذة- فنازعت أقدار الحق بالق 
للحقٌّ» يعني : أن اللّه وضع الأسباب» والأمر قَدَر الله سبحانه وتعالى. 


0 هو الشيخ الزاهد عبد القادر الجيلاني» من أئمة الإسلام الذين انتهت إليهم الرئاسة على 
مسلمى زمانه؛ علمًا وعملا وإفتاء» وأحد علماء الحنابلة. له كتاب «الغنية؛ في مذهب 


أحمد. 

والشيخ موافق لأهل السنة والجماعة- أهل الحق- في جميع مسائل العقيدة من مسائل التوحيد 
والإيمان والنبوات واليوم الآخر؛ فكان متبعًا لا مبتدعًاء وكان على طريقة السلف الصالح يحث 
في مؤلفاته على اتباع السلف» ويأمر أتباعه بذلك» وكان يأمر بترك الابتداع في الدّين» ويصرح 
بمخالفته للمتكلمين من الأشاعرة ونحوهم. 

قال عنه العأامة ابن القيم رحمه الله في «نونيته» (ص 84): 

هذا وخامس عشرها الإجماع من رسل الإله الواحد المنان 

فالمرسلون جميعهم مع كتبهم قد صَرَّحوا بالفوق للرّحمن 

وحكى لنا إجماعهم شيخ الورى والدّين عيد القادر الجيلاني 


زلشيخ الإسلام ابن تيمية__) السو ل ا لاه 

ولذلك قال شيخ الإسلام بعد مقالة الشيخ عبد القادر هذه في «مجموع 
الفتاوى»: وهو وَج كان يُعَظَّم الأمر والنهي» ويُوصي باتّباع ذلك» ويّنهى عن 
الاحتجاج بالقَدَر»(1). 

والتصوف قديمًا كان مرادقًا- عندهم- للزُهدء أي: التقلل من الدنيا مع 
طول العبادة؛ قال شيخ الإسلام: «وأما أثمة الصوفية والمشايخ المشهورون من 
القدماء: مثل الجتيد بن محمد وأتباعه» ومثل الشيخ عبد القادر وأمثاله؛ فهؤلاء 
من أعظم الناس لزومًا للأمر والنهيء وتوصية باتّباع ذلك» وتحذيرًا من المشي- 
مع القدّرء کا مشى أصحابُهم أولىك»(2). 

ثم بَيّن- رحمه اللّه- الفارق بين طريقة السلف ومنهم الشيخ عبد القادر 
الجيلاي وطريقة من حادوا عن طريق احق فرلرا وضلوا وأ راء فشال: 
«والشيخ عبد القادر كلامه كله يدور على اتباع المأمور وترك المحظور والصبر 
على المقدورء ولا يُثبت طريقًا تخالف ذلك أصلاء لا هو ولا عامة المشايخ 
المقبولين عند المسلمين» ويحذر عن ملاحظة القَّدّر المحض بدون اتباع الأمر 
والنهيء كما أصاب أولعك الصوفية الذين شهدوا القَدَرَ وتوحيد الربوبية» وغابوا 
عن الفرق الإلعي الديني الشرعي المحمدي؛ الذي يَقَرّقَ بين محبوب الحقٌّ 
ومکروهه» ويّثبت أنه لا إله إلا هو. وهذا من أعظم ما تجب رعايته على أهل 


«مجموع الفتاوى» (8/ 306). 
” «مجموع الفتاوى» (8/ 369). 


...| 114 ااان و aia nA Ga‏ | شرح رسالة العبودية | 
الإرادة والسلركة قان كرا من المعأخرين زاغ غدد فضل سراء السبيا» وإفيا 
يعرف هذا من توجّه بقلبه وانكشفت له حقائق الأمورء وصار يشهد الربوبية 
العامة والقيومية الشاملة» فإن لم يكن معه نور الإيمان والقرآن الذي يحصل 
به الفرقان حتى يشهد الإلحية التي تُميز بين أهل التوحيد والشرك وبين ما يحبه 
الإسلام بحسب خروجه عن هذا؛ فإن الربوبية العامّة قد أقرّ بها المشركون 
الذين قال فيهم: زوما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركوق! ش11 واا 
يضير الرجل مسلمًا حنيئًا موحدًا إذا شهد: أن لا إله إلا الله فععد الله وده 
بحيث لا جُشرك معه أحدًا في تأطه ومحبته له وعبوديته وإنابته اليه وإسلامه له 
يُبغض» ويّفنى بحقّ العوحيد عن باطل الشرك؛ وهذا فناء يقارنه البقاء؛ فيّفنى 
عن تأله ما سوى الله بتأله الله تحقيقًا لقوله: لا إله إلا اللّه؛ فيضي ويّفني من قلبه 
تأله ما سواه؛ ويُثبت ويُبقي في قلبه تأله الله وحده)(1). 

ومعلوم أن مراتب القدر أربعة هي: (العلم والكتابة والخلق والمشيئة)» 
ومن قدر الله عز وجل أن وضع للأمور أسبابًا تقوم بهاء فالإنسان لا يممكن أن 
يكون له ولد بدون زواج» وهككذا لا يمكن أن يكون له رزق إلا بسبب»: 
حت الطير؛ لا بد لما أن تغدو عل رزقها لتحصّله. فهذه أسباب وضعها الله عز 
وجل» وهكذا حتى في الأعمال الشرعيةء فالله تعالى هيا لك العقل» وهياً فيك 


ا الفتاوى» (8/ 369› 370). 


من اللهمة ما يجب أن تقوم بهاء وإن كان مع القيام بهذه الأسباب يجب على 
الإنسان أن يستعين بالله عز وجلء وهذا مقام (إياك نعبد وإياك نستعين) 
[الفاتحة:5]» فالعبد يقوم بالطاعة والعمل الصالح؛ لكي ينال رضوان الله سبحانه 
وتعالى وحبته وجَنّته» ويستعين باه تعالى عل أداء هذا العمل الصالح» ما مق 
يترك أسباب الحداية ويقول: لو شاء الله هدايتي لحداني» ولوشاء أن أقوم للصلاة 
لقمت. فهذا مناف للشرع والعقل» فلا بد للإذسان أن يقوم بأسباب العمل 
الصالح؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد ركب في الإفسان من المشيئة والإرادة ما 
هو تَبَع لمشيئته وإرادته جل وعلاء لكن الإنسان يُختبر بهذه الأسباب» فلا 
يجوز له تعطيلها بأي حال من الأحوال. 

وهذا معن 'قوله: اثارت أقدار الحمق بالق لأن عل العبد أن يأحد 
بالأسباب الشرعية التي شرعها الله سبحانه وتعالى؛ لكي ينال ما كتبه الله عليه 
في أمر القَدَرء وقد يناله وقد لا يناله» لكنه مُطالب بأن يأخذ بهذه الأسباب 
التي اراقها اه اتةه وان 

فإنَّ ِن حَذْقٍ الله تعالى أن ركب للأمور أسبابًاء وين خلق الله عز وجل أن 
جعل للعبد إرادة ومشيئةء وهذه الإرادة والمشيئة لا تخرج عن إرادته ومشيئته 
سبحانه وتعالى» فعلى هذا أمر الله تعالى العباد واختبرهم وابتلاهم؛ فمنهم من 
أطاع- بمعنى: أنه أخذ بأسباب السعادة وقام بهذه الأسباب» وطلبها من الله 
تعالى؛ فأعانه عليها- ومنهم من حرم مِن هذا. 

والفضل من قبل ومن بّعد لله سبحانه وتعالى الذي هيا للعبد هذه الأسباب 


من جهة» والذي أعانه على هذه الأمورمن جهة» فعلى العبد أن يُوازن بين هذا 


yy 116 [|‏ 57 رسالة العبودية ) 
وهذاء وعلى هذا المفهوم يَقّسَّر قول الشيخ عبد القادر هناء ولا يفهم من قوله: 
افا رفت أقداة انلق يلق لل والرجل من بكرن ماقا للقدزاة أنهنا 
مغارعة لذات الله سبحاته وتعالى قالله قد أمر العبد وكلق له إراذةة كما قال: 
(إنّا هديناه السبيلا إما شاكرا وإما كفورا) [الإنسان:3]؛ فهداه السبيل ورب 
فيه من أسباب المداية ما ركب» وشاء أن يمتحنه؛ فإما أن يقوم بالطاعة أو 
يقوم بالمعصية؛ وكلا العبدين قد أوتي من القوة والصحة والأسباب ما يُعينه على 
فعل ما أراده لكن هذا أعان على نفسه فاتّبع أسباب المداية فسار عليهاء وذاك 
حَرَم نفسه فَوكِل إليهاء فالعبد بالعالي في حال جهاد مع نفسه» وفي حال مجاهدة 
مع قَدَراللّه سبحانه وتعالى؛ لأنه لا يعلم ما خاتمته التي يموت عليهاء ولكنه 
يعلم أن الله تعالى قد جعل للجنة أسبابًاء وأمره بالأخذ بهذه الأسباب» فسبب 
فخول اة الاستقامة غل أوامر الله سبحافه وتعال» ولذلك دك ر العلماء أن 
الباء في قوله تعالى: [جزاء بما كانوا يعملون) [السجدة:17] هي باء السبب» 
وليست باء المقابلة والعوض» فالجنة ليست ثمنًا لعمل العبد؛ قال فضيلة 
الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ال إجزاءً بما كانوا يعملون) [السجدة:17] أي: 
بعل وبااي کارا يعملوفه لآن (هنا) ق قروا إبنا كاقوا يلون ) 
[السجدة:17] يصح أن تحكون مصدرية» ويصح أن وا ا واا 
هنا للسببية)(1). 


وبين الفلا من العقميق اه قمر شورة الراقعة: 


وقال لأهل الان (جزاء را ااه قل عجاري الله يجان وتال 
بجسب عمله. 
ومدار الغواب والعقاب عل العمل؛ ؛ فعن أبي هريرة و“ قال: قال رسول 


الله 5: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالڪم» ولكن ينظر إلى قلوبكم 
وأعمالكم)(1). 

فعلى الإنسان أن يحقق أسباب السعادة ونيل رضوان الله سبحانه وتعالىء 
فالجنة لا تحصل بالجسم ولا بالمال ولا بالحسب والنسب؛ فعن أي هريرة وإ 


الل E‏ 
يا عباس بن عبد المطلب» لا أغني عنك من الله شيًاء ويا صفية عمّة رسول 


الله لا أغنى عنك من الله شيئًاء ويا فاطمة بنت محمد سلِينى ما شئتٍ من 
مالي؛ لا أغنى عنك من الله شيعًا)(2). 


() أخرجه مسلم (2564)» وأيضًا بلفظ: (إنَّ الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم 


ولكن ينظر إلى قلوبكم)» وأشار بأصابعه إلى صدره. 
)2( ا البخاري (2753) ومسلم (206) من حديث أن هريرة و 


...| 118 7000000000 ش*ظ | شرح رسالة العبودية | 

ففاطمة رضي الله عنها مع كونها بنت النبي 4 الذي هو أعظم الخلق عند 
الله سبحاثة وتال ]لآ أن هذا النسب :ل تفن غنيا من الله شيثاه حى تومن 
وتعمل صاًا. 

فعلى هذا يقصد بهذه المنازعة: أن يسعى العبد لأسباب السعادة؛ ويسأل 
الله القبوله وكسن ظلنه باه لأمه سبحاتة قال إن الذي أمثوا يترا 
الصالجاتِ إلا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلَا) [الكمف: 30 وبعد الإيمان 
والعمل الصالح يرجو أن يكون من أهل الجنة» ولا يقولنَ- مثلًا- أنا على قَدَر 
الله تعالى؛ فإن شاء هدافي وإن لم يشأ لم يهدني. فيترك أسباب تيل الخير. 

والإنسان في الأمور الدنيوية يعلم أنه من غير الممحكن أن يترك الأسباب 
ويحصّل نتاتجهاء ومن فعل ذلك سخر الناس منه واستهزءوا به؛ کمن يُريد الولد 


بلا زواج» وكمن يريد المال بدون عمل. 
5007 


| لشيخ الإسلام ابن تي 0 أ a‏ 1 ااا ل 0 


قال المصنف رحمه اللّه: «والّذِي ذكره الشَيْخ رَحمّه الله هُوالَّذِي أمرالثة به 
ورَسُولّه. ولكنْ كثيير من الرّجَال غَلطوا فيه؛ ّم قد يَشْهِدُونَ مَا يُمَدٌرعلى 
أحدهم من المعاصي والدُّنُوب. أومَا يُمَدَرعلى النّاس من ذَلِك. بل من الكفر. 
ويشهدُونَ أن هَدَا جار بِمَشِيئَة الله وقضائه وقدره. داخل في حكم ربوبيته 
ومُمَتَضِى مَشِيئّته؛ فيّظنون الاستسلام للك وموافقته والرّضًا به وتخو ذلك 
دينًا وطريقًا وعبادة؛ فيضاهنون المشركين الّذين قَالُوا: (لوشَاء الله مَا أشركنا 
ولا آبَاؤْنَا ولا حرمنا من شَيْء) [الأنقام: 148]. وَقَالُوا: (أنطعم مَن لَويَشَاء الله 
أطعمة) [يس: 47]. وقَالُوا: (لَوشَاءَ الَحْمّن مَا عبدناهم) [الزخرف: 20]. ولّوهُدوا 
لعلموا أَنَّ القدر أمرنا أن ترضى به ونَصير على مُوجبه في المصائب التي تُصِيبنا؛ 
كالفقر والَرّض والخحَؤف؛ قال الله تَعَالَ: ما أصّاب من مُصِيبَة إلا بإذن الله ومن 
يُؤمن باللّه بهد قلبه) [التغابن: 11]. قال بعض السّلف: هُو الرجل تصيبه المُصِيبَة 
فيعلم أَنَا من عند الله فيّرضى وِيُسَلِّم. وقال تَعَالَ: (مَا أصّاب من مُصِيبَة في 
الأزْض ولا في أنفسكُم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير* لكي 
لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بمَا آتَاكُم) [الحديد: 22 23]. 

وتي «الصّجيحئن» عن النَِّي علد أنه قال: «اختج ادم ومُوسَى؛ فَقَالَ مُومَى: 
أذ آدم الَّذِي خلقك الله بِيَدِهِء ونفخ فيك من رُوحه. وأسجد لَك مَلانگته» 
وعَلّمك أسماء كلّ شَيْء؛ فلماذا أخرجتنا ونفسَّك من الجنَّة؟ فَقَالَ آدم: أنت 
مُوسَى الذي اصطفاك الله برسَالاته وبكلامه؛ فمل وجدت ذَلِك مَكْنُويَا عَليّ قبل 
أن أخلق؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فحَج آدمُ مُوسَى»(1). 

وآدّم عَلَيْهِ السَّلّام لم يَحْتَجّ على مُوسَى بالقَدَر؛ ظنًا أن المذنب يَحْتَّج 


لفق الضيت نين روافات الطنييةه واكيضة البخاري في مواضع (3409). (4736). 
(4738)» (6614)» (7515) ومسلم (2652) من حديث أبي هريرة وإ 


| شرح رسالة العبودية‎ | aia sms ah sae e a 120 


بالقدر؛ فَإن هَذَا لا يَقُوله مُسلمٌ ولا عاقل. ولو گان هَذَا عذرًا لَكَانَ عذرًا 
لإبليس وقوم نوح وقوم هود وکل گافر. ولا مُوسَى لَامَ آدم- أَيْضا- لأجل الذّنب,. 
فَإِنَّ آدم قد تَابَ إِلَى ره فاجتباه وهدى. ولكن لامه لأجل الْمُصِيبَة التي لُحقتهم 
بالخطيئة. ولِيَدَا قَالَ: فلماذا أخرجتنا ونفسّك من الجنَّة؟ فَأَجَابَهُ آدم: إِنَّ هَذَا 
كَانَ مَكْتُوبَا علي قبل أن أخلق. 

فَكَانَ العَمَلُ والمصيبة المترتبة عَلَيْهِ مقدَّرَاء وما قَدّرمن المصائب يجب 
الاستسلام لَه فَإِنَهُ من تمام الرّضًا باللّه را 

وأمًا الدُنُوب قَلَيْسنَ للعبد أن يُذنبء وإذا أذنب فَعْلَِيهِ أن يَسْتَفْفِر ويَثُوب؛ 
فيّتوب من صنوف المعايب. ويصبر على المصائب؛ قال تَعَالَ: (فاصبر إن وعد الله 
حق واستغفر لذنبك) [غافر: 55]ء وقال تعالى: (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم 
كيدهم شَيْنا) [آل عمران: 120]ء وقال: (وإن تصبروا وتتقوا فإن ذَلِك من عزم 
الأمُور) [آل عمرّان: 186]ء وقال يُوسُف عَلَيْهِ السّلام: (إنَه من يتق ويصبر فإن الله 
لا يضيع أجر الخسنين) [بوسفى: 90]». 

سبق أن تقدم أنَّ من المتصوفة مّن يرون القول بالجبر» أي: أن العبد بور 
على فعله» ويّرون أنه كالريشة في مهب الريح» ادلارا ولا قدرة له 
فيسلبون قدرة العبد بالكلية» وبهذا يرون أن العبد عليه أن يَستسلم لكل ما 
يمر به. 
مقام المصيبة ومقام الذثوب 

فمقام المصيبة انها أمر كوني قدري يُقدره الله على العباد؛ فإذا وقع للعبد 
انعا ا كفه سا ان عليه» فعلى العبد أن يستسلم له» ولیس للإفسان 


أن يعيب على إذسان في مصيبة كتبها الله عليه» كما جاء في قصة موسى وآدم 
غليهما السلا 

وأمّا في مقام الذنوب ومقام الطاعات» فمعلوم أن الإذسان قد ركب الله 
تعالى فيه من القدرة والإرادة والمشيئة ويسر له الأسباب؛ وجب عليه أن 
يجتهد في تحقيق الطاعات» والابتعاد عن الذنوب» ولذلك قال هنا موضحًا 
اعتقاد الجبرية الفاسد: «ولحكن كثيرًا من الرجال غلطوا فيه؛ فإنهم قد 
يشهدون ما يَقَدّر عل أحدهم من المعاصي والذنوب» أو ما يُقَدَّرعِلى الناس من 
ذلك؛ بل من الكفرء ويشهدون أن هذا جار بمشيئة الله وقضائه وقدره» داخل 
في خكم ربوبيته ومقتضى مَشيئته؛ فيّظنون الاستسلام لذلك وموافقته 
والرّضا به ونو َلك ديئًا وطريمًا وعبادة؛ ويقولون بأن هذا هو شهود الحقيقة 
الكونية» وقد تقدم الكلام عنها. 

وهذا وجه الغلط عندهم. 

لذا تجدهم يقررون أن الكُمّارلا يُلامون على كفرههم؛ وأنَّ العُصاة لا 
يلامون على معصيتهم؛ لأنهم- كما يزعمون- قد حَقَّقوا قدرٌ الله تعالى! 

فأصبح حالهم كحال القدرية من المشركين الذين قال الله سبحانه وتعالى 
فيهم: (لوشاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء) [الأنعام:148]» 
وكذلك في قوهم: (أنطعم مَن لويشاء اللّه أطعمه) [يس:47]» وقوله: (لوشاء 
اروها عبدناهم] [النخرف:20]؛ فمقولة هؤلاء وحاطم هي نفس مقولة أولغك 


| شرح رسالة العبودية‎ | seata nA EG N 122 ل‎ 


فالقدر حجة في المصائب» ولذلك لما هَمَّ عمر بن الخطاب و بالرجوع 


قبل أن يدخل أرض الشَّام؛ لأن الوباء قد وقع بها- قال له أبو عبيدة بن الجراح: 
(أفرارًا من قَدّر اللّه! فقال عمر: لو غيرك قاطا يا أبا عبيدة! نعم» نَفِرٌ من قَدّر 
الله إلى قَدَّرِ الله أرأيت لو كانت لك ابل فهبطت واديًا له عُدُوتان؛ إحداهما: 
خِضبة» والأخرى: جَّدْبة» أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله» وإن 
رعيت الجدبة رعيتها بقدر اللّه! قال: فجاء عبدالرحمن بن عوف وكان متغيّيًا في 
بعض حاجته» فقال: إن عندي من هذا عِلْمّاه سمعتٌ رسول الله ب يقول: «إذا 
سمعتّم به بأرض؛ فلا تَقدّموا عليه» وإذا وقع بأرض وأنتم بهاء فلا تخرجوا فِرَارًا 
منه). قال: فَحَيِد الله عمرٌ بن الخطاب» ثم انصرف)(1). 

والقدر ليس حجة على فعل المعاصي؛ وقد سثل فضيلة الشيخ ابن عثيمين 
رحمه الله عن شخص عاص عندما دعي للحق قال: (إِنَّ الله لم تكتب لي 
الهداية)؛ فكيف يُتعامل معه؟ 

فأجاب قائلًا: «نقول بكل بساطة : لع الغيبَ أم اتخذت عند الله 
عهدًا؟ 

إن قال: نعمء كف ؛ لاه ادَّعى علم الغيب. وإن قال: لاء خُصِم وغُلِب» إذا 
كنت لم تطلع أنَّ الله لم بحتب لك المداية فاهتدء فالله ما منعك الحداية» بل 
دعاك إلى المدايةء ورَغّبك فيهاء وحَدَّرك من الضلالةء وتّهاك عنهاء ولم يشا الله 


() أخرجه البخاري (5729) ومسلم (2219) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. 


عز وجل أن يدع عباده على ضلالة أبدّا قال تعالى: (يُيَيّنُ اللُْهلَحُ: أَنْ 
قرا ا ا نه البق من 
قَبْلِكُمْ وَيَكُوبَ عَلَيُكُمْ] [النساء:26]؛ فتب إلى الله» والله عز وجل أشدٌ فركًا 
بتوبتك من رجلٍ صل راحلته وعليها طعامه وشرابه» ودس منهاء ونام تحت 
شجرة ينتظر الموت؛ فاستيقظ فإذا بخطام ناقته مُتعلق بالشجرة فأخذ بخطام 
الناقة فرحّاء وقال: الل انت هيدف ونا ركف لطا من شدة الفرح)(1)؛ 
فنقول: ثب إلى الله» واللّهُ مرك بالاهتداءء وبَيّن لك طريق الحق. واللّه ولي 
العوفيق»)(2). 

فالأمر الكوني القدري عندما يجري على الإنسان فهذا جانب» وأما الأمر 
الديني الشرعي فاللّه سبحانه وتعالى قد أمر العبد أن يجاهد نفسه» وبين اللّه له 
طريق الحق وطريق الضلال» وأمره بلزوم طريق الحق. 

فأي إنسان مَنَّ الله عليه بفهم سليم يَعلم أن الله أمره بطاعته ونهاه عن 
معصيته؛ فلا بد له من مجاهدة نفسه على فعل الطاعة وترك المعاصي؛ لأنه قد 
ن للق حب الشهوافكه وهو تيفل ف هذه اليك لآن الال هال 
(تبَارَكَ الَّدِي بيده الْمْلْكُ وَهْوَعَلَ کل َيٰء قير * الي خَلَىَ الْمَوْتَ وا ليا 
لبوك أَيْخُنْ أَحْسَنْ عَمَلّا وَهْوَ الْعَزِيرُ الْمَقُورُ [الملك: 1ء 2]. 


«) معنى أخرجه البخاري (6308) ومسلم (2747) من حديث أفس بن مالك وإي. 


(2) امجموع فتاوى ورسائل ابن عثیمین» (2/ ۰103 104). 


124 مس شرج رسالة العبودية ) 

فهؤلاء الذين غلطوا في هذا الباب لم يُراعوا هذا الجانب» قال المصنف: 
(ولو شیر لی أن الققر مرا أن كرض يد رر عل مب ف ااا 
التي تُصيبنا. يعني في مقام المصائب» وهي الأمور التي ليس للعبد فيها اختيار؛ 
فإذا وقع عليه قضاء الله تعالى بالموت» أو الابتلاء بنقص المال ونحو ذلك فهذا 
أمرلا اختيار للإنسان فيه» وهو لا يرغب أن يصاب به» لڪن لوشاء الله 
سبحانه أن يقع هذا عليه- لجيكم يَعلمها- فما على العبد إلا الرضا والتسليم؛ 
قال جل وعلا: وبتڪ بِقَيْءٍ مِنَ ا وف وا جوع وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمُوَالٍ 
والأنثيى وا رات وبر الصابروق * الذي إذا احا م كالرا ا 
اانه والعفوة" E‏ توا ون رتب CE E‏ 
الْمْهْكَدُونَ) [البقرة: 155- 157]. 

والإنسان كما هو مُبتلى بالمصائب مُبتلى كذلك بالتّعم امتحانًا من اللّه؛ قال 
فال و با ر 1 35 وقد 0 
السلام ذلك بعد ما استقر عنده عرش ملک سی كنااق قواه تعالى: (قَالَ هَذدَا 
مِنْ فَضْلٍ ري يوني أأكْرُ اَم أَكْفْرُوَمَنْ گر نَا يَف كر فيه وَمَنْ 
ڪَمَرَ فَإِنَّ ر عق كي [الغمل:40]. 

وعلى العبد أن يرضى ويْسَلّم بما قدّر الله وسم من نعم بين خلقه؛ ويعلم 
أن الق متهوزوة مريويرة له اة قال فال زقل اا عاك اللنك 
تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك نمن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك 
الخير إنك على كل شيء قدير) [آل عمران:26]. 


وقال جل جلاله: (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله 
يهدي قلبه)؛ قال علقمةٌ بن قيس في تفسيرها: «هوالرجل تصيبه المصيبة؛ 
فيعلم أنها من عند الله فيَرضى ويْسَلّما(1). 

وقال تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب 
من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله سير لكيلا لا تأسوا على ما فاتكم ولا 
تفرحوا بما آتاكم) [الحديد:2322]؛ فهذا أمر كوني قدري» وعلى الإنسان فيه 
أن يَرضى و 

وكما جاء في «الصحيحين» في قصة آدم وموسى عليهما السلام؛ فهل لام 
موسى آدم- عليهما السلام- على الذَّنْب أم لامه على المُصيبة؟ 

فالجواب: أنه لامه على المصيبة» أما الذنب فقد تاب آدمٌ منه» وتاب الله 
عليه؛ قال تعالى: (فَتَلَتَ آدَمُ مِنْ رَبّهِ كلِمَاتِ قَتَابَ عَلَيْهِإِنّهُ هْوَ الكَوَّابُ الرَّحِيمُ) 
[البقرة: 37]» لكن موسى عليه السلام قد لامه على المصيبة؛ فاحتج آدم بالقدر؛ 
واحتجاجه بذلك صحيح. 

وقد سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه اللّه: هل في محاجة آدم وموسى 
إقرار للاحتجاج بالقدر؟ 

فأجاب بقوله: «هذا ليس احتجاجًا بالقضاء والقدر على فعل العبد 
ومعصية العبدء لكنه احتجاج بالقَّدّر على المصيبة الناتجة مِن فعله» فهو من 


ههه الطبرى فق انفسيرها (4)421/23 


| شرح رسالة العبودية‎ | 22*57 in Ga O 126 |... 


باب الاحتجاج بالقدرغل اللسات لآ عل اللعاكبي» وطنذا قال اختيننا 
وأخرجتنا ونفسّك من الجنّة» ولم يقل: عصيت رَبّك؛ فأخرجت من الجنة. 

فاحتج آدمٌ بالقدر على الخروج من الجنة الذي يعتبره مُصيبة» والاحتجاج 
بالقدر على المصائب لا بأس به؛ أرأيت لو أنّك سافرت سفرًا وحصل لك 
حادث» وقال لك إذسان: لماذا تسافر لو أنك بقيت في بيتك ما حصل لك شيء. 

Clg Sa 
بالحادث» وإنما خرجت لمصلحة؛ زص بالحادث.‎ 

كذلك آدم عليه الصلاة والسلام» هل عصى_ الله لأجل أن يُخرجه من 
الجنة؟ 

لا. فالمصيبة إِذَا التي حصلت له جرد قضاء وقَدَر وحينئذ يكون 
احتجاجه بالقدر على المصيبة الحاصلة احتجاجًا صحيحًاء ولهذا قال البي : 
١حَجّ‏ آدمُ موسی» حَجّ آدمُ موسى'. وفي رواية للإمام أحمد: «فحَجّه آدمُ)(1): 
عن سد 

مثال آخر: رجل أصاب ذنبًا وندم على هذا الذنب وتاب منه» وجاء رجل من 
إخوانه يقول له: يا فلان» كيف يقع منك هذا الشيء؟ فقال: هذا قضاء الله 
وقدرًه . فهل يصح احتجاجه هذا أو لا؟ 

نعم يصح؛ لأنَّه تاب» فهو لم يحتج بالقدر؛ ليّمضي في معصيته؛ لكنه نادم 
ومُتأسف» ونظير ذلك «أن النبي ب دخل ليلة على علخ بن أبي طالب وفاطمة 


() أخرجه أحمد في امسندها (2/ 268) برقم (7623) من حديث أي هريرة وإ 


رضي الله عنهما؛ فقال: «الا تتصَليان؟). فقال عل وَتِي: يا رسول اللهء إن 


أنفسَنا بِيدٍ اللّه؛ فإن شاء الله أن يُبعثنا بَعَثناا فانصرف المي 7 يضرب على 
فخذه وهو يقول: (و6 الإثتان أك كو جد [الكسف 84( فالريسول 
يل لم قبل حُجّتهء وبين أن هذا من الجدل؛ لأن الرسول بل يعلم أَنَّ الأنفس 
بيد اللهه لڪن يريد أن يكون الإفسان حازمًا؛ فيحرص على أن يقوم ويْصَيُ. 

على كل حال تبين لنا أن الاحتجاج بالقدر على المعصية بعد العوبة منها 
جائزء وأمّا الاحتجاج بالقدر على المعصية تبريرًا لموقف الإنسان واستمرارًا 
فيهاء فغير جائز)(2). 

فقال العلماء: «القدر حجة في المصائب لا في المعائب). 

لحن المخالفين من الجبرية والصوفية ساووا بين الأمرين. 

ولكن ليس للعبد أن يحتج بالقدر على فعل الذنب» وإذا وقع منه الذنب 
عليه أن يبادر بالتوبة والاستغفارء ويعلم أن هذا الأمرمن عند نفسه؛ قال 
ال ا وب ل اذى يُذنب» وإذا iE. MIE‏ 
وينوب؛ فيّتوب من صنوف المعايب» ويصبر على المصائب؛ قَالَ تَعَالَ: (فاصبر 
إن وعد الله حى واستغفر لذنيك) عافن 055 ولا شك أن مقام الصبر من 
أعظم الأمور المعينة على أمر المصيبة. 

ومن هنا نعلم هنا أن هؤلاء المتصوفة أخطئوا في جانبين: 
(2) «مجموع فتاوى ورسائل ابن عثیمین» (2/ 106» 107). 


| شرح رسالة العبودية‎ | aia aa A Ga a 128 |... 


ا جانب الأول: أنهم حصروا إيمانهم وتوحيدهم في الجانب الكوني القدري. 


واجانب الغاني: أنهم لم يفهموا القَدَرَ على وجهه» فهم جبرية في هذا الباب. 
DEER‏ 


لشيخ الإسلام ابن تہ 0 aaa a‏ ااا ا 129 TL‏ 


قال المصنف رحمه الله: «وكذلك ذنوب العباد يجب على العبد فما أن يأمر 
بالمعروف وينهمى عن المنكر بحسب قدرته. ويجاهد في سبيل الله الكفارَ 
والمنافقين. ويوالي أولياء الله ويعادي أعداء الله. وبحب في الله ويبغض في الله. 
كما قال تعالى:( قَنْ كاتث لَكُم أُسْوَةٌ حَسَئَةٌ في إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا 
لِقَوْمِهمْ إِنَا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمًا تَعْبدُونَ مِنْ دون اللَّهِ كَفَرْنَا بَكُمْ وَبَدَا بَيْثَنَا وَبَيْتَكُمْ 
الْعَدَاوَةُ وَالْبَعْصَاءُ أَبَدَا حى تُؤْمِنُوا باللّه وَحْدَهُ 4 [الممتحنة:4]. وقال تعالى: لا تَجِدُ 
قَوْمَا يُؤْمِنُونَ باللّهِ وَالْيَوْم الآخِر يُوَادُونَ مَنْ حَادَ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْكَانُوا آبَاءَهُمْ أو 
أَننَاءَهُمْ أو إِخْوَاءهُم أَوْعَشِرتَهُمْ أُولَئِكَ كَنَب في قَلُوبِمْ الإيمَانَ وََيَدَهُمْ بروج مِنْهُ) 
[المجادلة:22]ء وقال تعالى: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين) [القلم:35]. وقال: (أم 
نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين 
كالفجار) [ص:28]. وقال تعالى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم 
كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون) 
[الجاثية:21]ء وقال تعالى: (وما يستوى الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا 
الظل ولا الحرور وما يستوى الأحياء ولا الأموات) [فاطر:21-19]. وقال تعالى: 
(ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلمًا لرجل هل يستوبان 
مثلًا) [الزمر:29]ء وقال تعاى: (ضَّرَبَ اللَّهُ ملا عَبْدَا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ 
رَرَقْنَاهُ مِنا رِزْقَا حَسَنًا فَمُوَيُنْفِقَ مِنْهُ سرا وَجَبْرَا هَل يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِنّهِ بَلْ 
أَكثَّرْهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَضَّرَبَ الله مَتَلَا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبِكُمْ لا يَقْدِرُ عَلَى شَّيْءٍ وَهُوَ 
گل عَلَى مَوْلَاهُ أَيْتَمَا يُوَجَبَهُ لا يَأتِ بِخَيْرٍ هَل يَسْتَوِي هُوَوَمَنْ يَأَمْرْبِالْعَدْلٍ وَهُوَعَلَى 
صراط مُسْتَقِيم) [النحل:76 75]ء وقال تعالى: (لا يستوى أصحاب النار وأصحاب 
الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون) [الحشر:20]. 

ونظائر ذلك مما يفرّق الله فيه بين أهل الحق والباطل. وأهل الطاعة وأهل 
المعصية. وأهل البر وأهل الفجور. وأهل الهدى والضلالء وأهل الغي والرشاد. 
فل الصدق الاب 


|[ 130 ا | شرع رسالةالفيودية | 

فمن شهد الحقيقة الكونية دون الدينية. سوّى بين هذه الأجناس المختلفة 
التي فرق الله بيها غاية التفريق. حتى تؤول به هذه التسوية إلى أن يسوي بين 
الله وبين الأصنام. كما قال تعالى عنهم: (تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم 
برب العالمين) [الشعراء:98.97]. بل قد آل الأمر بهؤلاء إلى أن سَّوَّوا الله بكل 
موجود. وجعلوا ما يستحقه من العبادة والطاعة حقًا لكل موجود؛ إذ جعلوه 
هو وجود المخلوقات. وهذا من أعظم الكفر والإلحاد برب العباد». 

ميم 

تقدم أن المصنف- رحمه اللّه تعالى- قد عقد مقارنة بين ما عليه حال هل 
الحق؛ أهل السنة والجماعة في شأن العبودية» وبين ما عليه أهل الباطلء 
وبالأخص هنا غلاة الصوفيةء وتقدم أن أهل التصوف عطلوا العبودية عن 
معناها الحق؛ فجعلوا أمر التوحيد مقصورًا على الإيمان بالحقائق الكونية 
القدرية؛ فلهم انحراف في باب القَّدّ وخلاصته أنهم جبرية. 

وكذلك في مقام التوكل أسقطوا الأسباب» ولم يُقَرّقوا بين مشيئة الله عز 
وجل الكونية القدرية وبين مشيئته الدينية الشرعية؛ فلم يفرقوا بين ما شاءه 
الله كونًا وقدراء وبين ما أحبّه دينًا وشرعًاء وجعلوا الأمرين على حدّ سواء؛ 
ففحبظو] وران هاا الاي 

وضلال الصوفية لا يقتصر على ذواتهم وإنما يتعداهم إلى عامّة الناس 
الذين يفتنون ويخدعون بهم» كما حَذَّر السلف قديمًا من ذلك؛ فقال الشَّعبي 
رغد امه" عد الفاح ون الغلاو اقل منى المتمتوينة قاكهبا آفة كل 


| لشيخ الإسلام ابن تر 2 أ بب 0217 LBL‏ 


مفتون)(1)» وقال سفيان: "كان يقال: تعوَّذوا باللّه مِن فتنة العابد الجاهل» وفتنة 
العالم الفاجرء فإِنَّ فتنتهما فتنة كلّ مفتون)(2)؛ فالمتصوفة ذشروا فكرهم بين 
كثير من الناس. 

فإذا الضَّالونَ من المتصوفة في مقام التوكل يسقطون الأسباب» ويرون أن 
ترك الأسباب هو أعلى مقامات العوكل. 

وعطلوا باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل اللّه. 

وهكذا يسري الأمر عندهم في كثير من مسائل الدين وأمور التوحيد» 
ونا تفص توحيد العبادة. 

فهنا أراد المصنف أن يُبَيّن قيمة هذا الباب (باب الأمر بالمعروف والنهي 
عن المنكر)» وأن يظهر ما له من مكانة ومنزلة في الإسلام» ثم عقب ذلك بقوله: 
فمن شهد الحقيقة الكونية دون الحقيقة الدينية سى بين هذه الأصناف 
المختلفة» التي فرق الله بينها غاية التفريق؛ فلا بد من تعظيم الأمر بالمعروف 
والنهي عن المنكرا. 

وهؤلاء الضالُون من المتصوفة جعلوا المعروف منكرًاء والمنكر معروقًا؛ ومن 
يقرأ سِيرّهم» ويُطالع طبقاتهم يتعجب مما دَوّنوه هم بأنفسهم من فضائح ومخازي 
يستحي الإفسان من ذكرها؛ ومع ذلك دَوّنوها وأثبتوها في كتبهم؛ وهي مخازي 


0 رة البيهقي في اشعب الإيمان» (2/ 315) برقم (1753). 


اس البيهقى في (شعب الاإيمان» (2/ 314) برقم (1752). 


...| 132 ااي 1 sata aA Ga‏ | شرح رسالة العبودية | 


عدف E‏ ما عليه الإباحية الحديثة التي نسمع عنها في بلاد الغرب» 
والعياذ باللّه. 

كل ذلك لأنهم سقطو الأ الروت رال عن لتك وأسغظرا عبن 
أنفسهم التكاليف بالكلية؛ لأنهم زعموا أنهم يشهدون الحقيقة الكونية. 

واللّه قد مدح هذه الأمة بقوله: [ كنتم كير اا اکر الاس ادون 
بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) [آل عمران:110]» فهذه الأمة لا 
تنال الخيرية إلا بهذه الشروط: أن تأمر العررتا ون عن المنكر وتؤمن 
بالله ع والله عز وجل قد قال: (وَأْمحُنْ واكم م يَدْعُونَ إلى الْجَيْرِ 

روه نَ بِالْمَعْرُوفٍ وَيَنْهَوَْ عن لكر وَأُولَهِكَ هُمْ الْمُفِْحُونَ) [آل 
عمران:104]؛ وقال جل وعل: [الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة آتوا 
الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وله عاقبة الأمور) [الحج الاسم 
الله عز وجل هذا الأمرء وهو ما أوجب النبي ب تغييره؛ فقال: امن رأى 
منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يّستطع فبلسانه» فان لم يستطع فبقلبه 
وذلك أضعف الإيمان)(1). 

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب من واجبات الدين» وأمر عظيم 
من شعائره» لكن هؤلاء القوم أسقطوه» حت إنهم لا يرون استحسانًا لحسنة» 
ولا استقباحًا لسيئة؛ بل إنهم يتبجحون ويتفاخرون بما يرتكبونه من 
منكرات وقبائح» وكتبهم شاهدة بذلك» ويڪفي مغالا على ذلك «طبقات 


انر 


(' أخرجه مسلم (49) من حديث أن سعيد الخدري نه 


الشعراني)؛ حيث تجد فيه الكثير من مخازي هؤلاءء وكل ذلك لأنهم أسقطوا 
شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 

ولذلك نبّه الملصنف عل أهمية هذا الباب فقال: «وكذلك ذنوب العباد يجب 
على العبد فيها أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحسب قدرته)؛ ونحن نعلم 
أن العلماء والأمراء هم ِن أعظم مَّن يجب عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن 
المنكر. 

فالعلماء لأن اللّه قد أعطاهم الله الفقه في الدين» ولذلك اشترط العلماء 
في الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر أمورًا منها: أن يكون الآمر بالمعروف 
والناهي عن المنكر عالمًا بما يأمربه وبما ينهى عنه» ثم أن يكون حكيمًا في 
أمره ونهيه» ثم بعد ذلك يصبر على ما يلقاه في سبيل القيام بهذا الواجب» فلابد 
أن تجتمع فيه هذه الأمور الغلاثة (العلم والعبير)ة فال ال 
(وَالْعَضْرِ* إِنّ الْإدْمَانَ لني حر * إلا الّذِينَ آمَنُوا وَعَينُوا الصالجاتِ وَتوَاضَوًا 
ای اما با ا1 

وكذلك يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الولاة والأمراء؛ لأن 
بيدهم السلطة وقوة العنفيذ؛ قال الله عز وجل: (الذين إن مكناهم في الأرض 
أقاموا الصلاة وآتوا الركاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وللّه عاقبة الأمور) 
[الحج:41]. 

فالولاة قد أعطاهم الله التمكين في الأرضء وبالعالي إذا قام هذا المجتمع 
على هذه الأسس صلح حاله. 


| 134 مسي سروس سيب | شرح رسالة العبودبة ) 

فعلى العبد أولًا: أن يصلح نفسه؛ بأن يأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر؛ 
لأن النفس أمّارة بالسوء» وبالتالي لا بد من قَسْرها وحملها على فعل الطاعات 
واجتناب المحرمات» ثم ينتقل الإنسان من نفسه إلى أهله؛ لقول الله تعالى: (يا 
أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة) 
[التحريم:6]» ولقول البي : «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته؛ والأمير 
راع» والرجل راع على أهل بيته» والمرأة راعية على بيت زوجها وولده؛ فكلكم 
راع وكلكم مسئول عن رعيته)(1)؛ فيجب على الآفساق أن يكون آما لأهله 
بالمعروف وناهيًا هم عن المنكرء ثم بعد ذلك الأقربين إليه» ثم جيرانه» ثم من 
حوله من المجتمع؛ لأن هذا المجتمع هو كيان واحدء فإذا أمرنا بالمعروف ونهينا 
عن المدكر انلكف سب اا 

وقد قص الله علينا أن سبب هلاك بني إسرائيل أنهم: (كانوا لا يتناهون 
عن منكر فعلوه) [الائدة:79]. 

أمّا غلاة المتصوفة فتجدهم على الضد من ذلك» بل إنهم يَستهينون 
بالأوامرء ومن ذلك أن أحد شيوخهم سأل مُريدًا عنده؛ فقال له: إذا أرسلتك في 
حاجة ورت سحل وين ليست الصلاة؛ فماذا تفعل؟ هل تمضي في 
حاجتي أو تصل مع الناس؟ فقال: لاء بل أمضي في حاجتك). 

فانظر كيف عطَّلوا أمر الصلاة» وإقامة الصلاة من أوجب الأمر بالمعروف؛ 
ومع ذلك يثني الشيخ على هذا المريد؛ لأنه قَدّم أمره على أمر الله عز وجلء 


تر 


اک البخاري (5200) ومسلم (1829) من حديث عبد الله بن عمر ذَليه. 


وهكذا يُربون أتباعهم على مثل هذه الأحوال» ويرون أنها من أحسن الأحوال 
وأعظم المقامات. 

ومن الشواهد على تعطيلهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعض 
اجتماعات الصوفية في موالدهم؛ فتجد- واللّه- من الفضائح والمخازي ها الله 
به عليم؛ ومن ذلك: أنهم لا يصلون مع الجماعة» وقد لا يصلون بالمرّة؛ ولا 
يتناهون عن المنكر؛ فيجتمع الرجال مع النساء» ويتعاطون الخمر والحشيش 
ونحو ذلك» ويقع من المفاسد العظيمة؛ حتى اشتهر أنه كلما وجدت فوضى 
وزحام؛ فالغالب أنه مولد» فيُعبرون عن الفوضى بكلمة (مولد)؛ لأن بعض 
هذه الموالد التي يجتمع لا أتباع هؤلاء المتصوفة تُرتكب فيها شت أنواع 
الفواحش والمنكرات» وكل ذلك على مرأى ومُسمع منهم. 

فبدل أن يُعظموا أوامر الله عز وجل؛ فيأمروا با معروف وينهوا عن المنكر- 
عَطّلوا هذه الشعيرة من شعائر الإسلام. 

فعلينا أن ننتبه إلى موطن الخلل الذي يدخل على هذه الأمة» فنحن نرى 
الأمة وفيها كتاب الله» وفيها سنة نبيه بي وفيها أحكام الدّين ولحن مع 
ذلك نرى من أحوالها العجب العجاب» فهذا الدّاء جاء إليها من أمثال هؤلاء 
الذين عظّلُوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 

وقال الصف كذلك» اوضاهد فق سمل الله الکار راتان ويوال 
أولياء اللّه» ويعادي أعداء اللّه). 

فإذا نظرت إلى كلام المتصوفة ترى أنهم هوّنوا من أمر الجهاد؛ بل إنهم 
حصروا الجهاد في جهاد التفس فقطء وواقع تاريخهم يشهد بذلك؛ فعندما دخل 


...| 136 7 | شرح رسالة العبودية | 


النصارى أهل الصليب إلى بيت المقدس في عام 492ه- لم يُذكر عن أبي حامد 
الغزالي أنه أنكر هذا الأمر أو أنه حث الناس على جهاد النصارى؛ قال الشيخ 
عبد الرحمن الوكيل: «لقد عاش الغزالٌ بعد ذلك ثلاثة عشر عامًا؛ إذ مات سنة 
5ه فما ذرف دمعة واحدة ولا استنهض همة مُسِلم؛ ليذوذ عن الكعبة 
الأولى» بينما سواه يقول: 
أحلّ الكفرٌ بالإسلام ضيمًا يطول عليه للدين النحيبٌ 
وكم من مسجدٍ جعلوه ديرًا على محرابه صب الصليبٌ 
دم الخنزير فيه هم خلوف وتحريقٌ المصاحف فيه طيب 

أهرّ هذا الصريحٌ الموجمٌ زعامة الغزالي؟ 

كلاء إذ كان عاكمقًا على كتبه يُقَرَّرُ فيها أنَّ الجمادات تخاطب الأولياءء 
ويتحدثٌ عن الصحو والمحوء دون أن يُقاتل» أو يدعو حتى غيره إلى قتالٍ!»(1). 

رال الد کور رق المباركة «اتدري اذا ذكرث لل هذه الكلبة عن طروي 
الصليبية؟ لتعرف أَنَّهِ بينما بطرسٌ الداسك يقضي ليله ونهاره في إعدادٍ الخطب 
وتحبير الرسائلٍ لحت أهلٍ أوروبا على امتلاك أقطارٍ المسلمين- كان الغزاليٌ 
(حجةٌ الإسلام) غارقًا في خلوته» منكبًا على أوراده» لا يَعرفُ ما يجبٌ عليه من 
الدعوة والجهاد)(2). 


(' «هذه هي الصوفية» (ص1712170). 
)2( «الأخلاق ند الغزالي» (ص 25). 


وقال الدكتور عمر فروخ: ألا يَجبُ القارئ إذا عَلِم أن حُجَّةَ الإسلام أبا 
حامدٍ الغزالي شهد القدس تسقظ في أيدي الفرنجة الصَّليبِينء وعاش اثنتي 
عشرة سنة بعد ذلك ولم يشر إلى هذا الحادث العظيم» ولو أنه أهاب بسكانٍ 
العراق وفارس وبلادٍ التركِ لنصرة إخوانهم في الشاع لنفر مثا الألوفٍ منهم 
للجهادٍ في سبيلٍ اللّه.. وما غفلة الغزالي عن ذلك إلا لأنّه كان في ذلك الحين قد 
انقلب صوفيًاء واقتنع على الأقل بأن الصوفية سبيلٌ من سُبْلٍ الحياق بل هي 
أشوف كلك السّبّلٍ وأسعذها: 

ويُعَلَّل المتصوفة سكوتهم ورضاهم بما ينل بقومهم من المصائب بأن هذه 
المصائب عقابٌ من الله للمُذنبين من خلقه» فإذا كان الله قد سَلَّط على قوم 
ظالمًا فليس لأحدٍ أن يُقاومَ إرادة الله أو أن يَتأفنٌ منها)(1). 

وهكذا ابتلي الإسلام بشت أنواع الأعداء؛ كالعتار والاستعمار» والاستعمار 
ليس ببعيد» وها هو الاستعمار الفرنسي في بلاد المغرب يشهد هؤلاء المتصوفة 
أنهم كانوا أعوانًا له» بل كانوا من أشد أنصار هذا الاستعمارء والقاريخ يشهد 
كيف أن هؤلاء عطلوا هذه الشعيرة من شعائر هذا الدين؛ لأن في الجهاد رفعة 
وعزة للإسلام وأهله» وذوذ وحماية لحياض الإسلام» ولكن هؤلاء ألغوا هذا 
الأمر وعطلوا وحصروه في جهاد النفس عل حدٌ زعمهم؛ ويا ليتهم حتى 
جاهدوا أنفسهم؛ بل ذشروا ما ذشروا من الخرافات والأباطيل في أمة الإسلام؛ 
بسبب معتقداتهم وأفكارهم. 


'' «العصوف في الإسلام» (ص 109)ء بتصرف يسير. 


...| 138 6001 53*57 | شرح رسالة العبودية | 


والمصنف- رحمه اللّه- يُنبه على أن هذه الشعائر من شعائر الدين؛ أي: 
ا لجهاد في سبيل اللّهء وموالاة أهل الإيمان ومعاداة أهل الكفر. 

أَمّا المتصوفة فتقرأ في كتبهم أن أبا يزيد البسطاي؛ طيفور بن عيسى 
واجتاز بمقبرة لليهود فقال: «معذورونا» ومّرٌّ بمقبرة للمسلمين فقال: 
«مغرورون)(1)! 

فيا سبحان اللّه!ا حتى مع الأموات موالاتهم لأهل الكفرء ومعاداتهم لأهل 
الإيمان» فكتب القوم تطفح بهذه المواقف المخزية وبهذا الكلام الضال. 

ولقد وصل الوس والجنون بابن الفارض- بناء على عقيدته: أن اللّه هو 
عين كل شيء- وصل به الحال إلى أن يَعتقد أنه هو الله حقيقة؛ لأن الله حسب 
خرافاته هو عين كل شيء» فهو على هذا يُمَثَّلِ اللّه؛ تعالى عن قوطم. 

وابن عربي من أساطين القائلين بوحدة الوجود والحلول والاتحاد وصحة 
الأديان كلهاء مهما كانت في الكفر؛ إذ المرجع والمآل واحد» ومن هنا فهو يقول: 
عقد الخلائق في الإله عقائدًا وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدو,(2) 

فيجعلون أن كل من اعتقد عقيدة فهو عندهم من أهل التوحيد فلم 
يُفَرّقوا- أصلا- بين أهل الإيمان وأهل الكفرء بل أثنوا على أهل الكفر أكثر 
من ثنائهم على أهل الإيمان! 


' انظر: «فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام»» لغالب عواجي (3/ 1024). 
2 انظر: «فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام)» لغالب عواجي (3/ 997). 


فجعلوا التوحيد متعلقًا بالربوبية» وبالعالي فكأن مَن أقر بوجود الله عز 
وجل فهو على التوحيد. 

وفي شأن القَدَر هم جبرية. 

وفي شأن التوكل أسقطوا الأسباب» وتركوا أسباب الرزق» وحثوا الناس على 
اکس اکل 

مع أن الله حَبَّا هذه الأمة بجميع أنواع الخيرات» لكننا نجد أن أرض 
الإسلام قد امتلأت بملايين البشر الكسالى والعاطلين بسبب ما غرسه فيهم 
هؤلاء! 

وفي باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجد أن الكثير من هذه الأمة 
حتى في ذات نفسه وحتى في أهل بيته لا يَأمر بالصلاة؛ فتجد البيت ممتلئ 
بالأولاد ومع ذلك لا يأمرهم الأَبّوان بالصلاة. 

وهكذا فعلوا حتى في الوعد والوعيد» حتى في الجنة والخار» فهذه رابعة 
العدوية تقول: «ما أعبد الله خوفًا من عذابه ولا رغبة في جَنّتها! 

وقد أجاب عن ذلك تقي E‏ 
ققال؛ #والعاملون عل أصناف: صنق عيدوه لذاتة وكرنه ممتتحقًا لذلك» فاته 
مستحق لذلك لولم يخلق جنة ولا نارًا. فهذا معنى قول مَن قال: ما عبدناك 
خوفًا من نارك ولا طمعًا في جنتك. أي: بل عبدناك لاستحقاقك ذلك. ومع هذا 
فهذا القائل يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار. 

ويظن بعض الجهلة خلاف ذلك» وهو جهل؛ فمن لم يسأل الله الجنة 
والنجاة من النار» فهو مخالف للسنة؛ فإن من سنة النبي 4 ذلك» ولما قال ذلك 


...| 140 6001 53*55 | شرح رسالة العبودية | 


القائل للني كلك إلّه يسأل الله الجنة ويستعيذ به من العارء وقال: ما أحسن 
دَندنتك ولا دندنة معاذ! قال البي يله «حوطا نُدَنْدِنٌ)(1). 

فهذا سَيِّدٌ الأولين والآخرين يقول هذه المقالة؛ فمّن اعتقد خلاف ذلك 
فهو جاهل حَثّال. 

ومن آداب أهل السنة أربعة أشياء لا بد لهم منها: الاقتداء برسول الله كَل 
والافتقار إلى الله تعالى» والاستغاثة بالله» والصبر على ذلك إلى الممات. كذا قال 
سهل بن عبد الله التستري» وهو كلام حق)(2). 

ثم هذا أبو حامد الغزالي يقول: 'فمن كان حبّه في الدنيا رجاءه لنعيم الجنة 
والحور العين والقصور مُحكَّن من الجنة؛ ليتبواً منها حيث يشاءء؛ فيلعب مع 
الولدان» ويتمتع بالنسوان؛ فهناك تنتهي لَه في الآخرة... فالأبراريّرتعون في 
البساتين» ويتنعمون في الجنان مع الور العين والولدان. 

والمقربون ملازمون للحضرة» عاكفون بطرفهم عليها؛ يستحقرون نعيم 
الجنان بالإضافة إلى ذَرّة منها؛ فقوم بقضاء شهوة البطن والفرج مَشغولونء 
وللمجالسة أقوام آخرون)(3). 


() أخرجه أبو داود (792)» وابن حبان (868)» وصححه الألباني في ١صحيح‏ أبي داود» (757). 
2 «فتاوى السبى)» (560/2). 
3( لإحياء علوم الدين» (4/ 335). 


وقال الغزالي أيضًا: «وأغلب البواعث باعث الفرج والبطن وموضع قضاء 
وطرهها ا نة فالحامل ا جل اكز عام ليطت رق كلا جر السوءةوذرهف»: 
فر ااا 

وأمّا عبادة ذوي الألباب فإنّها لا تجاوز ذكر الله تعالى والفكر فيه حبًا 
لجماله وجلاله...» وهؤلاء أرفع درجة من الالتفات إلى المَنكوح والمطعوم في 
الجنة» فإنهم لم يقصدوهاء بل هم الذين يدعون ريّهم بالعَدَاة والعشي- يريدون 
وجهه...» ويسخرون من يلعفت إلى احور العين)(1). 

وهؤلاء المتصوفة أيضًا: هونوا حتى من شأن الأنبياء» ومخازيهم وفضاتحهم 
وانحرافاتهم العقدية- للأسف الشديد- أنّرت على الأمة أشد العأثير؛ لفتنة 
الناس بمن يعتقدون فيهم العلم» وبمن يعتقدون فيهم الصلاح» ولا يلحظون 
أنه قد يكون وراء هذا العلم فجورء ووراء هذا الصلاح فجور أو جهلء 
والعياذ باللّه؛ فيترتب على ذلك أن العوام قد يقتدون بأناس ليسوا بأهل لأن 
يكونوا قدوة. 

فها هي المعاني الشرعية قد عطلوهاء وأقاموا بدلا منها معاني باطلةء فلم 
يعد هناك قيمة ولا وزن للأمر بالمعروف» ولا حب في الله ولا بغض في اللّهء ولا 
الجهاد في سبيل الله عز وجلء ولا تفرقة بين المسلمين والكافرين» ولا بين 
الطائعين والعاصين. 

فأين هؤلاء من كلام الله عز وجل وكلام رسوله ۴؟! 


'' «إحياء علوم الدين» (1/ 108). 


| شرع رسالةالفيودية‎ | O a 142 |. 

فقد فَرّق الله به بين أوليائه وبين أعدائه في مثل قوله تعالى: (أفنجعل 
المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون) [القلم:35 36]؟ 

وقال رسوله كَللِيِ: ١‏ والذي نفس محمد بيده لا يَسمع بي أحدٌ من هذه الأمة؛ 
يهودي ولا تصراني» ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتٌ به إلا كان من أصحاب 
الشار»(1). 

وقال أيضًا بلك اكلّ امي يَدخلون الجنّة إل من أ قالوا: يا رسول الله 
ومن يأبى؟ قال: «مَّن أطاعني دخل الجنةء ومن عصاني فقد أق)(2). 

قال المصنف رحمه اللّه: «ونظائر ذلك مما يفرق الله بين أهل الحق والباطلء 
وأهل الطاعة والمعصية» وأهل البر والفجورء وأهل المدى والضلالء وأهل العَيّ 
والرشادء وأهل الصدق والكذب). 

فيجب التفريق بين أهل الحق وأهل الباطلء وبين أهل الطاعة والمعصية 
فلا يستوي من هوتقي ومّن هو عاص» فهذا والله من أبطل الباطل أن قساوي 
بين الفريقين» لڪن عند هؤلاء يساوون بينهم؛ وقد امتدحوا من امتدحوا- 
من يزعمون أنهم أولياء- بأنهم ارتكبوا أعظم أنواع الفجورء والعياذ بالله عز 
وجل. 

واللّه عز وجل قَرَّق بين الإسلام والكفرء وفرق بين المُسيء والمحسن. 


0 أخرجه مسلم (153) من حديث اي هرد : . 


9 أخرجه البخاري (7280) من حديث أي هريرة ذَلله. 


وأمّا هؤلاء فعندهم يستوي الأمران! 

فانظر كيف تلاعبوا بشعائر الإسلام وعملوا على نقضهاء أو على الأقل 
تحقيرها والتقليل من شأنها! 

والمصنف يرشدنا إلى وجه الخلل عند هؤلاءء فقال: من شهد الحقيقة 
الكونية دون الحقيقة الدينية سَوّى بين هذه الأصناف المختلفة التي فَرَّق الله 
بينها غاية التفريق)؛ لأن عندهم التوحيد أن تشهد أنه موجود» وتشهد أن هذا 
الكون تحت قدرته وتحت تصرفه» هذا هوغاية توحيدهم (التوحيد الخاص)» إن 
لم يتعداه إلى ما هو أشد بطلانًا منه» وهو وحدة الوجود. 

502 


| شرح رسالة العبودية‎ | a eR SA ea aaa O 144 |... 


قال المصنف رحمه اللّه: «ومن عِبادته وطاعته: الأمر بِالمَعْرُوفِ والتّغي عَن 
المُنكر يحسب الإمْكانء والجهاد في سّبيله لأهل الكفر والنفاق؛ فيجته دون 
في إِقَامَة دينه مستكيلية به). 

ات 

هذا وصف أهل السّنّة ومجتمع التوحيدء المجتمع الذي يجب أن يقوم بأمر 
العبادة» ومن القيام بالعبادة والطاعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرء الذي 
هو مِن أوجب الأمور على الأمراء وعلى العلماء وعلى طلبة العلم؛ عليهم أن 
يُبينوا للناس بقدر الطاقة وحسب الإمكان» فكل إنسان مسئول على قدر 
استطاعته» وما تحمل من مسئوليات. 

فالإفسان في بيته يَملك ما لا يملكه في السوق» ويملك مع زوجه ما لا 
يملكه مع أمه ومع أبيه» ويملك مع ولده ما لا يملكه مع جاره؛ ويملك الامير 
مالا يملكه غيره من عوام الناس؛ فكل بحسب الخال والمقام الذي هو فيه؛ قال 
E‏ كم راع وكلكم مسئول عن رعيتهء والأمير راع» والرجل راع على 
أهل بيته» والمرأة راعية على بيت زوجها وولده؛ فكلكم راع وكلكم مسئول 
عن رعيته)(1). 

وكذلك لا بد من جهاد أهل الكفر والنفاق؛ للدفاع عن حياض دين 
الإسلام» والعمل على ذشره والدعوة إليه» وإقامة الحجة على الناس» ولكن لا 
بد أن يكون بشروطه وضوابطه» التي بيّنها العلماء» قال الله جل جلاله: يا 


تر 


1 اک البخاري (5200) ومسلم (1829) من حديث عبد الله بن عمر ؤَلِقتَهُ. 


يها الي جَاحِدٍ الْكُمَارَوَالْمتَافِقِينَ وَاغْلُظ عَلَيْهِمْ وَمَأَوَاهُمْ جَهَتّمُ وبس 
الْمَصِيرُ) [العوبة: 73]» وقال جل وعلا: (انْفِرُوا خِمَافًا وَثِقَالَا وَجَاجِدُوا 
اة 141 

أمّا من يدعو إلى ترك الجهاد بالكلية؛ فهذا إنما يدعو إلى تعطيل شعيرة من 
شعائر الإسلام» وفيه شبه مِن أولعك المُتصوفة. 

وأهل السنة يجتهدون في إقامة دينهم وإظهار شعائره في المجتمع؛ وعلى كل 
المسلم أن يعتز بدينه» وأن يجاهد نفسه ليكون نموذجًا صالحا للمسلم الملتزم 
بدينه؛ ليكون قدوة لغيره؛ لأنه- في الحقيقة- يَمَتّل هذا الإسلام العظيم. 

أما إذا حلق مسلم لحيته» وأسبل آخر ثوبه» واستمر حال الناس على هذا؛ 
من التجافي عن إقامة شعائر الدين والبُعد عن العمسك بها وإظهارها؛ فيُوشك 
أن تدشب 

إِذا على أفراد الأمة أن يجتهدوا في إقامة شعائر هذا الدين» وأن لا يتعللوا 
بحجج واهية 

لأنَّ ين علامات أهل العوحيد: أنهم يجتهدون في إقامة دين الله 
مستعینین به سبحانه» متوكلين عليه في ذلك؛ طالبين منه التوفيق والعون؛ 
وله ا عليه السّلام: (إِنْ أَرِيدُ إل الصاح ما 
اسَْظعْتُ وَمَا تَؤْفِيق إلا الله عَلَيْهِ توكلْتُ وَإِلَيْه أ د 

لالا عو نا الول ولا شك أن مقام التوكل مقام عظيم» فاللّه 
سبحانه وتعالى قد أمر بعبادته والتوكل عليه جل وعلاء وقرن الشوكل بالإيمان 


| شرح رسالة العبودية‎ | at ai e asa a CORE 146 |... 

ف رن المواطن» ومن ذلك قوله سبحانه: [إياك نعبد وإياك نستعين) 
[الفاتحة:5]» وقوله تعالى: [فاعبده وتوكل عليه) [هود:123]» فلا بدمن اس 
بالاسباب مع التوكل عليه جل وعلا. 

وفرق كبير بين التوكل والتواكل؛ فالتواكل يكون بترك الأخذ بالأسباب. 
وهو مذموم. والتوكل المشروع يكون بالأخذ بالأسباب» مع سؤال الله عز وجل 
العون والتوفيق والهداية والسداد على فعل الطاعات. 

فالعقيدة السلفية الصحيحة كما تنفى الاستسلام وا لخضوع بغير حق» 
تنفي السلبية والعواكل وهجر الدنيا واعتزال الخلق؛ ومّن يخالط الناس 
ويُخالقهم بالأخلاق الحسنةء ويدعوهم بالحسنى؛ فيأمرهم بالمعروف بالرفق 
ويدعهم فيما هم فيه من خير وشر؛ كما قال : «المُؤْمِنُ الذي َالِ النّاسَء 
ويضْيرٌ عل داهم أَعْطَلمُ أَجْرَا مِنَ المُؤْمِن الذي لا اظ الاس ولا يَصِيرُ عَلّ 
أَذَاهُم(1). 

20 


اه الترمذي (2507) وابن ماجه (4032) من حديث ابن عمر رضي الله عنهماء 
وصححه الألباني في اصحيح ابن ماجه) (3257). 


قال المصنف رحمه اللّه: «رافعين مُزيلين بذلك ما قدرمن السيّاتء 
دافعين بذلك ما قد اف من آثار ذلك كما ما يزيل الإِدْمَان الجوع الخاضر 
الأَكُل ويدْقّع به ا جوع المُسْتَقُبل وكَدَلِكَ إذا آن أوان البرد دفعه باللباس» 
ردك کل مَظلُوب يُذفع به روه كما قاو لي #: اقول الك ا 
أدوية نتداوى بھاء ورق ذسترتي بهاء ونّقى(1) نتقي بها؛ ل ترد مِن قَدر الله 
شَيِنًا؟ فَقَالَ: «هيَ من قدر اللّه)(2): وفي التديث: ِن الدّعَاء لادء يلتقيان؛ 
فيعتلجان بين السَمَاء والأض)(3). 

قَهَدَا حَال المُوْمِنِينَ الله ورَسُوله العابدين للّهه وكل َلك من العِبّادّة). 

دك 

الإنسان محل الخنطأ ومحل الرّلل ومحل التقصيرء وعليه أن يجتهد في رفع 
هذا العقصيرء وأن لا يستسلم لهذا الأمر؛ بل عليه الاستغفار وجب عليه 
العوبة والمسارعة في فعل الخيرات. 

ويجب أن تغرس هذه المعاني في النفوسء ولا بد من الأخذ بالأسباب» 
وضرب المضتف هتا- مفلا يوضح المقصود؛ حيث قال: «دافعين بذلك ما قد 


نت 


' جمع تقية» وهي ما يدفع به الآنسان ما يخافه ويڪرهه عن نفسه وغيره. 
2 أخرجه أحمد (15510) والترمذي (2065) من حديث أي خزامة ي 


«تخريج مشكلة الفقرا (11). 
î (‏ 


خرجه الحاكم (1/ 9 ) والبزار في اكشف الأستا ر (3/ 30) من حديث عائشة رضي الله 
عنهاء وحسنه الألباي في «المشكاة» (2234). 


ae E 148 |‏ شرح رسالة العبودية ) 
يخالف من آثار ذلك؛ كما يُزيل اللإنسان الجوع الحاضر بالا كل»» والمقصود: أن 
الإنسان إذا كان جائعًا فإنه يدفع عن نفسه الجوع بالأأكل. 

وهو بهذا يرد على بعض مَّن غلط من المتصوفة وزعم أن طلب الأكل أو 
الرزق عند الجوع ينافي العوكل» ويحشون الناس على ترك التكسب والأخذ 
اسیا 

وهذا الزعم ينافي الشرع والعقل؛ فلا بد من الأخذ بالأسباب؛ دنيوية كانت 
أو شرعية» وهذا الأخذ لا ينافي العوكل والاستعانة بالله عز وجل؛ وضرب 
الصف مل لخر فال: رات إذا آن ران البرف دف باللباس» كلك کک 
مَظلُوب يُدْفع په مَكْرُوه ما قَالُوا للنّي لهِ: يا رَسُول الله ارايت أدوية 
تتداوى بها ورّق ذسترقي بها وق نتقي بها؛ هَل ترد من قدر الله شَيْنًا؟ فَقَالَ: 
«هيَ مِن قَدَراللّه)» وفي الحتديث: إن الدَّعَاء والجلاءَ ليلتقيان فيّعتلجان بين 
السماء ف 

و ا نيما كلب اا و 
الحديث معناه: أن الدعاء الذي يرفعه العبد إلى اللّه- تبارك وتعالى- يلتقي مع 
القضاء الذي قد الله ما بين السماء وألا رض ودف بيتهما هذا اللقاء 
والتصارع؛ فإذا كان الدعاء مخلصًا رَد الله به قضاءه الذي قَدّره» هذا والدعاء- 
أيضّا- من قدر اللّه؛ لأن الله لولم يشأ للإنسان أن يدعو لا استطاع» ولا وفَقّه 
لذلك؛ فالقدر من الله والدعاء- أيضًا- من الله» وقد أعلمنا الي بل أن هذا 
يدفع ذاك. 


فالالكك«الأسياب من القدو والله"سيحاتة وهال هر عضبب آل سبابة وهو 
الذي خلق هذه الأسباب وجعلها أسبابًاء فهذا حال المؤمنين بالله ورسوله 
العابدين للّه» وكل ذلك من العبادة» ويّفقه هذه الأمور من وضع نصب عينيه 
توحيد العبادة؛ فتوحيد العبادة؛ منه التوكل» ومنه الإنابة» ومنه الخشية» ومنه 
الأمر بالمعروف» ومنه النهي عن المنكرء ومنه الجهاد في سبيل اللّه. 

وكل هذه المعاني والشعائر يجب أن تكون واضحة ظاهرةء وعلينا أن 
نهان اسه ران كلهال سرا و تاتا وسار ا قلا يذ .من غرس 
المعاني الحقة وإبعاد تلك المعاني الفاسدة التي لصقت في أذهان الناس» حت 
إنهم أصبحوا لا يعرفون من الدّين إلا تلك الصورة الباطلة» فأصبح المعروف 
منكرًا والمنكر معروقًاء والعياذ بالله. 

2075 


ean aa 150 |...‏ ا aer‏ | شرح رسالة العبودية | 


قال المصنف رحمه الله: «وهَوُلَاء اأذين يَنْهِدُونَ الحَقِيقة الكونية- وهي 
ربوبيته تَعَالَ لكل شَيْءء ويجعلون ذَلِك مَانِعًا من اتَبَاع أمره الدّيني الشَّرِعِيٌ 
على مراب في الصّلال: 

فَعُلاتهم يِجْعَلُونَ ذلك مُطلقًا عَاَهِ فيحتجون بالقَّدَرٍفي كل ما يخالفون 

وقول هَوٌلَاءِ َر من قول اليمُود والتَصَارَىء وهُو من جنس قول المُشْركين 
الَدِين قَانُوا: (لَوسَاءَ الله مَا أشركنا ولا آبَاؤّنَا ولا حرمنا من سء [الأنعاء: 
148[« وَقَالُوا: اء ارهن مَا عبدناهم) [الزخرف: 20]. 

ومَؤٌلَاء من أعظم أهل الأَرْض تناقضًاء بل كل مَن الحتج بِالمَدَرِ قَإنَّهُ 
متناقض؛ قله لا يُمكنةُ أن يقر كل آذ على مَا يفعلء فَلَا بد إذا ظلمه ال 
أو ظلم الاس طَلَالِمه وسعى في الْأَرْض بِالقَسَاده وأخذ يسفك دِمّاء الكّاسء 
ويستحلٌّ الفروج» ويلك الحَرث والنسلء وتخو ذلك من أَنُواع الصَّرَرَالَتٍ 9 
وام للئّاس بها: أن يَدذفع هَذَا القَدرء وأن يُعَاقب القَّالِم بمَا يكف عدوانه 
وعدوان أَمْثَاله؛ قَيُقَال لَه إن كن القَدرُ حجَّةء قَدَع كل أحد يفعل ما يشا بك 
وبغيرك وإن لم يكن حُجَّة بطل أصل قَؤْلك: [إِنّ القدرَا حُجّة. 

وأَصْحَاب هذا الَو الّذين يحتجون بِالحَقِيقَةٍ الكونية لا يطردون هَّذَا 
القَوْل ولا يلتزمونه؛ وإِنَّمَا هم يَتَبعُون آراءهم وأهواءهم؛ كما قَالَ فيهم بعض 
العلمّاء: أَنْت عِنْد الطّاعَة قَدَرِيء وعند المعْصِيّة جَبْريء أي مَذهَب وافق هواك 


تمذهبت به. 


ومِنْهُم صنف يدَّعون التعقيق والعرفة: ويون أن الأمر والتَغْي لازم 
فى شبد كنيو افوا ت اتات ابا خد أن اناك اة ر نه 
مجبور عل ذَلِك» وأن الله هُو المُتصَرف فيه كما يرك سَائِر المتحركات فإِنَهُ 
رفع عَنهُ الأمر التي والوعد والوعيد. 

وقد يقُولُونَ: مَن شهد الإرَادَة سقط عَنة الكليف. ويزعمون أن الخضر- 
سَقَط عَنهُ التكليف؛ لشهوده الإرَادَة. 

اليج 

قول المصنف رحمه الله تعالى: «وهؤلاء الذين يشهدون الحقيقة الكونية» 
يريد بهؤلاء: المتصوفة» وهم- كما قد تقدم- يرون أن التوحيد» أي: توحيد 
الخاصة عندهم» يراد به: شهود الحقيقة الكونية» مع المحرافهم في هذا الباب» 
وقوطهم بالجبر» وأن الإنسان جبور على فعله؛ فهؤلاء المتصوفة على مراتب في 
الضلال. 

فغُلاة هؤلاء في هذه المسألة يجعلون ذلك مطلقًا عاما؛ فعندهم أنه قد 
يكون هناك مانع من اتّباع الأمر الديني الشرعي» ذلك أنهم يقولون: إن كل 
فعل يفعله العبد فهو مجبور عليه» وبالتالي على العبد أن يشهد في هذا الفعل 
قُدرة الله عز وجل» وما دام أنه يشهد قدرة الله عر وجل فما عليه بهذا إلا أنه 
لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة؛ إذ إن الكل عند هؤلاء من عند الله عز 
وجل» فهو إن فعل حسنة فذاك فِعل الله عز وجل؛ وإن فعل سيئة فذاك فِعل 
الله عز وجل. 


yy. 152 ).‏ ت رسالة العبودية ) 
ويترتب على ذلك تعطيلٌ باب الأوامر والنواهي» وهذا قد تقدم بيانه. 
وهؤلاء الغلاة يحتجون بالقَّدَر في كل ما يخالفون به الشريعة؛ فكل أمر 
خالفوا فيه الشريعة حُجَّتهم في ذلك: أن هذا أمر مَقدور؛ ويقولون: أنه ما دام 
أنه أمر مقدورء فعلى العبد أن يُسَلّم بهذا الأمر! 

وعلى هذا لا يصبح هناك أي تقيد بأمر الشرع ولا أي حرص من 
الإنسان- أو دافع منه- على فعل الخير؛ فيستوي عنده فعل الخير وفعل الشر؛ إذ 
الكل- بزعمه- من عند الله عز وجل؛ وهو في فعله ذاك على أي الأحوال من 
خير أو شر- إنما يحقق أمر الله عز وجل. 

وهذا الذي قالوه- كما قال المصنف-: «شَرَّ من قول اليهود والنصارى)؛ بل 
هومن جس قول المشركين الذيق قالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا اباؤنا ولا 
حرمنا من دونه من شيء) [الأنعام:148]» فهؤلاء شابهوا وشاكلوا المشركين» كما 
سيأق تفصيله كذلك» بأن أهل الشرك قد ابتدعوا في جانبين: 

الجانب الأول: ابتدعوا أنهم شرعوا أمورًا ما شرعها الله عز وجلء كما 

فعلوا في مسألة الأنعام» وستأتي معنا. 
الجانب الغاني: ابتدعوا في تحليل بعضها وتحريم بعضها من عند أنفسهمء 

وكلما فعلوا سيئة تُسبوها إلى الله عز وجل؛ فيحتجون بشركهم أن هذا مشيئة 

الله عز وجل. 
وقول هؤلاء المتصوفة هو من جنس قول أولعك المشركين. 
وقال: «وهؤلاء من أعظم أهل الأرض تناقصًا؛ لأن هؤلاء الذين يحتجون 

بالقدرلا يطردون هذا في كل حال»» وإنما في الحال الذي يَروق لهم ويناسبهم 


لشت الإسلام ابن تي 5 « | 53235 153 5 


يحتجون بالقَدّرء وفي الحال الذي لا يّروق طم لا يحتجون بالقدرء وقد بين ذلك 
فقال: «بل كل من احتج بالقدر فإنه مُتناقض؛ فإنه لا يمحكن أن يقر كل آدي 
على ما يفعل»! 

فمن يحتج بالقدرلا يمڪن أن يقر كل آدي على ما يفعل؛ فلو جاءه لص 
وسرق ماله ما أقرّه غل ذلك. ولو جاءه أحد واستحل غرضه ما أقرّه غل ذلك. 

فلو انتشر هذا وشاع؛ لانتشر الظلم؛ وسعى الناس في الأرض فسادًاء 
وسفكت الدماءء واستحلت الفروج» وأهلك الحرث والنسل؛ ونحوذلك من 
الضرر التي لا قِوَام للناس به. 

والواقع أن كل إذسان يعمل على دفع الظلم عن نفسه والناس يعاقبون 
الظالم بما يكف عدوانه وعدوان أمثاله» ولا يڪن في هذه الأحوال أن ييحتج 
بالقدرء وإلا لقيل لؤلاء: إن كان القدر حُجة؛ فدعوا كل أحد يفعل ما يشاء 
بكم وبأهاليكم وأموالكم. 

فهل تستقيم بهذا حياة؟! 

والجواب: يستحيل أن تستقيم أمور الخاس بهذا. 

ل فإذا كان يصح أن يكون حجة في 
مصالح الناس» فيمڪن مع ذلك أن يصح أن يڪون حجة في جانب عبادة الله 
عز وجلء فإذا كان لا يصح أن يحتج به في مصالح الناس» فهو كذلك لا يصح 
أن يحتج به في جانب عبادة الله عز وجل؛ وان لم يڪن حجة بطل أصل قوطم: 


...| 154 “#56560707 | شرح رسالة العبودية | 


فإذن: لا يمسكن ولا يصح في أي حال أن يكون القدر حجة للعاصيء 
كما لا يصح أن يكون حُجة للمخطئ أو المذنب في حق الناس. 

قال: «وأصحاب هذا القول الذين يحتجون بالحقيقة الكونية لا يطردون 
هذا القول»» أي: لا يستمرون عليه؛ ولا يلتزمونه في كل أمورهم؛ وإنما يتبعون 
آراءهم وأهواءهم؛ فمتى ما كان القدر يناسب آراءهم وأهواءهم أخذوا به» وأما 
إذا کان القدر لا يناسب آراءهم وأهواءهم لم يأخذوا به» كما قال بعض 
العلماء: «عند الطاعة قدرية» وعند المعصية جبرية)» فأي مذهب وافق 
أهواءهم تمذهبوا به. 

فترى الواحد منهم عند الأمريحتج بالقدر؛ فيقول: لو شاء الله أن صل 
سأصبيء وإن لم يشأ أن أن فلن أصلي! 

وأمًا في جانب المعصية» فيقول: أنا مجبور على فِعلهاء لا أستطيع أن أخالف 
فعل اللّه هَ! 

فلماذا لا يقول: أنا جبور على الطاعة؛ سأقوم وأصل؛ أ جبور. 

فهو إذا جاء باب الطاعة أصبح قدريًا؛ فيحتج بالقدر على تركها. 

وإذا جاء باب المعصية أصبح جبريًا؛ يزعم أنه جبور على فعلها.. 

فيتمذهب بالمذهب الذي يُوافق هواه؛ لينسلخ من الأوامرء وليقترف من 
النواهي ما شاءء والعياذ باللّه. 

وهذا الصنف الأول» وهم أشدهم غَُلُوًا. 

وما الصنف الغاني» وهم الذين يدعون العحقيق والمعرفة» ويزعمون أن 
الأمر والنهي لازم لمن شهد لنفسه أفعالا وأثبت له صفات» يعني: إذا كان العبد 


لم يصل إلى الدرجة المطلوبة من التصوف؛ بحيث يرى أنه فاعل لهذه الأشياء 
وأن في هذه النفس هذه الصفات» فيقولون: هذا يلزمه أن يأتي بالأوامر 
والنواهي» بمعنى: أنه إذا كان من المريدين؛ أو كان من عوام الناس فعليه أن 
يلتزم بالأوامر والنواهي؛ لأن هذا لم يصل إلى درجة ورتبة من هذا الشهود؛ 
بحيث إنه لا يشهد لذات نفسه فعلاء فقال: يزعمون أن الأمر والنهي لازم هذا 
الضئف من الناس» لمن شهد لنفسه أفعالاء وأثبت لحا ضفات: 

أمّا الصنف الاول المغالي» فهو يش هد أنه مجبور على أفعاله» وأن الله هو 
المتصرف فيه» كما يحرك سائر المحركات» ويزعم أنه لما شهد ذلك ارتفع عنه 
الأمر والنهي والوعد والوعيدء لأنه وصل إلى مرتبة في التصوف؛ بحيث لا يرى 
فيه فت ويرف أنه يتحرف كسان الخ تة فد هنذا لا يلزه الام 
والنعي. 

فالمتصوفة يرون أنه في حال وصول هذا الشخص إلى رتبة مُعينة- ق قط 
عنه الأوامر والنواهي» وقد يقولون: (مّن شهد الإرادة سقط عنه التكليف). 

فإذا وصل إلى مرحلة شهود الله عز وجل وأنه الفاعل لكل شي على الحقيقة 
وأنهم لا فعل لهم ولا مشيئة» على حدٌ زعمهم- فهذا لا تكليف عليه؛ وكما 
سيأتٍ أنهم يقولون في هذا: إنه يصبح مثل البّتحر؛ لا تضره الذنوب» كما أن 
الأوساخ لا تؤثر في البحر الخضم. أي: لا يتأثر بذنب ولا ينتفع بطاعة» وهذا 
من استدراج الشيطان هم» والعياذ بالله. 

ويزعمون أن الخضر سقط عنه التكليف؛ لشهوده الإرادة؛ لأنه- من 
الأولياء» والأولياء هم مَرتبة سقط عنهم التكاليف. 


o 156‏ شرح رسالة العبودبة ) 

فيُفرقون بين العامة والخاصة؛ فالخواص تسقط عنهم الأوامر والنواهي» 
ويكتفون بشهود الحقيقة الكونية» قال المصنف: «وقد يفرقون بين من يعلم 
ذلك علمًا وبين من يراه شهودًا» أي: لا يكتفون بمجرد العلم؛ فبعضهم قال: 
إذا كان هذا الشخص علم هذه الأموردون أن يشهد ذلك شهودًاء أي: 
تحكشف له الحجب» ويكون مع الحضرة الإلحية مشافهة» فإذا لم يصل إلى 
مرحلة الكشفه فيظل على التزام بالأوامر والنواهي» بمعنى: أنه لا يسقط عنه 
التكليف حت يُكشف له الحجاب» وحتى يرى الله مشاهدة. 

فلا يُسقطون التكليف عمن يعلم ذلك ويؤمن به فقطء وإنما لا بد من 

شهوده للحضرة الإلحية» على حدٌ زعمهم 

TS‏ کک لأن نبيدا يك قد قال 
إلى رؤية الله ويل في هذه ذه الحياة الدنياء فهي 5 وللڪن 75 
يستدرج هؤلاء» ولذلك الي بي عندما تكلم مع ابن صيادء فقال له النبي: 
«ما تری؟). قال: أرى عرشًا عل الماء! فقال رسول الله يَقِيِ: «ترى عرش إبليس 
على البَحر)(2)» فهذا الذي يراه هؤلاء إِنَّما هو شيطان من الشياطين يَتمثل لمم؛ 
ويستدرجهم بهذه الأمور والأحوال؛ ليخرجهم عن الدينء يِن طريق ترك 
العبادة؛ فأصبح هؤلاء لا دين لمم» والعياذ باللّه. 


() أخرجه مسلم (2930) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. 


اضر 


اة فل (2925) من حديث أي سعيد الخدري َلكَه. 


| لشيخ الإسلام ادت OTST Fs‏ 


قال المت خد الله ا لم وترقرن تبن القاثة ا الدين سيدا 
الحقيمّة الكونية؛ فَشَهِدُوا أَنَّ الله خَالق أَفعَال العبادء وأنه مُرِيد ومدبر ليع 
الكائنات. 

وقد يفرقون بين مَن يعلم َلك علمًا وبين مَن يرَاهُ شُهودًاء فلا مُسقطون 
التكليف عَمّن يُؤمن بذلك ويعلمه فَمّطء وڪن [يستطونه] عَمّن يشهده فلا 
يرى لتفسه فعلا أصلاء وهَؤْلَاء يجْعَلُونَ اجب ر وإِْبَّات المَّدَرِمَانمَا من 
التکليف على هَذَا الوجه). 

ا 

بَيّن المصنف هنا أن هذا الصنف من المتصوفة يمَرّقون بين توحيد العوام 
وتوحيد الخواص؛ فهؤلاء لا يجعلون الجير وإثبات القدر مانعًا من التكليف على 
هذا الوجه؛ إذا كان للعوام» أي: إذا كان مِن طبقة مَّن يعلم ولكنه لم يصل إلى 
مرحلة الشهودء بزعمهم؛ فذاك مطالب بالأوامر والنواهيء أي: ما زال مُكَلَا 

وقد وقع في هذا طوائف من المنتسبين إلى التحقيق والمعرفة والتوحيد. 

فهؤلاء الطوائف- من غُلاة المتصوفة- استدرجهم الشيطان» وأوقعهم فيما 
يسمونه (الشهود)» أو المرتبة الغانية التي يريدون تحقيقهاء ويزعمون أنها هي 
التوحيدء وهي شهود الحضرة الإلهية» أو شهود الحقائق الكونية معاينة» كما 
يزعمون! 

502 


.)158 شرع وسالة العپودی اة ) 
قال المصنف رحمه اللّه: اوقد وقع في هذا طوائف من المنتسبين إلى 
التَحْقِيق والمعرفة والتوحيد. 
وسبب ذَلِك: أنه ضَاقَ نطاقهم عَن گون العَبّد يُْمريِمًا يقدّر عَلَيْهِ خلافه 
كما ضَاقَ نطاق المُعْتَلّة وتَحُوهم من القَدَرِيَّة عَن ذَّيِكء ثمَّ المُعْتّزلّة أَنْبتَت 
الأمر والتَهُى الشرعيين دون القَّضَاء والقدرء اللَدّيْن هما إِرَادَة الله العَامَّة 
وخلقه لأفعال العباد. ومَؤُلَاء أثبتوا القَضَاء والقَدَرء ونَمََّا الأمر والكّثي في حى 
من شهد القدر؛ إِذْ لم يُمكنهُم نفي ذلك مُطلقًا. 
وقول هَؤُلَاءِ شر مِن قول المُعْتَلّهه وها لم يڪن في للف مِن هَولاءِ 
أحد وَمَؤُلَاء يجْعَلُونَ الأمر والتتهي للمحجوبين الّذين لم يَْهِدُوا هَذِه الحَقِيقة 
الكونية» ولِهَدَا يلون من وصل إلى شهُودِ هَذِه الْحقيقَة يَمقط عَنهُ الأمر 
ولتي ويَقُولُونَ: إِّه صَار من ال حَاصّة. وما تأولوا على ديك قَوْله تَعَالَ: 
(واعبد رَبك حَّى يَأتِيك اليقين) [الحجر: 99 فاليقين عِنْدهم هُو معرقّة هَذِه 
الحقيقّة). 
لخر 
عقد المصنف مقارنة بين ما عليه القدرية الذين هم المعتزلة» وبين ما 
عليه هؤلاء الصوفية الجبرية» والمقارنة في ناحيتين: 
1 -من ناحية الحقيقة الكونية القدرية. 
2 ومن ناحية الحقيقة الدينية الشرعية. 


مع الأخذ في الاعتبار أن المعتزلة عَطَلموا الأمر والنهي» لكن المتصوفة لم 

فقي الجانب الكوني القَدّري: 

المعتزلة: لم يعظموا الجانب الكوني القدري؛ لأنهم أنحروا قدرة الله في 
فعل العبد. 

وهؤلاء الصوفية الجبرية: وافقوا المعتزلة في هذا الجانب» وباله الي ضاق 
نطاقهم عن كون العبد يُؤْمر بما يُقَدّر عليه خلافه» فهم لم يفهموا هذه المسألة 
وهي: كيف أن العبد يؤمر ثم لا يفعل؛ فكيف يُقَدّر عليه خلاف هذا الأمر؟ 

يَرّقوا بين ما أراده الله كونًا وما أراده ديئًا وشرعًا؛ فقد يأمر الله عز 

وجل بأمر ديئًا وشرعًاء ولكن يُقَدّر على العبد خلافه؛ فالله أمر العبد أن 
يصبل» ولكن العبد قد يَعصي ويترك الصلاة؛ فهؤلاء ضاقت عقوهم عن 
التفريق بين ما أراده كنا وما أحبّه شرعًاء فليس کل ما أراده أحيّهه ولیس كل 
ما أحبّه أراده» فيجب التفريق بين البابين. 

فهؤلاء لم يستوعبوا هذه المسألة» كما ضاق في المقابل على المعتزلة ونحوهم 
من القدرية قَهم ذلك؛ فلم يستوعبوا هذا الأمرفي الفرق بين ما أحبّه وَين ما 


ع 


أراذة: 
وأمَّا في الجانب الديني الشرعي: 
فالمعتزلة: أثبتت الأمر والنهي الشَّرعيين؛ فَعُْرف عنهم إثبات الأمر والنهي 
الشرعيين؛ فعَصّموا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرء فهم في باب الإيمان 
ليسوا بمرجئة؛ فظهر منهم تعظيم الأمر والنهي» وإن كانوا قد أخطأوا من وجه 


-| 160 000022 5 رسالة العبودبة ) 
آخر فقي القضاء والقدرهم قَدّرية إذ أنكروا قدرة الله في فعل العبد» لكنهم 
عظموا الأمر والنهي الشرعيين» فقالوا: الإيمان: قول واعتقاد وعمل. 

وهؤلاء المتصوفة: أثبتوا القضاء والقدر ولكن نفوا الأمر والنهي في حى 
من سهد القدر: 

فعندهم إذا وصل الواحد منهم إلى مرحلة الشهود» فعند ذلك لا أمر ولا 

ولمّا لم يُمكنهم نفي ذلك مطلمًاء أبقوه للعوام كأمر ونهي» وأسقطوه عن 
راص 

فإذن: قول هؤلاء شر من قول المعتزلة» لأن إسقاط الأوامر والنواهي 
إسقاط للدّين» وإذا أسقطت شعائر الدين الظاهرة.. ماذا يبقى من حال الأمة؟! 

قال المصنف: الحذا لم يكن في السلف من هؤلاء أحدا» أي: لم يقل أحد 
من السلف بقول هؤلاءء الذين يجعلون الأمر والنهي للمّحجوبين عن الكشف 
والشهود. وهذا فيه احتقار وتقليل للأمر والنهي» وبالتالي أصبحت العبادات في 
نظرهم ديئًا للعوام» ويقولون: أنتم أهل الشريعة» ونحن أهل الحقيقة؛ وأنتم 
العوام ونحن المخواص» وأنتم الذين حجبتم» ونحن الذين شهدنا! 

وهذا ما يُبررون به باطلهم. 

ولذلك ما أصبح للأمر والنهي أي وزن- أو قيمة- في نفوس هؤلاءء وقال 
عنهم المصنف: «وهذا يجعلون من وصل إلى شهود هذه الحقيقة يسقط عنه 
الأمر والنهي» ويقولون: إنه صار من الخاصّة» وربما تأولوا على ذلك قول الله 


تعالى: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) [الحجر:199)» وفسّروا اليقين بالحقيقة 
50 


a 770000000000 162 |...‏ | شرح رسالة العبودية | 

قال المصنف رحمه الله: «وقول هَؤُلَاءِ كفر صَرِيح؛ وإن وقع ذ فِيه طوائف لم 
لك له كد فَإِنَهُ قد غلم بالاضطرار من دين الإسكام: أن الأمر والتَّغْي 
لازمان لكل عبد ما دَامَ عقله حَاضْرًا ِل أن يَمُوتء ل يسقطان عَنهُ لا بشهوده 
القَدَرِ ولا بِقَيْرذَِك. قَمّن لم يعرف ذلك عُرّقَهِ وبين له فَإِن أصر عل اعْتِمَاد 
سُقُوط الأمر والكّغي قله يُقتل. 

وقد كثرت مثلٌ هَذِه المقالات في المُسْتَأَخْرِينَ). 

دعوى إسقاط الأمر والنهي كفرٌ صريحٌ لأنه من المعلوم بالضرورة من 
دين الإسلام: أن الأمر والنعي لازمان لكل عبد» لا يَسقطان عن اَی عبد من 
العبيد ما دام أن عقله حاضرء والتكليف لا يسقط إلا عمَّن ذكرهم الي کي 
كما جاء في الحديث: «رفع القلمُ عن ثلاثة: عن الثّائم حتى يستيقظ وعن 
الصبي حتى يحتلم؛ وعن المجنون حت يُعقل)(1).» فهؤلاء ومن في حكمهم 


أما دعوى هؤلاء أنه يسقط عنهم التكليف بشهودهم القدر- فهي دعوة 
رة 


وعلیه» من کان جاهلًا منهم وجب تعليمه؛ وتبيين ضلال هذا السبيل له 
وذلك بإقامة الحجة عليه» ودفع الشبهة عنه. 


تر 


أخرجه أيوداود (4403) والترمذي (1423) من حديث عل ب بن أي طالب يبء وصححه 
الألباني في (المشكاة) (3287). 


فإذا أقيمت عليه الحجة التي يَكفر بخلافها؛ فعند ذلك إن تاب كاب الله 
عليه؛ لكن إن أصر على ذلك بعد البيان» فإن هذا الأمر حُفر» وموجب 

وقد كثرت مثل هذه المقالات في متأخري الصوفية؛ فعند خواصهم من هذا 
الشيء الكثيرء والعياذ بالله. 

502 


| شرح رسالة العبودية‎ | aims se Sa 164 |... 


قال الصضتف ره الله عواكا المتقدمون من هذَه اة فلم كن هذه 
المقالات مَعْرُوفَة فهم. وهَذِه المقالات هي محادَةٌ لله ورَسُولهء ومعاداة لَه وصَّد 
عَن سَبيله. ومشاقة لَه وتكذيب لرسله. ومضادة لَه في حكمه. وإن كَانَ مَن 
يَقُول هذه المقالات قد يجهل ذَلِك. ويعتقد أن هَذًا الَّذِي هُوعَلَيْهِ هُو طّرِيق 
الرَسُولء وطريق أَوْلِيَاء الله المحَقَقينء فَمُوني ذَلِك بِمَنْزِنَة مَن يقد أن الصّلاة لا 
تجب عَلَيْه؛ لاستغنائه عَمْما بمَا حصل لَهُ من الأخوال القلبية. أو أن الخمر حَلال 
لَهُ؛ لكونه من الخواص الَّذين لا يَضرهم شرب الخمرء أو أن الفَاحِشَّة حَلال لَهُ؛ 
َِنَهُ صا ركالبحر لا تكيّره الذّنُوبِ وتخو ذَلِك!». 

تيع 

بَيّن املصنف- رحمه الله- أن هذه المقالات لم تكن معروفة في 
المُتَقَدّمينء ولكن الشيطان استدرج بعض المتصوفة شيئًا فشيئًا حت أوصلهم 
إلى هذه الحال. 

فهذه المقالات هي خحَادَّة ومُعاداة لله ولرسوله ب وإذا لم تُعَظَّلم- في الأمة- 
أوامر الله عز جل وأوامر رسوله ؛ فكيف يُعرف المستقيم من غير المستقيم؟ 
وكيف يُعرف الصالح من الفاسد؟ وكيف يُعرف الخير من الشر؟ 

فوالله إنَّ من أعظم المحادة والمعاداة لله ورسوله تَله: أن لا يون هناك 
تعظيم لأوامر الله ونواهيه. 

فإذن: هذه الحال التي عليها هؤلاء هي محادّة ومعاداة لله ورسوله ب وإن 
كان بعض من يقول هذه المقالات قد يجهل ذلك؛ لأنه ما عرف من الدّين إلا 
هذه المبادئ المتصوفة؛ فتّربى عليها ونشأ عليهاء ولم يعرف من الدين إلا هذه 


الأمور» وهذه الحال التي هو عليه هي حال صَلال؛ فنسأل الله العافية 
والسلامة. 

فإذن: بعض هؤلاء قد يعتقد أنَّ الطريق الذي هو عليه هو طريق الرسول 
ب وألّه طريق أولياء الله عز وجل المحققين؛ وقد يعتقد أن الصلاة وغيرها 
من التكاليف غير واجبة عليه؛ لاستغنائه عنها بما حصل له من الأحوال 
القلبية. 

وهذا الفكر موجود عند هؤلاء المتصوفة» وموجود كذلك عند بعض من 
تأثر بالفلسفة؛ فيرى أن دين الرسول هو خطاب لعَوَام الناس» ويّدّعي أولىك 
المتفلسفة أن ما جاء به الرسول من أوامر ونواه هي تربية فلسفية تخص العوام» 
أمّا هم فيقولون: إنهم ليسوا من العوام» وبالتالي قد وصلوا إلى المقصودء ووصلوا 
إلى ما يريده الرسول من الأوامر والدواهي» ولڪن بطريق آخر. 

وذ اف و كناك بض لتقي هبن ر ا ت 
اليونانيةء أودرسوا في المدارس الغربية» ومع أن بعضهم قد بلغ مراتب عليا في 
الدراسات (الأكاديمية) والحقافة إلا أنه لا يصلي ولا يصوم ولا يعظم الأمر 
والنهي» ويزعم أنه على الإسلام» ومن يخالط هؤلاء يحدهم على هذا الفكر 
ويرى أنه مُستغن ومستكف بالآراء الفلسفية عن التكاليف الشرعية» ويرى 
أنه ليس مخاطبًا ولا مطاليًا بالتكاليف الشرعية؛ لأنه صار أعلى من أن يُطالب 
بأداء الأوامر أو اجتناب النواهي. 

فالشيطان قد استدرج هؤلاء وهؤلاء» وهناك أوجه شبه كبيرة بينهماء وهم 
جميعًا مبرراتهم الباطلة؛ التي يستمدونها من الأحوال القلبية» أو المبادئ 


166 مسح Ls‏ شرح رسالة العبو د 
الفلسفية؛ التي يرون أنها تغنيهم عن أن يؤدوا الصلاة مثلاء وتبيح لمهم شرب 
الخمر؛ إذ يرون أنها حرام على عوام الناس» حل لهم؛ لكونهم من الخواص الذين 
لا يضرهم شرب الخمرء بل ولا يضرهم فعل الفواحش؛ لأنهم صاروا كالبّحر لا 
تضرهم الذنوب وإن كثرت» حتى أصبحوا غير مبالين ولا مُعَظّمين لأوامر الله 
تعالى ونواهيه. 

فهل بعد هذا العلاعب من الشيطان بهؤلاء من تلاعب؟! 

أما المسلم فيحمد الله عز وجل؛ لأنَّه وَفَّقه لتعظيم الأمر والنهي. 

OEE 


(لشيخ الإسلام ابن تيمية_ ) اس ا ا 

قال الصف ره الله ا ربب أن للشرعين الذين كوا الول و وة 
بين البذعَة المُخَالقَة لشرع الله. وبين الاحْتِجَاجٍ بالقدر على مُخَالفَة أمر الله. فَهَذِهِ 
الآصْنَاف فما شبه من المشركين؛ إِمّا أن يبتدعواء وإِمًا أن يحتجوا بالقَدَر. وما 
أن يجمعوا بين الآمرئنء كَمَا قال نَعَالَ عَن المشركين: (وإذا فعلوا فَاحِشَة قَالُوا 
وجدنًا عَلَيْمَا آبَاءَنَا والله أمرنًا با قل إن الله لا يَأمر بالفحشاء أتقولون على الله مَا 
لا تعلمُونَ) [الأعراف: 28]ء وكما قال تَعَالَ عَنْهُم: (سَيَقُولُ الّذين أشركوا لو شَاءَ 
الله مَا أشركنا ولا آَبَاؤّْنَا ولا حرمنا من شَيْء) [الأنعام: 148]. 

وقد ذَكُرَعَن المشركين ما ابتدعوه من الدّين الَّذِي فيه تخليل الحَرَام, 
وعبادة الله بمَا لم يَشْرع الله. في مثل قؤله تَعَالَ: (وقَالُوا هَذِه أنعام وحرث حجر 
لا يطعمبًا إلا من نشّاء بزعمهم وأنعام حرمت ظبُورهَا وأنعام لا يذكزونَ اسْم الله 
عَلَهمَا افتراء عَلَيْه...) [الأنعام: 138] إِلَى آخر السُورَة. وكَدَلِكَ في سُورَة الأَعْرَاف في 
قوله تعالى : (يَا بغي آدم لا يفتننكم الشَيْطَّان كَمَا أخرج أبويكم من الجنّة...) 
[الأعراف:27] إلى قؤله: (وإذا فعلوا فاجشة قَالُوا وجدنا عَلَمْمَا آبَاءَنَا والله أمرنًا ما 
قل إن الله لا يَأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمُونَ * قل أمررَبّي 
بِالقِسْطٍ وأقِيمُوا وُجُوهكُم عند كل مَسْجد...) [الأعراف:28: 29] إِلَى قؤله: (وكلوا 
واشْرَبُوا ولا تسرفوا إِنّه لا يحب المسرفين * قل من حرم زينّة الله التي أخرج 
لِعِبَادِهِ والطيبات من الرزق...) [الأعراف:31: 32] إلى قؤله: (قل إِنَمَا حرم رَنَي 
القَواجش مَا ظهر مِمْمَا وما بطن والإثم والبّغي بِغَيْر الحق وأن تُشَرِكُوا باللّه مَا لم 
ينزل به سُلطَّانا وأن تَقولُوا على الله مَا لا تعلمُونَ) [الأعراف:33]». 

قوم 

فصل شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- في كتابه الرائع «اقتضاء الصراط 

المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم» باستفاضة أوجه الشبه بين المشركين 


...| 168 0001 51*55 | شرح رسالة العبودية | 


والفرق الضالة المنحرفة عن منهج الكتاب والسنة» وهنا دُمَبَّه أعمال هؤلاء 
المبتدعة بأعمال المشركين. 

فبَيّن أنَّ هذه الطائفة تشبّهت بالمشركين في خصلتين: 

الخصلة الأولى: الابتداع. والخصلة الثانية: الاحتجاج بالقدر. 

فأمًا الخصلة الأولى: الابتداع؛ ومعناه: الإحداث؛ فكان المشركون إذا فعلوا 
فاحشة (ِقَانُوا وَجَدْنَا عَلَيَْا آبَاءَنَا الله أَمَوَئَا بها [الأعراف:28]؛ 0 : 
الله سجاه وتعالى» فردَّ الله عز وجل عليهم؛ فقال لرسوله بَلِ: (قُلْ إِنَّ الل 
وا لتقا 1 ا ا E‏ 
في البدع فقد شابه المشركين؛ لأنهم أول من ابتدعوا. 

وهذا الخطاب يَصلح أن يجه للمتصوفة» فإذا فعل المتصوف فاحشة 
وشرب خمرًا وادعى أنه من أهل الحقيقة؛ قيل له: (إن الله لا يأمر بالفحشاء 
أتقولون عل الله ما لا تعلمون) [الأعراف:28]. فهذا الجواب الذي بَحَّت الله به 
أهلّ الشّيرك يَصلح أن يكون جوابًا لأهل التصوفء فهذا الربط العجيب يبين 
لك أن أصل ما عند هؤلاء هو أصل ها عفن هؤلاء؛ لأنها يضاغة شيطانية: 
والشيطان يأمر بالفحهاء والله سيخانه لا يأمر بالقتحشاءء والشيطان تقل 
على اللّهء ولذلك حَرَّم الله سبحانه وتعالى الكَقَوّل عليه. 

وكذلك ابتدعوا في الشرع تحليل الحرام وتحريم الحلال» وعبادة الله بما لم 
یشرع كما ذكر الله عنهم؛ فقد كانوا يجعلون قسمًا مِن زروعهم وَخُرُوثهم لله 
وقسمًا لأصنامهم لا يأكلونه ويقولون: هذا لله يتعبدون للّه؛ فابتدعوا مالم 
يتشرع هم؛ قال تعالى : (وَجَعَلُوا يما درا مِنَ الحزث وَالْأنْعَام تَصِيبًا فَقَالُوا 


هَذًا لله بِرَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا) [الأنعام: 139]؛ فيجعلون من الزروع والمواشي 
اسو ا للأصنام» كل هذا عَم من عندهم؛ والأنعام التي 
يملكونها جعلوا منها البَحيرة والوّصيلة والحاي» أشياء لم يشرعها الله له 
سبحانه وتعالى. 

وهذا منهم زعم! ولو ترك لكل واحد أن يزعم ما يشاء لصار الدين ألعوبة في 
أيدئ العاس. 

فالله خلق بهيمة الأنعام لمصالحنا ومنافعنا؛ نأكل منها ونشرب من لبنها 
ونركبها ونستعملها في حاجاتنا ونحمل عليهاء ولم يأمرنا أن نسيب منها شيئًا 
للأصنام أولله» ونقول: هذه لا ترکب» وهذه لا تحلب وهذه لا تؤكل؛ كل هذ 
تخبط في الحلال والحرام لم يتشرعه اللّه(1). 

والخصلة الثانية: الاحتجاج بالقدر. 

فالمشركون كذبوا على الله سبحانه وتعالى» كما قال اللّه عنهم: (وإذا فعلوا 
فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا واللّه أمرنا بها) [الأعراف:28]» أي: أن اللّه 
قدّرها علينا فاحتجوا بالقدر على فعل الفواحشء وأن الله راض عنهم في ذلك؛ 
فرد الله عليهم بقوله: (قل إِنَّ الله لا يأمر بالفحشاء) [الأعراف: 28] واللّه 
سبحانه ر نهى عن كشف العورات» وسمى ذلك فاحشة (فُل أَمَرَ ري 
بِالْقِسْط وَأَقِيمُوا وُجُومَكُمْ عِنْدَ کل مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ تُخْلِصِينَ لَه النّيِنَ گمَا 
بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) [الأعراف: 29]. 


' انظر: «شرح العبودية» للفوزان (ص 76: 77). 


170 سس شرج رسالة العبودية ) 

أي: أخلصوا الله عز وجل؛ فإقامة الوجوه معناها: الإخلاص لله عز وجل 
بالعمل» فالله أمر بالقسطء وهو العدل» ولم يأمر بال جور وهو الظلم؛ وأمر 
بإخلاص العبادة له سبحانه وتعالى» ولم يأمر بالشرك والفواحش. 

وكذلك فى قله سبحانه عن المشركيق: [سيقول الذيق أشركوا لو شاء الله ما 
أشركنا ولا آباؤنا ولا حَرّمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا 
بأسنا) [الأنعام:148] فردً عليهم بهذا السؤال: ([قل هل عندكم من علم 
فتخرجوه لنا) [الأنعام:148]؛ فالذي يدعي هذه الدعوة بمجرد أن يُسأل هذا 
السؤال سيفر؛ لأن ادعاءه أنه من أهل الحقيقة وتخصيصه بترك التكاليف- 
ليس عليه دليل من كتاب ولا سنة.. فهي دعوى زائفة وباطلة. 

وانظر هذا السّرد كيف يوضح هذه العلاقة؟ فهذه الأصناف من المتصوفة 
فيها شَّبّه من المشركين» وكذلك أهل الكلام فيهم شَّبّه باللشركين من هذا 
الوجه؛ لأن الجهميّة- أيضًا- جبرية يحتجون بالقدّر عل كفرهم ومعاصيهم؛ 
وقد كال الله عن المشركين إوقال الذي أشركوا ر اء الما غَبَدْكا من دونه 
ِن يءِ ڪن وَل آبَاؤَْا ولا حَرَهْنَامِنْ دُونِهِ مِنْ تيء كَدَلِكَ فَعَلَ الذِينَ مِنْ 
تَبْلِهمْ فَمَلْ عَلَ الرُسْلٍ إلا ابلاغ امن [التحل:35] (1). 

فكل مخالفة لأوامر الله عز وجل واحتجاج بالقدر- قد أنكره الله على 
المشركين؛ وإذا كان هذا مردودًا على المشركين؛ فكيف يصبح جائرًا لمؤلاء 
المتصوفة؟! 


35 


3 


' انظر: «شرح العبودية» للفوزان (ص76: 77). 


فقول المصنف: «ولا ريب أنَّ المشركين» فيه ربط للمقولة المتأخرة 
بالمقولة المتقدمة» والمقولة المتقدمة للمشركين والمقولة المتأخرة للمتصوفة؛ 
فالمشركين الذين كذدَّبوا الرسول 4 يترددون بين البدعة المخالفة لشرع الله 
وبين الاحتجاج بالقدر على مخالفة أمر اللّه. 

فهنا تبه الملصنف على مسألة في غاية الأهمية» وهي أن المقولات قد تڪون 
واحدة؛ ولكن تطبيقاتها تتعدد» فكل قول لأهل الباطل فهو مفند في نص 
كتاب الله عز وجل ونص كلام رسوله كله وأنَّ كلّ ما يَدّعيه أهل الباطل قديمًا 
وحديثًا فهو مردود عليه في نصوص الكتاب والسنة. 

فعلى العاقل المُتبصر أن يعرف أن مَعين هؤلاء ومعين هؤلاء واحد» 
ومصدرهم واحد» والرد على هؤلاء من جنس الرد على هؤلاء» وفي كتاب الله عز 
وجل وسنة رسوله ٤‏ ما يُغنيناء فهؤلاء قد يسمون ما يحدئوه من البدع حقيقة» 
كما يسمون ما يشهدون من القَّدّر حقيقة» وفي حقيقته إنما هومن جنس ما 
عند أهل الباطل من أهل الشرك فالبضاعة واحدة والمصدر واحد والله لم 
يقر المشركين على باطلهم» فكيف يقر هؤلاء؟! 

502 


172 اح لانم ا الوم وله aia ene a sae‏ | شرح رسالة العبودية | 


قال الصنف رحمه الله: «وشؤلاء قد يسئون ما أحدثوة من اليد حفيقة, 
كما يسمُون مَا يَشِدُونَ من القَدَر: حَقِيقَة. وطّريق الحَقِيقَة عندهم: هُو 
السلوك الَّذِي لا يتَقَيّد صّاحبه بأمْر الشّارع وتئيه. ولكن بمَا يرَاهُ ويذوقه ويجده 
ق قلبة نفع ها فيه من نقفلة عن الله جل رعلا وتخو قلك. 

وهَولَاء لا يحتجون بالقدر مُطلقًاء بل عمدتهم اتَبَاع آرائهم وأهوائهم. وجعلّهم 
مَا يرونه وما مهوونه حَقِيقَة. ويأمرون باتباعها دون اتَبَاعَ أمر الله ورَسُوله- تظير 
بدع أهل الكلام من الجَيْمِية وغيرهم؛ الّذين يجْعَلُونَ مَا ابتدعوه من الأقوال 
اكات والثثة حقائق عقلبية يحي اعدقادهاء فون ها ولت غلية 
السمعيات. ثمّ الكتاب والسُّنَّة؛ إِمّا أن يحرّفوا القَؤل فهمًا عَن مواضعه. وما 
أن يعرضوا عَنهُ بِالكُلِيّة؛ فَلَا يتدبّرونه ولا يعقلونه. بل يَقُولُونَ: نفوّض مَعْنَاهُ إلى 
الله مَعَ اعتقادهم نقيض مَذْلُوله. 

وإذا حقّق على هؤلاء ما يزعمونه من الحقلبات المغالقة للكتاب والسنة- 
وجدت جهليّات واعتقادات فاسدة. 

وكذلك أولئك إذا حُقَق علهم ما يزعمونه من حقائق أولياء الله؛ المخالفة 
للكتاب والسُتّة- وجدت من كايا التي يتبعبا أعداء الله لا أولياؤه». 


اشيم 
ما عند هؤلاء ِن دعاوى يُبررونها بأنها علم الحقيقة» وأن الحقيقة هي 
طريق الخواص» وأمّا الشريعة التي جاءت بها الرسل» فيقولون عنها: إنها طريق 
العوام. 
فشرعوا لأنفسهم ما لدَّ ‏ هم ووافق أهواءهم ورغباتهم» وأعرضوا عن شرع 
الله عز وجل؛ وسموا ما شرعوه (السلوك والذوق والوجد والكشف).. إلى آخره. 


بمعنى: ألا يتقيد السالك منهم بالشرع» وبالتالي لا يعظمه؛ وإنما يفعل ما 
يتذوقه» وما يجده في قلبه» مع ما فيه من غفلة عن الله عز وجل؛ ونحوذلك» 
فأصبحت أذواق- إذَا أهواء متبعة. 

فهؤلاء المتصوفة لهم أهواؤهم» كما أن لأهل الكلام أهواءهم؛ فهؤلاء سموها 
(أذواقًا ووجدًا...)» وأولعك سموها (عقليات). 

وهؤلاء لا يحتجون بالقدر مطلقا؛ بل عمدتهم اتباع آرائهم وأهوائهم ثم 
يسمون ما يرونه ويّهوونه- وهو خالف للشرع- حقيقة. 

ويُلزم هؤلاء المتصوفة والمتكلمون أتباعهم باتّباع هذه الآراء والأهواء» دون 
اتباع أمر الله وأمر رسوله ‏ ويسمي المتصوفة ما ابتدعوه من الكلام المخالف 
للكتاب والسنة: حقائق قلبية» ويسميها المتكلمون: حقائق عقلية. 

فعموم المتكلمين يحتجون بعلم الْجِدَل وقواعد المنطق وما يُسمونها 
(البراهين العقلية)» ويُمَدّمونها على الأدلة الشرعية؛ ويقولون: إِنَّ الأدلة 
الشرعية ظنية لا فيد اليقين» وأمّا البراهين العقلية فهي يقينية؛ ولذلك 
أنكروا الأسماء والصفات الخابتة بالكتاب والشتة؛ لأنها لا توافق البراهين 
العقلية بزعمهم» ويسمون الأدلة الشرعية: (أدلة السمع)» ويسمون أدلة 
المنطق: (أدلة العقل)» وعندهم العقل مُقَدَّم على الشرع؛ لأن الشرع لا يُفيد 
اليقين» وأمّا العقليات فإنها تُفيد اليقين» وهذا من كيد الشيطان لبني آد» 
فكما أنه أضلهم في العبادة فقد أضلهم في العقيدة أيضًا(1). 


انظر: اشرح العبودية» للفوزان (ص 79). 


.| 174 ا | شرع راا انر 
وهذا الذي أحدثه هؤلاء وأحدثه هؤلاء ليس من الدّين في شيء؛ ولڪن 
هذا أعطاه مسمى جميلاء وذاك أعطاه مسمى جميلاء وأمّا في المضمون فهو أقبح 
ما يكون؛ فالقبح واضح وظاهر؛ لأنه لا حقًّا لاي منهما في كلام الله وكلام 
وأمّا موقفهم من آيات القرآن وأحاديث الرسول ؛ فإمًا أنهم يفسرونها 
بغير تفسيرها الصحيح؛ لتوافق أهواءهم» ويسمون هذا ب«التأويل». وإِمّا أنهم 


ار سے یں 
م 
0 


يُفَوضون معناها ولا يُفسرونهاء ويعتقدون في نفس الأمر: أنّها لا تدل على 
أسماء الله ولا عل صفاته» ويقولون: لا ندري ما المراد بها؟ بل تُفوض معناها 
إلى اللّه! فهم إِمّا مُؤولة» وإما مُفَوضة. 

فهذه طريقتهم مع أدلة الشرع: إِمّا تأويلها وتحريفها وتفسيرها كما 
يريدون» وإمّا أن يمَوّضوها كأنّها طلاسم وألغاز لا يُعرف معناهاء وذلك إذا 
عجزوا عن تأويلهاء وربما سبوا هذه الطريقة إلى السلف» ويقولون: طريقة 
السلف هي التفويض» وطريقة الخلف هي التأويل؛ ولذلك قالوا: طريقة السلف 
أسلمٌ» وهي التفويض عندهم؛ وطريق الخلف أعلم وأحكم. وهي التأويل. 

وقد كذبوا؛ فهذه ليست طريقة السلف» وليست طريقة السلف أسلم 
فقط؛ بل هي الأسلم وهي الأعلم والأحكم. 

ويقولون: إن الأدلة العقلية يقينيات؛ فيعتبرون الأدلة العقلية- وهي في 
الحقيقة جهليّات- يقينيات» مع أن اليقينيات: هي ما دل عليه الكتاب والسّنَّة 
والعقل السليم لا يخالف التّقل الصّحيح أبدّاء فإن اختلفا: فإمّا أن يڪون 
النقل غير صحيح» وإمّا أن العقل غير سليم. هذه هي القاعدة؛ لأن العقل لا 


يدرك كل شيء» فهو قاصر وتابع للتّقل؛ ولو كانت العقول كافية لما احتجنا إلى 
نزول القرآن ولا نقل السّنَّة(1)؛ ولشيخ الإسلام كتاب رائع بعنوان: (درء 
تعارض العقل والنقل»» وقد أله لمناقشة الفلاسفة وأهل الكلام والرد على 
القانون الكل لفخر الدّين الرَازي وما توصل إليه الرَازي من تقديم العقل على 
النقل في حال تعارضهما. 

والميزان الذي أمر الله به عند العنازع هو ما بينه في قوله جل جلاله: (فإن 
تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) [النساء:59]» والرد إلى اللّه: هو الرد إلى 
كتابه» والرد إلى الرسول : هو الرد إليه في حياته» والرد إلى سنته بعد وفاته. 

فمزاعم هؤلاء القوم ناتجة: إِمّا عن تحريف القول عن مواضعه؛ كتحريفهم 
لقوله تعالى: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) [الحجر:99» فقالوا: إن اليقين هو 
شهود الحقيقة الكونية. 

وما عن الإعراض العام عن نصوص القرآن والسنة» فلا يتدبرونها ولا 
يعقلونهاء وليس عندهم عناية بها؛ لا رواية ولا دراية» والعياذ بالله. 

فهذا سمتهم وتلك حاهم؛ وتارة يقولون: تُقَوّض معناها إلى اللّهه مع 
اعتقادهم نقيض مدلول المعنى» وكأنهم ليسوا معنيين بهذا الخطاب. 

فإذا حققنا فيما عند المتكلمين وما زعموه من عقليات مخالفة للكتاب 
والسنة- وجدناها جهالات واعتقادات فاسدة وكذلك لو تدبرنا فيما عند 


انظر: اشرح العبودية» للفوزان (ص80). 


aia Es A eG E 176 |...‏ | شرح وشبالة العبودية | 
أدعياء السلوك والذوق المخالف للكتاب والسنة- وجدناه اتباع الموى الذي 


حذرمنه الله عز وجل ورسوله . 
ECR‏ 20 


قال المصنف رحمه الله تعالى: «واصل ضلال من هل هو بتقديم ققاسه على 
النّصّ الْتَرّل من عند الله وتَفديم اتَبَاع الموى على اتَبَاع أمر الله؛ فإن الذَّؤْق 
والوجد وتخو ذلك هُو بحسب مَا يُحِبَّهُ العَبّْد وهواه؛ قكل محب لَه ذوق ووجد 
بحسب محبته وهواه. 

فأهل الإيمَان ليم من الذَّؤْق والوَجْد مثل مَا بيّنه اللي بك بقوله في الحَدِيث 
الصّحيح: «ثَلّاث مَن كن فيه وَجَّد حلاوة الإيمّان: مَن كَانَ الله ورَسُوله أحبٌ إِلَيْه 
مما سواهُمَاء ومن كَانَ يحب المَرْء لا يُحِبِهُ إلا لله. ومن كَانَ يكره أن يَرجع في 
الكفر بعد إِذْ أنقذه الله مِنْهُ. كما يكره أن يُلقى في النّار»(1). وقال ي في 
الحديث الصّحيح: «ذاق طَّعْمَ الإيمان مَن رَضِي باللّه راء وبِالإِسْلام دينًاء 
وبِمُحَمَّدٍ تبيّاه(2). 

وأمًا أهل الكفر والبدع والشهوات. فكل بحَسبه. 

قيل لِسُفيَان بن عُيَيْنَة: مَا بَالُ أهل الآفواء لَّمُم محبّة شَدِيدَة لأموائهم؟ 
فقال: أنسيت قؤله تَعَالَ: (وأشربوا في قَلُوبهم العجل بكفرهم) [البقرة: 93]. أو تَخو 
هَذَا من الكلام. 

فعبّاد الْآصْنَام يُحبونَ آلبّتهم. كَمَا قال تَعَالَ: (وَمن النّاس من يتّخذ من دون 
الله أندادًا يحبونهم كحب الله وَالّذين آمنوا أشد حبًا لله) [البقرة: 165]ء وقال: 
(فَإن لم يَسْتَحِيبُوا لَك فَاعْلَم أنما يَتَبحُونَ أهواءهم وَمن أَضلٌ مِمَّن اتبع هَوَاهُ 
بعَيْرهدى من الله) [50 الْقَصَص]ء وَقَالَ: (إن يتبعون إِلّا الظّن وَمَا تهوى الأنفس 
وَلَقَد جَاءَهُم من رهم الهدى) [الكجم: 23]. 


ار 


'' متفق عليه: أخرجه البخاري (16) ومسلم (43) من حديث أفس بن مالك ذَلك. 
2 أخرجه مسلم (34) من حديث العباس بن عبد المطلب يل 


|[ 178 ل | شرع رسالةالفيودية | 
ولِمَّذَا يميل هَوْلَاءٍ ويُغرمون بِسَمَاعَ الشغر والأصوات التي مَبَج المحبّة 
المُطلمّة. الي لا تختص بأَمْل الإيمان. بل يشترك فِيَّا محبٌ الرَحْمَن ومحبٌ 
الأؤنّان بت الصّلبان وب الأوطان ومحب الإخوان ومحب المُردان ومحب 
اللسوان. وَهَوْلَاء الّذين يتَّبِحُون أذواقهم ومَواجيدهم. من غيبر اعَتِبَار لذَلِك 
بالكتاب والسّنة وما كَانَ عَلَيْه سلف الأمة». 
ارج 
بن المصنف- رحمه الله تعالى- بقوله: 'وأَصْلُ صَلال من صل هو بتقديم 
قياسه على الكّضّ المُنزل من عند اللّهء وتقديم اتباع الهوى على اتّباع أمر اللّها: 
أن القياس الفاسد هو أصل الضلالء فأصل ضلال مَن صل إنما هوبقياسه 
الفا فالس اولقن هر ركان ضلاله من جينة قناسه اهاد 
نفسّه خيرًا من آدم عليه السلام؛ لأنه خُلِق من نارء وآدم خُلق من طين؛ فظن 
أ ناكار أفضل من الطينء وأذلك أن الاستجابة لأمر الله باليتجوة 0 قال 
الله تعالى: (إِذْ قال رَيّكَ لِلْمَلائِڪَة إن خَالِقُ بَمَرًا مِنْ طينِ (71) فَإِذَا سَوَيهُ 
وَنَفَحْتْ فيه ِن رُوجي فَقَعُوا أ ساچدي (72) فَسَجَدَ تلاو 
جمَعُونَ (73) إل للد 0 وکن مِنَّ َ الْكافِرِينَ(74) تالكا اتليس نا 
َتَعَكَ أَنْ نَسْجُدَ لِمَا خَلَفْتُ بِيَدَيٍّ أُسْكَكبَرتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قال اتا 
حير مِنْهُ حَلَقَتَني من تار كاف من علين) [ص: 71- 76]؛ فعندما قاس مثل 
هذا القياس الفاسد صَلَّ عن اتّباع أمر الله عز وجل؛ فكان هذا هو أصلٌ 
الضلال. 


عىب ع 


وإذا تتبعنا أهلّ الباطل- قديمًا وحديئًا- وجدنا أنَّ أصلّ ضلالهم هو 
بتقديمهم للقياس الفاسد على النصوص الشرعية المنزلة. 

والقياس منه ما يڪون صحيحًاء وهو أحد الأدلة المعتبرة في الاستدلال 
عند أهل العلم؛ ومن القياس كذلك ما يكون فاسدًاء وهو أصلٌ من أصول 
الضلال؛ فيّضل الإنسان من جهة قياسه» فمثلا هنا أهل التصوف كلتو أنَّ 
وَجْدَهم وَدَوْقَهم يُوازي ما يده أهل الإيمان مِن ذَوْقِء (وهو ذوق وحلاوة 
الإيمان)؛ فظنوا أنهم إذا وصلوا إلى أي حلاوة بطريق آخر؛ فإن هذا يُغنيهم عن 
حلاوة الإيمان الحقّ؛ فكان في هذا ضلاهم. 

وكذلف اء الوق وقتديتهغل اقباع مر اله اأص من أصول الال 
ردا حاص ععد سائر أهل الضلاله وللك حدر الله هو وجل ق كتير هن 
آيات القرآن من اتباع الهوى» وذم الذين اتبعوا أهواءهم؛ فبالتالي ضلوا وأضلوا؛ 
لأنّهم سلكوا طريق الوى؛ ومن ذلك قوله تعالى: (فَِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمُ 
اَن يعون أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ اق ممن ابع هَوَاهُ بَعَيْرِهُدّى مِنَ لوان اللْدَلّا 
يَهْدِي الْقَوْمَ القاليين) [القصص: 150 وقوله عز وجل: (أَقرََيْتَ مَنِ اتد إلَهَهُ 
هَوَاهُ وَآصَلَّهُ الله عل عِلْم وَحَتَمَ عل سَهِْه وَقَلْبهِ وَجَعَلَ عَلّ بَصَرهِ عقاو قَمَنْ 
O al‏ 

وهنا أعطانا المصنف مثالا على هذا الضلال بهؤلاء المتصوفة الذين زعموا 
أنَّ هم ذوقًا ووجدًا. 

ق وذاك الككد إنما حضون کټ ها 


العبد ويهواء» فكل حب له ذوق ووجد كسب حبقه وواه 


--) 180 مسح Ls‏ شرح رسالة العبودية ) 

فهؤلاء المتبعون لأهوائهم وأقيستهم الفاسدة أرادوا أن يقيسوا أذواقهم 
ومواجيدهم بطرقهم الفاسدة البعيدة عن الوجي- على المحبة الحقيقية التي جاء 
بها الشرعٌ» فبالعالي ضلوا وأضلوا. 

لذا قال المصنف: ١وبحسب‏ ما يحبه العبد ويهواه فكل محب له ذوق ووجد 
يحسب محبته وهواها» وبالتالي يُنظر إلى ما أحبه العبد فإذا ما كان محبوبه موافقًا 
واه وخالقًا لشرع اللّه؛ فهذا الذوق والوجد الذي يحصل له هو فرع عن ذاك 
ا لحب وذاك الموى الذي مال إلبه» وهوذوق فاسن» وعهية .باطلة: 

وأما أهل الإيمان المُقَدّمين لأوامر الشرع على أهوائهم وشهواتهم- فإن 
لهم ذوقًا ووجدّاء والتعبير الصحيح: أن يقال: إنها محبة» فهذه المحبة تجعل من 
شعور الإذسان وجوارحه تبعًا لشرع الله عز وجل. 

فأهل الإيمان هم من الذوق والوجد مثل ما بَيّنه الى ب بقوله في الحديث 
الصحيح: ثلاث مَّن كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان)؛ فهناك حلاوة وأنس 
ولَدَّة يجدها العبد المؤمن بهذه العلاث: 

أوها: من كان الله ورسوله أحبّ إليه ما سواهما؛ فلا بد من تقديم محبة الله 
ومحبة رسوله ‏ على حبة ما سواهماء والله عز وجل قد قال: (قل إن كنتم 
تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) [آل عمران:31]؛ قال العلّامةُ ابن كثير رحمه 
اللّه: «هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من اذَّعى محبة الله» وليس هوعل 
الطريقة المحمدية؛ فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمرء حت يتَّبع الشرع 
المحمدي والدّين الحبوي في جميع أقواله وأخوالهة كما لكان «الضحيح» عن 


رسول الله ب أنه قال: «مَّن عَيل عملا ليس عليه أمرّنا فهو رَد(1)ء ولهذا 
قال: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم اللّه) [آل عمران:31] أي: يحصل 
لكم فوق ما طلبتم مِن محبتككم إِيّاه وهو محبته إيّاكم؛ وهو أعظم من 
الأولة كنا قال عض التكداء اا لسن الشآن أن :اتا السسان أن 
تَحَبَّ. وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قومٌ أنهم يحبون اللّه؛ 
فابتلاهم لوال فقال: [قل إن کا تبون الله فاتبعوني كحببكم 
اللّه) [آل عمران:200]31). 

فعلامة محبة الله عز وجل وحبة رسوله ب تظهر وتتضح بقدر عمل العبد 
واتباعه لأوامر الله وأوامر رسوله كله. 

فإذا كانت محبة العبد لله ولرسوله ل أكثر من محبته لما سواهماء ودليل 
ذلك: اتباغة لأوامر الله عر وجل وأوامر رسوله ك وتقديمه ماعل ما 
سواهما؛ فهذه أول الأمور الغلاثة التى يجد بها العبد حلاوة الإيمان. 

وقل العيت إذا أراد الغية أن يدير صدق جبعة أن ينظ رإلى حاله مع 
الأوامر والنواهي» فإن كانت النفس تنشط وتسابق لفعل الخيرات وفعل 
الطاعات» ومن أعظمها أمر التوحيد وأمر الصلاة» فأمر الصلاة حك واختبار 
لصدق إيمان العيد؛ فإذا كان العبد حريصًا على الصلاة في وقتها ومع الجماعة؛ 
فاك غلانة من علمات أهل الايمازة كيف لآ والغيد سقط مود 


7(" أخرجه مسلم (1718) من حديث عائشة رضي الله عنها. 


اتسر ابی كفي (2/ :33 ): 


at 7700000000000 182 |...‏ | شرح رسالة العبودية | 
لصلاة الفجرء مع أن النوم في هذا الوقت ألذ ساعات النوم عند كل أحد» ومع 
ذلك يدافع النوم ويغالبه ويقوم وينشط لذكر الله عز وجل وأداء الصلاة فإذا 
اجتمع مع هذا قيام الليل كان هذا زيادة في علامة محبة الله عز وجل ومحبة 

قال الإمام ابن القيم رحمه اللّه: «استقامة القلب بشيئين: 

أحخدهما أن تكون ححبة الله تعالى تتقدم عنده على جميع المحاب» فإذا 
ارک حي ال أله معت غير مدق حي الله ال هاوه فرق 
على ذلك مقتضاه. 

الأمر الثاني: الذي يستقيم به القلب: تعظيم الأمر والنهى» وهو ناشئ عن 
تعظيم الآمر الناهي؛ فإنَّ الله تعالى دم مَن لا يُعظم أمره ونهيه» قال سبحانه 
وتعالى: (ما لكم لا ترجون لله وقاراً) [نوح:13] قالوا في تفسيرها: ما لح لا 
تخافون للّه تعالى عظمة)(1). 

فعلامة ودلالة صدق محبتنا هي في مدى طاعتنا لأوامر الله وأوامر رسوله 
يي واجتناب النواهي» ولنعرض محبتنا على هذه فعل الأوامر وترك النواهيء 
والحلاوة التى يجدها المؤمن؛ وذلك في سعادة نفسه» وراحة باله» وطمأنينة قلبه 


وانشراح صدره. 


* «الوابل الصيب» لابن القيم (ص8)» باختصار. 


وهذه أمور يبحث عنها الناس خاصة في هذا العالم الذي كثرت فيه 
الماديات» وتعلقت قلوب الناس بهاء واستعبدت نفوسهم» فإذا فقد الإفسان من 
مظاهر الدنيا وأمورها شيئًا تَكَدَّر وحزن واهتم لذلك الذي فقده؛ لتعلقه بأمر 
الدنياء فلا يستطيع الإنسان أن يَبتعد عن مثل هذه الأمراض التي اعترت 
قلوب كثير من الناس إلا باللجوء إلى الله عز وجل وصدق محبته» ولا ننسى أن 
العبادة الحقة هي كمال المحبة مع كمال الذل؛ فلماذا يحرم الإنسان نفسه من 
حلاوة محبة الله عز وجل وحبة رسوله يكَك؟ ولماذا لا يذوق لذة هذه الحلاوة؟! 

ثم انظر للأمر الثاني وهو (الحب في الله)؛ فإذا أحببت فيجب أن تحب في 
اللّهه وإذا كرهت يجب أن تكره في اللّهء فكل ذلك تبع للأمر الأول؛ فقال بعد 
ذلك: «وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله فإذا أحبيك أمرًا بعد هذا فإنه يجب أن 
يكون له عز وجل» ويجب أن يكون تبعًا هذه المحبة» ويڪون مرتبطًا بهاء 
فاعلم هذا والزم هذا الأمر. 

فإذا كان العبد متعلقًا بحب الله وحبٌ رسوله ؛ فإنه لن يحب شيئًا إلا إذا 
كان حبه للّه عز وجل؛ ولذلك إذا كنت مشمرًا في الطاعات» ملتزمًا بسائر 
القربات- سواء كانت تلك الطاعات والقربات فرائض أو نوافل- فهذا علامة 
على أن هذا العبدّ حب لله عز وجل ولرسوله بك؛ فصلة الأرحام والإحسان 
للجار وإكرام الضيف ونحو ذلك.. كل هذه الأمور إذا فعلها الإذسان بقصد 
تحقيق محابٌ الله عز وجل ومراضيه؛ فإن في هذا علامة صدق عل أنه أحب 
هذا الشيء لله عز وجل. 


| شرح رسالة العبودية‎ | aies AEG Oa 184 |... 


وهكذا الأمر الغالث: (كراهية ما يضاد محاب اللّه)» ومثاله: أن يكره 
العبد يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النارء 
فالمؤمن مبغضٌ للحفرء ومبغضٌ لأنواع المعاصي والذنوب لأنَّ الإيمانَ شُعْبٌ» 
كما أنَّ الكفرٌ شْعْبَّ» فكل طاعة هي شعبة من شخب الإيمان» وكل معصية هي 
شعبة من شعب الكفر. 

فعلى العبد أن ينظر لحاله مع المعاصي؛ فإن ركن إليها واطمأن بها وارتاحت 
نفسه إليهاء فليعلم أنَّ هناك خللًا في إيمانه» وسيفقد من حلاوة الإيمان بقدر 
ذلك الخلل؛ وان كان يڪرهها كما يكره أن يلق في النار؛ فليعلم أن هذا من 
علامات الإيمان. 

وهذا هو الذوق والوجد الحقيقي» وهو الذوق والوجد الإيمانيء الذي يُحَبّبٍ 
إل القن كل طاغة من الطافاس» وتكره إل الس كل معصية هن العا 
فإذا وجد الإإنسان هذه الحلاوة فهيهات أن يجد في قلبه مكانًا للغِلَّ أومكانًا 
للحسدهء أو مكانًا للحقد» أو مكانًا للكبرء أو مكانًا للاستهزاء أو نحو ذلك من 
المعاصي والذنوب. 

فعلينا أن نعرض قلوبنا على هذه الأمور العلاثة: 

ما حالنا مع حبة الله ومحبة رسوله ؟ 

وما حالنا مع محبة ما يحبه الله عز وجل؟ 

وما حالنا مع كراهة ما پَڪرهه الله عز وجل؟. 

فإذا كان حالما على هذه الأوصاف التي ذكرها الي ؛ فسنجد حلاوة 
الإيمان لا محالة؛ لأن النفس لابد أن تسكن لشيءء» فإذا كان سكونها 


وراحتها وطمأنينتها في مقام الإيمان؛ ففهذه هي السعادة في الدنيا والآخرة: 
وبهذا تستغني» وبهذا تركو الله عز وجل قد قال: (قد فلح من ركاها وقد 
خاب من دساها) [الشمس:9 10]. 

ولنا في الناس عبرة! فانظر إلى أولعك الذين انغمسوا في الشهوات وفي رذائل 
الأمورة كن اتس د مادق الخذرات ماله مه إل هنذا الطريع 
المظلم؛ فيكون في هذا ضياع ديته وماله وعرضه وغقله وکل مره لأقه اتبع 
هواه» ولذلك قال الله عز وجل: (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه 
وكان أمره فرطًا) [الكهف:28]ء أي: أصبح مضيمٌ؛ فلم يعد يعرف ما به صلاح 
نفسه» حتى إن الواحد مِن هؤلاء قد يُختم له بخاتمة سوء والعياذ بالله؛ لأنَّ 
بعضهم قد يتعاطى هذه الأشياء في دورات المياهء ويصل به الحال أن يموت 
ووجهه في المرحاض؛ لأن قلبه قد تعلق بمشل هذه الأمور» فانظر إلى هذه 
القاتية والعياة بالل 

ثم انظر إلى ذاك الذي مات وهو ساجد في بيتِ من بيوت الله عز وجلء 
فشتان بين الخاليق. 

ولذلك قال : «ذاق طعم الإيمان مَن رضي باللّه ربا وبالإسلام دي 
وبمحمد نبيًاا» فالإيمان له طعم يذوقه المؤمن» كما أنَّ له حلاوة؛ إذا رضي بالله 
ربّه وبالإسلام ديئّاء وبمحمد نبيّاء وبالطبع عمل لازم هذا الرّضا. 

ولذلك المؤمن المستقيم تجده في سعادة» وتجد في عموم أمة الي محمد كلل 
من الخير ما لا يُوجد في غيرها من الأمم. 


aE RE 186 |-‏ شرع را الغو ا 

ونحن نرى في عالم اليوم كيف أنَّ أهل الحكفر إذا عرفوا هذا الدين معرفة 
صحيحة» أو رأوا تعاليمه- أقرُوا بكماله وسُمُوٌّه وما له من مكانة سامقة 
وبالتالي نرى الداخلين في دين الله عز وجل يزداودن کل يوم. 

ومع ما نراه من حملة شعواء على الدّينء وعَداء له مِن قبل أعدائه» ومع ما 
نراه من خلل وانحراف عند بعض المسلمين» إلا أنه من النادر أن يرتد عنه من 
انتسب إليه؛ إذا كان يعرف حقيقته» وما نسمعه من تنصير ونحو ذلك إنما هو 
لفئة قليلة قد تكون جاهلة لا تعرف الدّينء بعد أن احتال عليهم أولفك 
المحتالون بأنواع الحيل» ومنها العمل على تنصير أطفال المسلمين» ومن ذلك ما 
يفعلونه في بعض دول الإسلام؛ حيث يبنون للأطفال الیتای دورًا؛ يبشون فيها 
النصرانية» ويربونهم عليها. 

أو يأتون لقرى نائية ويقدمون لهم المساعدات الغذائية ونحوذلك»؛ 
ويدعونهم إلى النصرانية حتى يحصلوا على هذه المساعدات.. 

وتما يحكى أنهم في إحدى تلك البلدان؛ لما نصروا قرية جاءوا يُمَنُونهم ماذا 
تريدون؟ قالوا: نريد أن نذهب إلى مكة للحج. 

ثم يقولون بعد ذلك: نحن في هذا المجتمع استطعنا أن ننصر كذا وكذا. 

فقل أن يخرج مسلم من دينه إذا كان على علم به؛ فالذي يذوق طعم 
الإيمان لا يفرط فيه أبدّاء لأنه لن يجدها أبدًا في الڪفر. 

قوق الل اذ E A A‏ عض له كن أن 
تنال إلا من طريق اتّباع الشّرعء أمَّا البحث عنها من طريق آخر فليس إلا 
خبال وضلال واستدراج من الشيطان وتلاعب» ولذلك قال المصنف: «وأمًا 


أهل الكفر والبدع والشهوات فكل ييحَسّبها» فأهل الكفر لهم ذوقهم وهم 
I‏ الومجد وهذا الذوق ظلمة وحسر o‏ ة وندامة يجدونها في 


ومن ذلك ما حكاه أهل الكلام دليلا على حيرتهم وضلاهم؛ فيقول بعض 
رؤسائهم؛ وهو الرَّازي: 


نِهَايةُ إفْدَام العُقُولٍ عِمَالُ E.‏ في العَالِْيَ ا 
َأَروَاحتا في وَسْمَةِمِنْ جُسُومِنَا | وَحَاصِلُ نينا دى وَوَيَالُ 


وذ من يخا طول غنرتا | وی أن تنغت فيه فيل وقال 

ويقول آخر: 

لَعَمْرِي لَقَدْ ظَفْتٌ المَعَاهِدَ هِدَ کا وسرت طرفي بََْ لك المَعَالم 
مرإ راضعًا كن حاثر على دقن أو قَارِعًا ب سِنّ تَادِم(1) 


فحيرة وضلال وتهوك لدی آهل الكلام» وهكذا لدی أهل العصوف» فكل 
بحسب حال ذوقه ووجده؛ لكن هذا الذوق وهذا الوجد مثل ما يكون لشارب 
المر؛ وهو في الحقيقة نوع من خداع النفس؛ يجده للحظات» ثم بعدها يفتقده 
ويعقبه حسرة وظلمة في نفسه وسواد في قلبه» وغبرة في وجهه. 

ولذلك قيل لسفيان بن عيينة: ما بال أهل الأهواء لهم محبة شديدة 
لأهوائهم؟ فقال: أنسيت قوله تعالى: (وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرههم) 
[البقرة:93]؛ فيُشرب هذا الأمرء وتتلبسه النفسٌ» وتتغذى به ونشأ عليه» فإذا 


7 نقل هذه الأقوال المصنفُ في «الفتوى الحموية» (191ء 192). 


| شرح رسالة العبودية‎ | uae ê ea ag a 188 |... 


أشرب هذا الأمر تجده عبًا لباطله؛ وتجده بعد ذلك كما قيل: "حبك الشيء 
عي ريصع 9 

قال المناوي: «أي: يجعلك أعمى عن عيوب المحبوب» أصم عن سماعها؛ 
حتى لا تبصر قبيح فعله ولا تسمع فيه نهي ناصح» بل ترى القبيح منه حستاء 
وتسمع منه الخنا 0 جميلا... أو يعمى ويصم عن الاشرة أوعية طرق اللمدى» 
وفائدته: النهي عن حب ما لا ينبغي الإغراق في حبّه)(2). 

حت إنهم يقولون في الأمثال: (لا تقل للعاشق إلا زد)» فيش رب الإفسان 
الباطلء ويتلبس بحب الباطل حت إنه يعميه عن معرفة الحق؛ فهؤلاء لهم 
قُلوبٌ لكن لا يفقهون بهاء وهم اع لحن لا يُبيصرون بهاء وهم آذانٌ 
لكن لا يسمعون بها؛ لأنهم اتبعوا أهواءهم» وساروا في باطلهم. 

وقد سف أبوالوفاء ابن عقيل هذه الخبيئة في نفوسهم؛ وهي أنهم 
يريدون التحلل من التكاليف؛ فقال: الما صعبت التكاليف على ايهال والطغام 
عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهه؛ 


() أخرجه مرفوعًا أحمد في «المسند» (5/ 194)» ثم قال: «وحدثناه أبو اليمان لم يرفعه»» وأبو داود 
(5130)› من حديث ا الدرداء و“ فأوزةة اليوط 5 «الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة) 


(ص186) » وقال: «الوقف أشبه). 
9" اقض القديز) (3/ 372) باعجار. 


إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. قال: وهم كفار عندي بهذه الأوضاع؛ مغل: 
تعظيم القبور...)(1). 

ثم قال المصنف: «فعبّاد الأَصْئَام يحبون آلِمّتهم؛ كُمَا قَالَ تَعَالَ: (ومن 
الان دد دوق الله ]ندا ةا صبرتي کار انين أمثرا اهديا 
لله) [البقرة: 165]» وقال: إن لم يَسْتَجِيبُوا لك فَاعْلّم أنما يتبغون أهواءهم 
ومن أضلٌ مِمَّن اتبع هَواءُ بير هدى من اللّه) [القصص: 150 وقال: (إن يتبعُون 
إلا الكّلن وما تهوى الأنفس ولَقّد جَاءَهُم من رَبهم الدى) [23 النجم]». 

وهنا بين المصنف أنَّ عُبَّاد الأصنام يحبون تلك الآلمة» وهم ذوق ووجد 
وخضوع تجاهها؛ ولكنه خضوع فاسد وباطل» فالإذسان يرى في أحوال الناس 
أن الإنسان يسير إلى مَهلكة؛ ويعرف أن نتيجته الحلاك لكن هوفي عى وفي 
صمم عن سماع أي نصيحة؛ لأن حب هذا الشيء تمَلّك قلبهه فلم يَعد يقيس 
هذه الأمور بمقياس صحيح» بل صار قياسه فاسدًاء وترتب عليه حب الذات» 
وو حب فاده كحت ادا فة ذا وكحت ضانحي الشهزة لشيوقه: 
وكحب :ضاحب البرعة ابد عد 

فمن ثبت على الحقٌّ وأصبح مقياسه هو طريق الحق- أصبح في الذوق 
والوجد والمحبة الحقيقية» ومن كان منحرفًا إلى كفر أو بدعة أو إلى شهوة فقد 
انحرف في حبّه وذوقه ووجده إلى أمر فاسدء ولذلك قال الله سبحانه وتعالى عن 
هؤلاء: [فإن لم يستجيبوا لك فاعلم المت او أهواءهم) [القصص:50]؛ 


'' انظر: «تلبيس إبليس» لابن الجوزي (ص 354). 


|[ 190 ا أد شرع رسالةالعيودية | 
فأصبح الحوى حاجرًا ومانعًا وسدًّا عن قبول الحق» ثم قال: (ومن أضل ممن اتبع 
هواه بغير هدى من الله [القصص:50]؛ فغاية الضلال أن يكون الإنسان متبعًا 
هواه» فهذا الاتباع للهوى سيضله وسيبعده عن طريق الهدى؛ قال تعالى: (إن 
يتبعون إلا الظن وما تهوق الأنفس) [الدج:23]: فالظن هنا إشارة إلى القيناس 
الفاسدء (وما تهوى الأنفس) [النجم:23]: إشارة إلى اتباع الحوى؛ فالعبد أمامه 
عدوان: ظن وقياس فاسد» وهوى متبع؛ فإذا سَلّمه الله من هذين» وجعل قياسه 
مبنيًا على كلام الله وكلام رسوله ۳ فقد نجاء وإذا كان هواه وأمره تابعًا لأوامر 

أما إذا ترك شرع الله عز وجل» ثم سار وَفْقَ هوى نفسه؛ فليعلم أنه على 
مهلكة» وكذلك إذا كان على غير علم بكلام الله وكلام رسوله كَل 
فسيستبدل هذا بظنَّ فاسد» وإذا لم يكن على معرفة بالحق سيستبدل الحق 
بالباطل. 

فحذرنا الله من هذه الحال؛ فلا يُظن أن هذا فقط حكاية وخبر عن 
الأوائل» وإنما هي أسباب الحلاك في كل زمان. 

وهذا يميل هؤلاء- بسبب الظن الفاسد واتباع اهوى- ويُغرمون بسماع 
الشعر والأصوات التي تُمَيّحِ المحبة المطلقة. 

والسماع نوعان: سماع قرآفي» وسماع شيطاني. 

فإذا نظرت إلى مجالس هؤلاء وموالدهم- تجدهم يستمعون لأشعار فيها من 
البدع وفيها من الكفر وفيها من الشرك والضلال ما الله به عليم؛ فاستعاضوا 


واستبدلوا بسماع كلام الله عز وجل ومدارسته في المساجد- هذا السماع 
الشيطانيء الذي قد يجتمع معهم فد الان وال وان فيحرت املاطل 
ويتبعه أمور منكرة من شرب للخمور والمخدرات ونحو ذلك. 

فهم في ذوق وفي غَرَام» لكنه مَسلك شيطاني. 

وأهل المعاصي يجعلون من العشق ونح و ذلك كأنه سعادة الدارين؛ 
فسماعهم للغناء الفاسد الذي يدع و إلى الفحش والخمر وأنواع الفساد- من 
أحب الأمور لديهم. 

وأما أهل الإيمان فقلوبهم- كما قال الله عز وجل فيهم: (الذين آمنوا 
وتطمثن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب) [الرعد:28]؛ فنفس 
المؤمن تطمئن لسماع كلام الله عز وجل» وتتشوق إلى نعيمه عند سماع وعده 
وتخشع وتلين من الخوف عند سماع وعيده. 

فالمؤمتون عندما يسمعون هذا السماع القرآني يستقيمون على أمر الله عز 
وجل؛ ويرغبون في طاعته سبحانه» ويسعدون بالأذس به. 

فشان بين حال سماع القرآن وسماع أهل الباطل.. 

قال المصنف: «وكَوّلاء الذين يتبخون أذواقهم ومواجيدهم من غير اغْتِيار 
لدَلِك بالكتاب والسّنة وما كَانَ عَلَيّهِ سلف الأمة). 

فالمحبة لا يجوز أن تكون محبّة مطلقة» إنما الواجب أن تكون محبة 
مقيدة بالضوابط التي جاءت بها النصوص الشرعية» فليس للعبد أن يأقي بأي 


0 جمع أمرد» والأمرد: هو الغلام الحسّن الذي لم تنبت يته بعد. 


...| 192 #77000 | شرح رسالة العبودية | 


محبة أو أي فعل من عنده؛ بل هو مطالب بمحبة شرعية؛ وهذه المحبة الشرعية 
لا كنال إلا بالطرق الشرعية؛ فالعيودية أساسها: كمال المحبة مع كمال الذل 
وا خضوع. 

وخلاصة القول: أنه لا نجاة إلا باتباع المدى؛ فمن لم يكن متبعًا للهدى 
علمًا وعملا؛ فإنه يكون مائلًا إلى طريق الباطل؛ وأهل الباطل من أوصافهم: 
اتباع الظن وهوى الأنفس. 

فانظر إلى أهل الكلام؛ وانظر في أهل العصوف فلك فيهم عبرة مائلة 
أمامك» كيف أنهم صَلُوا وأضلوا وانحرفوا ورّلُواء مع أن الحق في غاية الوضوح 
والبيان؛ لن ما جاءوا به ليس من الحق في شيء» حتى إنهم في أنفسههم قَرّقوا 
بين ما زعموه وما جاء به الحق» فلذلك قالوا عن الحق: إنه شريعة» وقالوا عن 
زعمهم: إنه حقيقة» وقالوا عن الحق: إنه ظاهرء وقالوا عما زعموه: إنه باطن؛ 
فاعرض هذه العفرقة على هذا المقياس: هل هي اتباع لما جاء من الله عز وجل؟ 
أو مخالفة له؟ وإذا كانت مخالفة؟ أليست اتباعًا للظنٌ؟ واتباعًا هوى الأنفس؟! 

فالمؤمن عليه أن يتعظ بحال هؤلاء» ويعلم أنه على خطر في حال ابتعاده عن 
الهدى علمًا وعملا وتطبيقًا ودعوة وسلوكا. 

وإن لزم طريق الحق فسيكون عنده من المحبة ومن الحلاوة ومن العم 
والذوق نما دعن كل ها موان 

502 


| لشيخ الإسلام انق قفي أ 11 0002021211 OE‏ 


قال المصنف رحمه اللّه: «فالمُخالف لما بَعث الله به رسوله من عبادته 
وحده» وطاعته وطاعة رسوله» لا يكون مُتَبِعَا لدين شرعه اللّه أبدّاه كما قال 
تعالى: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا 
يعلمون * إِنَّهم لن يغنوا عنك من الله شينًا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض 
واللّه ولى المتقين! [الجاثية:18» 19]. 

5 

ين الصف أن الخالى لا خرن متكا دين شرضه اورا ك داك 
بصيفة العانيد: 7 أيدٌ فة وج ما أن هذا المخالف لا يكون مُتَبِعَا لدينٍ 
شرعه الله أبدّاء يعني: ما دام أنه قد انحرف عمًا بَعث الله به رسوله كلل فالله 
بعث رسوله 07 بعبادته وطاعته وطاعة رسوله 805. 

فوظائف الرسل هي: 

أولّا: تعريف الناس بريُهم. 

ثانيًا: تعريفهم بالطريق الذي يُوَصَّلهم إلى ربّهم» أي: بعبادته وطاعته. 

ثالمًّا: بیان حاطم وماهم. 

يعني: ما هو المآل؟ وما هي العاقبة التي تعود على الناس بإيمانهم واتّباعهم 
الشرع المنزل. 

فهذه هي وظيفة الرسل. 

فهذا المُخالف الذي خالف ما بعث الله به رسوله ٤‏ لا يكون متبعًا 
لشرع الله أبدّاء كما قال الله تعالى: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها) 


...| 194 اا و asta n Ga‏ | شرح رسالة العبودية | 


[الجائية:18] فالله تعالى يأمر رسوله ي باتّباع شرعه» وإذا كان الرسول 4 
مأمورًا باتباع هذه الشريعة فنحن تَبَعٌ هذا؛ قال تعالى: (وما آتاكم الرسول 
فخذوه) [الحشر:7]ء وقال تعالى: (لقد كان لحكم في رسول الله أسوة حسنة) 
[الأحزاب:21] فإذا لم نَتّبعها سيكون اتَّباعًَا للهوى؛ فهناك أمر وهناك نهيء 
فالأمر اتباع هذه الشريعة: (فاتبعها) [الجاثية:18]؛ والنهي عن اتباع المموى: 
(ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) [الجائية:18]» فإذا حصل اتباع لهذا الموى؛ 
فإن الله يقول: (إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئًا وإن الظالمين بعضهم أولياء 
بعض واللّه ولي المتقين) [الجائية:19]. 

فإمًا أن يكون العبدُ من المتقين؛ والتقوى لا تحصل إلا باتباع هذه 
الشريعة» وما أن يڪون من أهل الحوى فيكون من الظالمين. 

وإذا كان العبد من المتقين كان من أهل ولاية الله عز وجل؛ قال تعالى: ( ألا 
إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون) 
ليوف :62]: 

فعلى العبد أن ينظر أين مقامه؟ 

فإذا كان مقامه في اتباع شريعة الله عز وجل فهو أهل لأن يكون من 
أولياء الله ومن أهل الإيمان ومن أهل التقوى» ولكن إذا اثبع أهواء الذين لا 
يعلمون فهو يِن أهل الصَّلال. 

502 


OS Ve Saa لشيخ الإسلام ا‎ | 


قال المصنف رحمه اللّه: بل يكون مُتَبِعَا هواه بغير هدى من اللّه؛ قال 
تعالى: (أم هم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به اللّه) [الشورى:21]. 

وهم في ذلك تارة يكونون على بدعة يسمونها: حقيقة يُقَدَّمُونها على ما 
شَّرَعَهِ اللّه. وتارة يحتجون بالقَّدَرٍ الكوني على الشريعة» كما أخبر الله به عن 
المشركينء كما تقدم). 

0 

وصف المُصنف حال المخالفين لابتداعهم أمورًا ما أنزل الله بها من 
سلطان؛ فحاهم يدور بين اليدعة وإحداث شرع لم نە الله حييف لا ذليل 
عليه ولا مستمسكء وإنما هم على باطل. 

فهم تارة يكونون على بدعة يسمونها حقيقة» وهي باطلء يُقَدّمونها على ما 
شرع الله سبحانه وتعالى» وتارة يحتجون بالقَّدَّر الكوني على الشريعة» ويأقي 
تلاعبهم من جهتين؛ من جهة زعمهم: أن هذا الذي هم فيه حقيقة» وبالتالي ما 
عليهم إلا أن يبعوه. وتارة يحتجون بالأمر الكوني والقَدَرَيِء فيقولون: ما كتب 
الله أن أعمل هذه الطاعة مثلاء أو كتب الله عل أن أقع في هذه المعصية.. 
ويزعم أنه بذلك متبع للقدر لا يستطيع أن يخالف الأمر الكوني القَدَري ولا 
أن يخرج عنه. 

فانظر كيف يُدخلهم الشيطان في أودية الباطل؛ فإذا وجد مسلگا من هذا 
الباب دخل عل الناس منه؛ فيدخل عليهم الباطل من جهة أن هذه حقيقة» 
وأن هذا مُقَدّم على شرع الله عز وجل؛ أو يَدخل عليهم من الباب الكوني 


[ز[ز ز ز[ ز ز ز [ [ز[ [ [ [ز[ [ [ [ [ [ [ 1 1[ 1 1 1[ 1[ 1 11111111 شرح رسالة | بودية 
.| 196 5ب 111011 | 1 | | 
وان عصيف فهذا يقدر الله غ 
القدري» فيقول لمم: إن أطعتم فهذا بقدر الله» وإن عصيتم فهذ بقدر 
2 ري» في 1 


وجل! 
50 


| لشيخ الإسلام ابن تہ 8 9 أ م و N. TOT‏ 


قال المصنف رحمه اللّه تعالى: «ومن هؤلاء طائفة هم أعلاهم عندهم قَدْرَاء 
وهم مُستمسكون بما اختاروا بهواهم من الدين في أداء الفرائض المشهورة 
واجتناب المُحَرّمات المشهورة» لكن يَضِنُون بترك ما مروا به من الأسباب 
التي هي عبادة؛ ظَلانّين أن العارف إذا شهد القَّدّر أعرض عن ذلك؛ مثل مَن 
يجعل التوكل منهم أو الدعاء ونحو ذلك من مقامات العامّة دون الخاصّةء بناء 
على أنَّ من شهد القَدَر عَلم أنَّ ما قَدّر سيكونء فلا حاجة إلى ذلك وهذا 
ضلال مبين. 

فان الله قثر الأقياء بأسبابهاء كبا فر السعاذة والغتقاوة بأسبابيياء كما 
قال الني : «إنَّ الل خلق للجنَّة أهلاء خلقها لمم وهم في أصلاب آبائهم؛ 
وبعمل أهل الْجَنَّة يَعملونء وخلق للتار أهلًا خلقها لم وهم في أصلاب آبائهم, 
وبعمل أهل النار يعملون»(1)» وكما قال النبي يله لما أخبرهم بأنَّ الله كتب 
المقادير» فقالوا: يا رسول الله أَقَلَا نَدَعٌ العملء ونتَّكلُ على الكتاب؟ فقال: الا 
اعبار 3 عكر فا كبلق أن قات #اقرهن a RT‏ 
أهل السعادةء وأمّا مَن كان من أهل الشّقاوة فَسَيُيَسّر لعمل أهل الشقاوة)(2). 

فكل ما أمر الله به عباده من الأسباب فهو عبادةء والتوكل مقرون 
بالعبادة» كما في قوله تعالى: (فاعبده وتوكل عليه) [هود: 123]» وفى قوله: (قل 


' أخرجه مسلم (2662) من حديث عائشة رضي الله عنها. 


* أخرجه البخاري (4949) ومسلم (2647) من حديث عل 5@. 


a 198 |...‏ 001 23*57 | شرح رسالة العبودية | 


هو ري لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب) [الرعد: 30]» وقول شعيب عليه 
السّلام: (عليه توكلت وإليه أنيب) [هود: 88]. 
سك 
المتصوفة طوائف» كما ذكر المصنف هنا؛ فهم ليسوا على حال واحدة إذ 
انحرافهم متنوع؛ كما قال سبحانه وتعالى: (أفمن يمشي مكيًا عل وجهه أهدى 
أم من يمشي سويًا على صراط مستقيم) [الملك:22]» فأصحاب الحق منهجهم 
وطريقهم واحد؛ لكن أهل الضلال وأهل الباطل تتشعب بهم الطرق» فأراد 
المصنف هنا أن يَمَثّل بصور من أنواع الضلال التي وقع فيها بعضهم؛ فبَيّن أنَّ 
من هؤلاء المتصوفة طائفة هم أعلاهم قدرّاء وهم مُستمسكون بما اختاروه- 
بهواهم- بأداء الفرائض المشهورة» واجتناب المحرمات المشهورة؛ ؛ فعنادهم 
استقامة على الفرائض المشهورة» واجتناب للمحرمات المشهورة؛ يعني: اتبعوا 
الأمور الظاهرة من الفرائض» واجتنبوا المحرمات الظاهرة 5-5 هذا 
الاستمساك ليس بقصد اتباع شرع الله عز وجل؛ لأن اتباع شرع اا 
وجل يون في الصغيرة والكبيرة» وفي الدقيق وفي الجليل! 
فذكرالمصنف أن من خصاهم أداء الفرائض واجتناب المحرمات 
المشهورة» وهذا أمر لم يُعرف عنهم انحراف فيه» لكن انحرافهم جاء من باب 
ترك الأأخذ بما أمروا به من الأسبابة فعَطلوا الأسياب الم امور بها شرعًا؛ إذ 
العبد مأمور بطلب الرزق» والرزق لا يأتي بدون أسباب» فلا بد من بذل 
الأسباب والسعي وطلب الرزق» لكن هؤلاء عَطّلوا هذه الأسباب» وظنوا أن 


ترك الأسباب من التوكل» وبالعالي شرعوا من الدّين ما لم يأذن به الله عز وجل؛ 
وجاءوا بمفاهيم فاسدة» ظانين أن العارف إذا شهد القَّدّر أعرض عن الأخذ 
بالأسباب. 

ويزعمون أن التوكل والدعاء- ونحو ذلك من الأمور الشرعية المطلوبة- من 
مقامات العامة. وأمّا الخاصة عندهم فهم الذين لا يتعلقون بالأسباب؛ 


ويقولوق: اذا توركل ولاذا تدعو وقد قد ر الله هذه امون ولا بددأنها تة 


لا محالة. 
وهذا بناء عل زعمهم أن من شهد القدَرعَلم أن ما قُدُرسيكون» فيشهد 
الحقائق الكونية القدرية. 


فهم إِذّا جبرية في باب القدرء وانحرافهم فيه هو الذي دعاهم هذه المقولات. 

لحن انحرافهم لم يكن من جهة فِعلهم للفرائض المشهورة» وتركهم 
للمحرمات المشهورة» وإنما كان من جهة ترك العوكل وترك الدعاء وترك هذه 
الأمور زعمًا منهم أنها تنافي الإيمان بالقدر. 

قال المصنف: «وهذا غلط عظيم فإِنَّ الله قَدّر الأشياء بأسبابها» كما قدر 
السعادة والشقاوة بأسبابهما؛ فبَيّن لمصنفُ أن هذا الزعم غلط عظي؛ 
لخالفته لنصوص الشرع» ووجه الغلط: أن الله عر وجل قد قَدَّر الأشياء 
ااا أرقا ا و ا كنا قور العاف و 
ا 6 اد عاملة ا ا ى 
قد طلب السعادة وأخذ بأسبابهاء وإن عمل بالمعاصي فقد أخذ بأسباب 
الشقاوة» والعياذ باللّه. 


-) 200 مامد م سر سس ا ل رسالة العبودية ) 
فتجد المؤمن يطلب السعادة بالطاعة؛ فيتقرب إلى الله بأداء الفرائض» 
ويجتهد في الإكثار من النوافل؛ لذا يزداد كل يوم قربًا من الله» وينتقل من خير 
إلى خير» ويبتعد عن الشرء وكل ذلك لأنه أخذ بأسباب السعادة. 
وأما الذي أقبل على المعاصي والذنوب فتجده بعيدًا عن الخير قريبًا من 
الشر؛ بل منغمسًا فيه؛ لأنه قد أخذ بأسباب الشقاوة. 
واستدل المصنف بقوله ل : الإنّ الله خَلَقَ للجَنَّة أهلاء خلقها لهم وهم في 
صضلاب آبائهم؛ ويعمل أهلٍ الجن ¿ يَعملون)؛ فاد اسا دخول الجنة لأن 
الله عز وجل قد قال: (جَرَاءً يما كانُوا يَعْمَلُونَ) في ثلاثة مواضع: في سورة 
السجدة آية (17)» وفي سورة الأحقاف آية (14)» وفي سورة الواقعة آية (24)» 
وقال سبحانه: (لَّهُمْ دار السام عِنْدَ رَيهِمْ وَهُوَّوَلِيُهُمْ بَا اوا يَعْمَلُونَ) 
السب 0 وقال کا جل لالت اما ای آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحاتِ فَلَهُمْ 
جات الْمَأَى ر بِمّا كانوا متتلوق ! #المصيف نم ,لاء هنا باءالسيية 
وليست باء المقابلة؛ لأن باء المقابلة هي باء الكّمن والعوض» فالعمل ليس ثمنًا 
للجنة: وإئما سب ادها 
فاش هم الحئٌّ كه بأنَّ الله كتب المقادير... إلى أن قال: «اعملوا؛ 17 e‏ 
لما خُلِقَ له»» فالعمل أصبح سبيّا؛ فأمرهم بالأخذ بالأسباب. 
فكل ها ام ر اله به عياده سن الخد بالأسباب قمر اة #الواهية عل 
العبد أن يأخذ بالأسباب وألا يتركها أبدًا ما دامت مشروعة» ولكنه مع ذلك لا 
يركن إليهاء وإنما يأخذ بالأسباب متوكلا على الله تعالى» مستعيئًا به عز وجل؛ 


ا 


فالتوكل مقرون بالعبادة» والعبادة سبب» لكنها مُقرونة بالتوكل» قال تعالى: 
(فاعبده) [هود:123]: هذا سبب؛ (وتوكل عليه)[هود:123]: وهذا- أيضّا- سبب» 
فالعبد يأخذ بهذا ويأخذ بهذاء كما قال سبحانه: [قل هوري لا إله إلا هو 
عليه توكلت وإليه متاب) [الرعد:30]. 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّه: (وهِمًا ينبي أن يُعلم: ما قاله طائفة 
من العلماء؛ قالوا: الالعفات إلى الأسباب شرك في العوحيد. ومحوٌ الأسباب أن 
تكون أسبابًا- نق في العقل. والإعرا عن الأسباب بالكلية قَدْحٌ في 
الشّرع. وإنّما العوكل والرجاء معنى يتألف من موجب التوحيد والعقل 
والشرع)(1). 

ويقول شارح «العقيدة الطحاوية): «قد طن بع الناس أن العوكل ينافي 
الاكتساب وتعاطي الأسبابء وأن الأمور إذا كانت مُقَدّرة فلا حاجة إلى 
الأسباب! وهذا فاسد؛ فإن الاكتساب: منه فرض» ومنه مُستحب» ومنه مباح» 
ومنه مکروه» ومنه حرام» كما قد عرف في موضعه. وقد كان الي #- أفضل 
التوكلينت ليس لا الحرب» ويمشي- في الأسواق للاكتساب» حت قال 
الكافرون: (مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق) [الفرقان: 7]. 


00 «مجموع الفتاوى) (8/ 169). 


| 202 ا | شرع رسالةالفيودية | 
ولهذا تجد كثيرًا من یری الااكتساب ينافي التوكل يُرزقون على يد من يُعطيهم؛ 
انمدق Oa‏ 

وقال ابِنُ القيم: «وفي الأحاديث الصّحيحة الأمر بالداوي» وأنّه لا يُنافي 
التوكل» كما لا يُنافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادهاء بل لا 
تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي تَصَبّها الله مقتضيات لمسبباتها 
قَدَرَا وشرعًاء وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل» كما يقدح في الأمر والحكمة 
ويُضعفه من حيث يظنٌ مُعطلها أن تركها أقوى في العوكل» فإن تركها عجرًا 
ينافي العوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في 
دينه ودنياه» ودفع ما يَضره في دينه ودنياه» ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة 
الأسباب وإلّا كان معطلا للحكمة والشرع؛ فلا يجعل العبد عجره تركلا ولا 
توكله عجرًا(2). 

وقال ايتككي ا فادها ل عليه هف الآيةه زوقا يذ 
داب في الْأَرْضٍ إلا عَلَ الله رِدْقُهَ [هود: 6 وليس المراد به: ترك التسبب 
والاعساد عل ما يأق من المخلوقين؛ لأنّ ذلك قد جم إلى ضد ما يرَاه من 
التوكل» وقد سثل أحمد عن رجل جلس في بيته أو في المسجد» وقال: لا أعمل 
شيئًا حتى يَأتيني رزق! فقال: هذا رجل جَهل العلم؛ فقد قال الي تل «إنَّ اللّه 
7 «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز (ص270)» دار السلام الطبعة المصرية الأولىء 


46ھ- 2005م. 
8 «زاد المعاد في هدي خير العبادا (4/ 15)ء مؤسسة الرسالة» بيروت» 1415ه/1994م. 


جعل رزق تحت ظلَّ رُمجي17) وقال: «لو توکلتم على الله حقَ توه لرزقكم 
طلب الرزق» قال: وكان الصحابة يَتّجرون ويّعملون في تخيلهم؛ والقدوةٌ 


بهه(3). 
52 


'' جزء من حديث؛ أورده البخاري تعليقًا في باب (مَا قِيل في الرّمَاح) (4/ 40)؛ وأخرجه ابن أي 

شيبة في امصنفه) (19401)» وأحمد في «المسند» (5114)» من حديث ابن عمر رضي الله عنهماء 

وصححه الألباني في «الإرواء» (1269). ولابن رجب الحنبلي رسالة ماتعة في شرح هذا الحديث» 

بعنوان: «الكّم الجديرة بالإذاعة من قول النبي :بعت بالسّيف بين يدي السّاعة). 

(2) اة أحمد في «المسند) (205)» والترمذي (2344) من حديث عمر َء وصححه 
الألباني في «الصحيحة» (310). 


)3( «فتح الباري» (11/ 305: 306)» دار المعرفة - بيروت» 1379ه. 


.)204 سس e‏ شرح رسالة العبودية ) 
قال المصنف رحمه الله «ومِنْهُم طْائِقَّة قد نرك المُستَحَبّات من الأَعْمَال 
دون الواجبّات» فتنقص بقدر ذَلِكَ). 
ا 
الناس متفاوتون في نظرتهم إلى مفهوم العبادة؛ سواء في فّهم حقيقتهاء أو في 
أدائهاء فذكر هنا شيخ الإسلام أن بعض الطوائف قد تترك المستحبات من 
الأعمال ويعكتفون بفعل الواجبات. 
وهذا ملموس مشاهد؛ فترى كثيرًا من الناس يقتصرون في أداء العبادات 
على ما كان من الواجبات» ثم يتركون النوافل والمستحبات من الأعمالء وهو لا 
يَعلم ما في هذه النوافل والمستحبات من جبر لما وقع من نقص في عبادته 
الواجبة؛ فكان من حكمة الله عز وجل ولطفه بعباده: أن جعل مع كل واجب 
نوعًا من المستحبات والنوافل من جنسه»ء ولذلك تجد الصلاة ها نوافل؛ منها ما 
هي سنن مؤكدة» ومنها ما هي مستحبة غير مؤكدة» وهكذا الصيام؛ والركاة» 
والحج» فكل واجب من الواجبات تجد معه جملة من النوافل ليتزود العبد من 
الخير» وليكون ذلك جبرًا لما وقع من نقص في فريضته. 
والناظو إل أحوال ا ف ااا يرى كيت تيمض اا 
بمجرد أن يُكَبَّر تتكبيرة الإحرام- قد يخرج من الصلاة وهو لا يدري ماذا قرأ 
الإمام؟ ولا ماذا صَنَّ؟ حتى قد يسهو الإمام في صلاة الجماعة ولا يُنبهه أحد؛ 
لكثرة ما يشغل بال المُصَلَّينَ» ولذلك قال رسول الله : إنَّ الرجل ليتنصرف 


وما كتب له إلا عر لاه ها تمنهاء سبعهاء سدسهاء خمسهاء زَيُعهاء 


ثلثهاء نصفها)(1). 

فالعبد قد لا يُقبل من صلاته إلا القليل؛ وقد لا يخرج بشيء من صلاته 
مع أنه حرص على حسن التطهر وإسباغ الوضوء والخروج إلى الجماعة» ولكن 
بمجرد نطقه بتكبيرة الإحرام تأتيه وساوس الشيطان» ويصرفه عن صلاه حتى 
لا رج متها إلا بيسي رمن الاجر 

ولذلك هو في حاجة إلى جبر هذا النقص وسد هذا الخلل؛ وهذا لا يحون 
إلا بأداء النوافل» ولذلك قال رسول الله 4: «إنَّ اول ما يحاسب به العبدٌ يوم 
القيامة مِن عمله صلاه؛ فإن صَلحت فقد أفلح وأنجح. وإن فَسّدت فقد خَابَ 
وخَسِرء فإن انتقص من فريضته شي قال الب عز وجل: انظروا هل لعبدي 
يِن تطوع؟ فيكمل بها ما انتقص من الفريضةء ثم يكون سائرٌ عمله على 
ذلك»(2). 

فالصلاة أعظم الأعمال بعد الشهادتين» وهي أول ما يحاسب عليها العبد 
يوم القيامة» ولعظم شأنها كان جزاء مّن لا يَستنزه من بوله» ويفرط في أمر 
طهارته لما: أن يُعَذَّب في قبره؛ لن الصلاة لا تصح إلا بالطهارة؛ ففي الحديث 
أن النبي 7 وقف على قبرين» وقال: «إنما ليعذبان وما يعذبان في كبيرء أما 
) أخرجه أبو داود (796)» وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (761). 
2) أخرجه أبو داود (864) والترمذي (413) من حديث أي هريرة يَيي» وصححه الألباني في 


«المشكاة» (1330). 


...| 206 7001 53*57 | شرح رسالة العبودية | 


أحدهما فكان لا يستتر من بولهء وأما الآخر فكان يمشي بالنميمةا(1)» 
وكذلك قال الحو : وَل ما يُقضى بين الاس في الدّماء)(2)» والخميمة بين 
الناس هي التي تلد الشحناء» ثم يعولد من هذه الشحناء استباحة الدماءء 
فلذلك يُعَذَّبِ الكَمّام في قبره. 

فالعبد يعلم أنه مهما اجتهد في أداء الواجبات فلا بد أن يقع منه تقصيرء 
وهو يعلم كذلك أن جميع عبادته لا قساوي أن تڪون ثمئًا لما أعده الله عز 
وجل من ثواب للعبد المؤمن. 

فهؤلاء الذين تركوا المستحبات من الأعمال دون الواجبات- ينقص أجرهم 
در ما دک امن هذه الممشحبات: 

فعلى العبد أن يَلزم هذه المستحبات وهذه النوافل وهذه السّننء وهي- بإذن 
الله- جبر لما تقص من واجباته» وزيادة في درجاته» ورفعة له وخير وإحسان 
ونور ق ذات نفسه. 

وليعلم العبد أن حياة القلوب إنما هي بهذه الأعمال الصالحة؛ فبتقدرما 
يعبر أوقاثه كلك الأغبال الصاظة يقدر ما تعر الأيسان قلبه ويودادفية: 
وهذا الإيمان نوريتلألاً في قلب المؤمن» كما قال الله عز وجل: (اللّه نور 
السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة 
كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد 


8 ره البخاري (218) ومسلم (292) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. 


2 أخرجه البخاري (6864) ومسلم (1678) من حديث عبد الله بن مسعود ذَلنَهُ. 


زيتها يضيء ولولم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضر.ب 
الله الأمثال للناس واللّه بكل شيء عليم) [النور:35]. 

فهذا المَكَل ضربه الله لنور الإيمان في قلب المؤمن؛ قال الحكيم الترمذي: 
اضرب المثل لنوره في قلب المُومن؛ ليُعلمه قدره ومنزلته» فده با حاضر على ما 
أعد له في الآجل... قكلام المؤمن نور وَعَمله نورء وكلاهره نورء وباطنه نور 
ومدخله في الأَعمَال نور» ومخرجه مِنْهَا نور» ومّصيره يوم الْقيَامَة إلى الثُور/(1). 

فحريٌ بالمؤمن أن يدرك هذه الحقيقة» وأن يُنير قلبه بهذه الأعمال 
الصالحة؛ فيحرص عل واجباته ويحافظ عليها ويؤديهاء ثم يتزود من النوافل 
ا لات و اسان ناذا تكن :هذا الور م فلب الو كان هنذا غوتا له 
على مزيد من الطاعات حتى يألفها؛ فيأنس بها ودسعد. 

أما من يتكاسل عنها فتثقل عليه؛ ويشق فعلها على نفسه. 

ونحن نرى الرجل المسن المريض يحرص على صيام التطوع بخلاف الشاب 
الجلد القوي الذي يثقل عليه صوم يوم من الأيام» وكذلك في سائر الأعمال. 

فعلى العبد أن يطلب العون والتوفيق من اللّه» ولذلك قال الي كَل لمعاذ: 
«يا معاذ» الله إني لأحبك» واللّه إفي لأحبك»» فقال: أوصيك يا معاذ: لا تَدَعَنَّ 
في بر كل صلاة تقول: الله أعتّي على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك»(2). 


«) «الأمغال من الكتاب والسَّئّة) للحكيم الترمذي (ص36) بتصرف يسير واختصارء دار ابن 


زيدون- بيروت- دمشق. 
2 أخرجه أحمد (22172)» وأبو داود (1522)» وصححه الألباني في «المشكاة) (949). 


208 سس يي 0 

فالله يعين العبد الذي أراد طاعته ورغب فيها ويقبل عمله ويجزيه عليه 
الأجر الجزيل؛ لم لا وهو القائل سبحانه: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) 
[الرحمن: 160 والقائل جل جلاله: (إِنَّ الَذِيِنَ آمَمُوا وَعَيِنُوا الس اات إا لذ 
نُضِيعٌ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلّا) [الكيف: 30]. 


50 


قال المصنف رحمه اللّه: «ومِنهم طائقَة يَغترُون يِمَا يحصل لهم من حرق 
عاد مثل: مكاشفة» أو استجابة دَغوة تُخَالمَة للعَادّة وتخو ذلك فيشتغل 
أحذهم هذه الأقور غا ام واا اک لت 

هذه الأمُور وتَحُوهَا كثيرا ما عرض لأهل السلوك والقَوَجُدا. 

ثم ذكر طائفة أخرى فقال: «ومنهم طائفة يُغترون بما يحصل لهم من رق 
عادة؛ مثل: مكاشفة» اوا دعوة مخالفة للعادة» و نحو ذلك)» ذ فبعض أهل 
السّلوك وبعض أهل التصوف وبعض أهل العبادة- يسعون ا اليه أن 
تكون طم نوع كرامة خارقة للعادة أو مُكاشفة أو استجابة دغرة كُكَالِقَة 
للعَادّة أو نحو ذلك ما قد يحصل هم» وأحيانًا يڪون هذا من تلبيس الشيطانء 

أَمّا العبد المؤمن فينبغي أن لا يشغل نفسه بحصول كرامات على يديه» وإنما 
هو مُنشغل بطاعة ربه» وَجلٌ مِن عدم قبوهاء وقد سألت عائشةٌ رضي الله عنها 
رسول الله 4 عن هذه الآية: (والذين يُؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) [المؤمنون: 
0 قالت عائشة: أهم الذين يشر بون الخمر ويّسرقون؟ قال: ١لا‏ يا نت 
الصّدِيقء ولكنهم الذين يصومون ويُصلون ويتصدقونء وهم يخافون أن لا 
قبل منهم؛ (أواغئك يُسارعون في الخيرات وهم لما سابقون) [المؤمنون: 1()]161). 


أخرجه ابن ماجه (4198)» والترمذي (3175)» وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» 


.)2537( 


.| 210 ل ل | شرع رمالةالفيودية | 

فهذا الخوف يلازم المؤمن ولا ينفك عنه إلا عندما ينقطع العمل و تحضر 
ساعة الموت عند ذلك يُكَلَبُ جانبَ الرّجاءء وقد «جَاءَ سابل إِلَ ابْن عْمَنَ فَقَالَ 
لابه أَعْطِدِ ديتاراء فَقَالَ لَه ابْنهُ : تقَبّلَ الله مِنكَ يا أَبَكاه! فَقَالَ: لَوْعَلِئْتُ أَنَّ 
لله تَقَبّلّ مي سج واحِدَك أَوْصَدَقَةَ دزي واحِدء لَمْ يڪن عَافِبٌ أَحَبّ ِل 
مِنَ المَوْتِ؛ أَتَدْرِي ممن يَكَقَبّلُ اللة: (ِنَّمَا يََقَجَلُ الله مِنَ المُتّقينَ) [المائدة: 
1[27(. 

قال ابن رجب رحمه الله: «وذا كانت هذه الآية يشتد منها خوف الّلف 
على نفوسهم؛ فخافوا ألا يكونوا من المُتّقين الذين يتقبل الله منهم»(2). 

ولذلك فمّن اتَقِى الله في العبادة حَسُّنت وقبلت منه» ومن لم يتَّقِهِ فلا؛ 
ولذلك لا يركنن العبد إلى عمله» وليعلم أن تعلقه باللّه عز وجل وليس بعمله. 

فبعض هؤلاء إذا ابتى وحصلت له استجابة دعوة مثلا- ظن أنه قد 
استحق الولاية» وأن هذه الولاية لا تنفك عنه؛ بينما العبد قد يعطى من النعم 
ما يكون ابتلاء» وليس كل ما أنعم اللّه به على الإذسان إكرامًا له؛ لأن الله قد 
قال: (فأما الإذسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه) [الفجر:15]؛ فسَّئَّى هذا 
الابتلاء إكرامًا وتنعيمًاء (فيقول ربي أكرمن وإما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه 
فيقول ري أهانن) [الفجر:15: 16]» ثم جاء الجواب بعدها: (كلا) [الفجر:17]؛ 
يقول ابن القيم: '(كلا) أي: ليس كل من وَمّعت عليه وأعطيته أكون قد 


أخرجه ابن عبد البر في «العمهيدا (4 / 256). 


(2) «جامع العلوم والمكم) (1/ 262). 


أکرمځه» ولا كلّ من صَيّقت عليه وقٌرت أكون قد أهنثه؛ فالإكرام: أن يُكرم 
الله العبد بطاعته» والإيمان به» وحبته ومعرفته. والاهانة: أن يَسلبه 00 

فكل هذا ابتلاء؛ قال الله تعالى: (وَتَبْمُوَكُمْ بالقحرٌ وا َير فة و 
تر جعون) [الأنبياء: 335]. 

فالعلم الذي أنعم الله به على العبد هو ابتلاء له» والمال الذي أعطاه الله عز 
وجل له هو ابتلاء له» والصحة ابتلاء؛ فكل نعم الله عز وجل على العبد إنما هي 
ابتلاء؛ ليمتحنه أيشكر أم يكفر؟ وسليمان عليه السلام لما جاءه عرش 
ملكة سبأ: [قال هَدَا مِنْ فَضْلٍ ري لِيَْلَوَنٍ اشكر اَم أكثْرُ وَمَنْ شَكَرَقَإنَمَا 
يَشْكْرُ فيه وَمَنْ كَفَّرَ قن ري غَنِئّ كَرِيم) [الحمل: 40]. 

وقد ق الله علينا قصة صاحب الجنتين؛ الذي قال: (ولكن رددت إلى ري 
لأجدن خيرًا منها منقلبًا) [الكيف:36]؛ فهذا مرض يَعتري بعض النفوس» حيث 
تظن أن إنعام الله سبحانه وتعالى عليهم معناه: رضا الله عنهم في الدنيا 
والآخرة. 

ولذلك حت طالب العلم لا بد أن يعلم أن كل علم يكتسبه هو ابتلاء له 
وأن ما حَصّله ليس جوله وقوكه» وإنما كان بقضل الله غليه» وأثة سيسأل تة 
يوم القيامة: قال رسول الله 7: «لا تزول قَدَمَا عبد يوم القيامة حتى يُسأل 


7" «مدارج السالكين» (2/ 413). 


-) 212 ْئ-زبذ-ذ-_ذبد-ب_1 1 0 0 0 0 210 شرح رسالة العبودية ) 
عن غمره فيما أفنااه وعن عِلمه فيم فَحَلء وعن ماله من أين اكتسبه وفيم 
أنفقه» وعن جسمه فيم أبلاه)(1). 

فسيسألنا الله عز وجل عن علمنا؛ فلا يظن من حصّل درجة علمية أو 
عق الل ا ع فى ا ا با اله نيع الل 
ا اا 

وقد يغتر الإفسان بعلمه» كما قد يغتر برؤيا رآهاء أو بدعوة استجيبت له؛ 
فيظن أنه بهذا قد وصل إلى ولاية الله تعالى» وهو لا يعلم أن هذا كله ابتلاء من 
الله عز وجل» وقد يڪون استدراجًا من الشيطان؛ لأنه قد يخيل إليه أمورًا 
ليست حقيقية» كما يخيل لبعض المتصوفة أنه يرى الله عز وجل؛ فيغتر ذاك 
الجاهل بهذا؛ لأنه لا يَعلم أن رسول الله قال: «تَعَلّمُو؛ أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ 
ٺڪ رب عر وَجَلَّ حى يَمُوتَ(2)) فالشيطان يدخل على هؤلاء من قِلَّة 
علمهم؛ فيّلَبْس عليهم مثل هذه الأمور. 

فهذه الطائفة إذا خرقت لما عادة أو حصلت لا مكاشفة أو استجيبت لما 
دعوة» اشتغل الواجد منهم بهذه الأمور» ويُصرف بهذه الحالة عن الاجتهاد في 
الخاد ال رر ديكو سسكون فة اد 

502 
'' أخرجه الداري (554) والترمذي (2417) من حديث أبي برزة الأسلي د وصححه 

الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (126). 


* أخرجه مسلم (2931) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. 


[لشيخ الإسلام ابن تيمية_) السو ا لاه 

قال المصنف رحمه الله «وإِنَّمَا ينجو العَبْدُ مِنْهَا بملازمة أَمْر الله الي 
بَعَتَ به رَسُولهه في كل وققتء كما قال الزُهْريٌ: «كآنَ مَن مَصَى مِن سَلَفِنا 
يَُولُونَ: الاغتتصام بالسّنَّةِ تجاة1(1). وذَلِكَ أَنَّ السّنَّة كَمَا قال مَالكٌ رمه اللّه: 
هثل سَفِينة وج من ركبا نجه ومن حل عَنْهَاعَرقَ)(2). 

عه 

على العبد أن يعلم أنَّ مدار أمره على طاعته لله سبحانه وتعالى» وأنه يحب 
عليه في جميع أحواله أن ڪون طائعًا لله مستجيبًا له عز وجل في السراء 
والضراء» وهو مأجور في ال حالتين» كما قال تَك: «عجبًا لأمر المؤمن؛ إِنَّ أمره كله 
خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سَدَاء شكر فكان خيرًا له وإن 
أصابته صَبَاء صَبَرء فكان خيرًا له/(3)؛ فالشكر عبادة والصبر عبادة» ولذلك 
جاء في الأثر: «الإيمان نصفان: نصف شكرء ونصف صبر)(4). 


' أخرجه الداري (97)ء واللالكاي مختصرًا في اشرح أصول اعتقاد أهل السنة) (1/ 62). 
(2) أخرجه الخطيب البغدادي في «تاريخ بغدادا (8/ 308)» والحروي في اذم الكلام وأهله) (5/ 
1) وابن عساكر في اتاريخ دمشق) (14/ 9). 


هجر 


9 أخرجه مسلم (2999) من حديث صهيب د. 
) أخرجه الشهاب في (مسنده (1/ 127) برقم (159)ء والبيهقي في (شعب الإيمان» (12/ 
2 )من حديث أفس ل مرفوعًا» ورمز السيوطي لضعفه في «الجامع الصغير» (1/ 276)» 


وقال الألباني في «الضعيفة» (625): اضعيف جدًا). 


| 214 مسي سروس مسب | شرح رسالة العبودبة ) 

فالإنسان يدور بين الصبر والشكرء والصبر أنواع ثلاثة كما ذكر العلماء: 
«الصبر على طاعة اللّه تعالى» والصبر عن معصيته» والصبر- أيضّا- على النائبات 
وأنواع المكاره في الدنيا(1)؛ فلا بد من الصبر والأخذ بأسباب النصر. 

فالنجاة والمخرج والطريق الصحيح المستقيم للعبد أن يدور مع أمر الله 
وأمر رسوله بل وعليه أن ينظر في كل وقت وفي كل حال إلى أمر الله وأمر 
رسوله 7 له» ويسلك سبيل العلم ليحصل معرفة ذلك ثم يقوم بواجب العمل 
بمقتضى ذلك فالىجاة أن يكون العبد موافقًا مهدي المبي ؛ إذ أمر الله 
باتباعه فقال: (وَمَا تام الَسُولُ قَخُدُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [الحدر: 
7» ولذلك قال الزهري رحمه اللّه: «كان من مضى من سّلفنا يقولون: 
«الاعتصام بالسنة نجاة). 

فإذا أراد العبد أن ينجو وأن يحقق العبودية الحقة لله عز وجلء وأراد أن 
يستقيم له فكره وإرادته وجوارحه- فما عليه إلا أن يعتصم بالسنة ويّلزمها 
علمًا وعملا وإرادة وسلوكًا وتفكيرًا؛ فالاعتصام بالسنة يهدي إلى الحق في كل 
باب وفي كل حال وفي كل وقت؛ لأنها وسط بين الإفراط والتفريط. 

وهذه الموازنة قد يفقدها الإنسان بسبب ظن خاطى؛ فعلى سبيل المغال إذا 
أراد أن يفاضل بين عبادة وأخرى» فالسنة هي التي تبين له أيتهما أولى وأحق 
بالتقديم. 


' انظر: اشرح النووي على مسلم) (101/3)» دار إحياء التراث العربي» بيروت» الطبعة الخانية» 


2ه 


فالقصد أن ينظر الإنسان إلى ما جاءت به السُّنَّةِ فهي كسفينة نوح عليه 
السلام مّن ركبها نجاء ومّن تخلف عنها غرق. 
502 


...| 216 771119099090900 | شرح رسالة العبودية | 


قال المصنف رحمه اللّه: «والعبّادَة والطّاعَة والاستقامة ولُرُوم الصّرَاط 
المُسْتَقيم وتخو ذلك من الْأَسْمَاء- مَقصودها واجدء وها أصلان: 

أدهت أن ل يُعبد إل اللّه. 

والقاني: ألا يَعبده إلا بِمَا أَمَرَ وشَرَع لا يُعبده يكير ذلك من الْأَّهُواء 
والظْنُون والبدع؛ قَالَ تعَالَ: (فَمن كَانَ يجو لِقّاء ربه فليعمل عملا صَالًَا 
و شرك د بعبّادة ربه أحدًا) [الكهف: 110]» وقال تعالى: ب من أسلم وجهه لله 
a aa‏ اتوك لكي :112[ 
وقال تعالى: (ومن أحسن دين مِمّن أسلمَ وجهه لله وهُو محسن واتبع َة 
إبراهيم ادا إبراهيم خَلِيلًا) [النّساء: 125]. 

َالعَمَلُ الصّالح: هو الإخسّان وهو فِعل التستاتء والحسنات: هي 
الله يشوك ر ما أمر به أمر ]كاب أو اتلاي 

ot‏ لكلاب رارق مين اام 
وان الا من قال وعمل بها من عيل- ليست وة ِن الله ل 
بها ولا رَسولهء فلا ڪون من ال حسَتات ولا من العمل الصّالحء كَمَا أنَّ مَن 
يعمل مَا لا جوز؛ كالقَواحش والظلم لَيْس من الحسّتات ولا من العَمَل 
الصّالح. 

وأما قول ول ك بعبادة ريه أحدًا) [الكهف: 110]» وقوله: (أسلم وجهه 
لله [البقرة: 112]- فهو إخلاص الدّين لله وحده. وكآنَ عمر بن الشاب يَقُول: 


2 
احبه 


لشيخ الإسلام ابن تيمية ) OF ae‏ 
«اللَّهُم اجعَل عمل 5 عانق اج اسيك حالص ول تجْمَل لأحد فيه 
فكاو 02 

وقَالَ الفُضيل بن عِيَاض في قوله تعالى: ليبوم أَيُكُم أحسن عملا) 
أهرد: 7 قال: لأخلصه وأصوبه). قَالُوا: يا ابا ع ما أ خلصه اض قَالَ: ِن 
الل ذا گان حالصا ولم يڪن صوابًا لم يُقبل» وإذا ن صَوَاًا ولم يكن 
خَالِضًا لم يُقبل حى يكون حَالِصًا صَوابَاء وا خالص: أن يكون لله والصّواب: 
أن يكون عل السّنّةا(2). 

كه 
من رحمة الله بعباده وهو أرحم الراحمين أنه لما فرض عليهم عبادته 

وجعلها مبنيةٌ على حبّته ورجائه وخوفه» أوضح همم بعد ذلك شروط صحة تلك 
العيافة و انها لذ مكرن حا اة عمده ال إذاسوافرف فيهنا هذه 
الشروط التي دل عليها الكتابُ والسُّنَّةُ وإجماع الأمّةء وهي: 

شروط صحة العبادة: 

الشرط الأول: الإخلاص» وهو لَب الدّينء وعموده الأعظم. 

تعريف الإخلاص: 

الإخلاص لغة: 

وهو لغة: اتصفية الشيء وتنقيته؛ يقال: خلص الشي-ء من الشوائب: إذا 


'' أخرجه أحمد في «الزهد» (ص 97). 


(2) أخرجه أبو نعيم في الحلية» بسنده عن إبراهيم بن الأشعث أنه سمع الفضيل يقوله (8/ 95). 


.| 218 ا ا O‏ | شرع رضالةالفيرد يه | 
صفاء وأخلص الشيء: تناه وخلّصه: أزال عنه ما يكدرء[1). 

الإخلاص شرعًا: 

تَتّعت عبارات العلماء في المراد به شرعًا: 

فقيل: هو قصد المعبود وحده بالعبادة» كما قال تعالى: ( ولا يشر بِعِبَادَةٍ 
ويه o aE‏ 

وقيل: تخليص القلب من کل شوب يُكدَّر صفاء.(3). 

وقيل: أن يون الداعي إلى الإتيان بالمأمور وإلى ترك المنهي إرضاء 
الله سيحانه وتعال 140 

والتعريفات متقاربة» ومدارها على أن يريد العبد بطاعته التقرّب إلى الله 
سبحانه دون أي شيءٍ آخر من تصنّع المخلوقٍ أو اكتساب محمدةٍ عند الناسء 
أو حبة مدح من الق أومعق من المعانق سوئ العقرب به إلى الله تعال(5). 

أهل الإخلاص: 

أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة للني كلل هم: من كانت أعماطم كلها 
للّهء وأقواطهم للّه» وعطاؤهم للّهء ومّنعهم للّه» وحُبهم لله وبُغضهم لله؛ فمعاملتهم 


انف امعجم مقاييس اللغة) لابن فارس (2/ 208)» و«المصباح المنير) للفيوي (94). 
عمدة الحفاظ (600/1). 

التوقيف على مهمات التعريف ص (43). 

ا الع ير والعتوير (318/23): 

'”) انظر: «العبادة.. تعريفها. أركانها. شروطها. مبطلاتها» لسليمان العثيم (ص 39: 40). 


ظاهرًا وباطتًا لوجه الله وحده؛ لا يريدون بذلك من الناس جزاءً ولا شكوراء 
ولا ابتغاء الجاه عندهم وطلب المحمدة والمنزلة في قلوبهم ولا هربًا من ذمَّهم؛ 
بل قد عدوا الناس بمنزلة أصحاب القبور لا يَملكون لهم ضرا ولا نفعًا ولا 
E‏ 

الأدلة عل شرط الإخلاص: 

وردت أدلّةٌ كثيرة في الكتاب والسّنَّة مُقَّرةَ هذا الشرط؛ فمن الكتاب: 

فواامال انر اقبي عي 391 ن ا ەر اع 
وجل» فقال: (قُل إَِّما أمرْتُ أَنْ أَعْبّد الله وا أَشْرِكَ يه) [الرعد: 36 وقال جل 
جلاله: (قل إن أَمِرْث أَنْ أَعْبُدَ الله علصا له الدّينَ) [الزمر: 11]» وقال تعالى: 
قل الله أَعْبُدُ لصا له ديني) ازمر فاق رتال دل وهل تش كاسنا سير 
به الؤمفونة رقا آمو لان ال خلضين له آل خاد رة 
5 وقال تعالى: (ومًا لِأَحَدِ عِنْدَهُ مِنْ يِْمَةٍ تجرَى * إلا اتا وجه رَبِّدِ الأَْلّ * 
وو يَرْطى) [لليل: 121-19 وقال عر وجل: (لَنْ يال الله مها ول 
دِمَاوُهَا ولَكِنْ يََالَهُ التَقُوى مِنْكُمْ) [الحج: 37]» وقال جل وعلا: (فَمَنْ گان 
يَرْجُا لِقَاءَ رَبّْهِ فَليَعْمَل عَمَلا ضَاِتًا ولا يُشْرِكُ بعِبَادَة ريه أَحَدّا) [الكيف: 10]. 

ومن السّنة: 

قال عليه الصّلاة والسّلام: «إنّما الأعمال بالتيات» وإِنّما لكل امرئ ما 
نوى؛ فمّن كانت هجرته لدنيا يُصيبها أوامرأة يَنكحها فهجرته إلى ما هاجر 


0 «مدارج السالكين» لابن القَيّم (1/ 83)» دار الكتاب العربي» بيروت. 


| شرح رسالة العبودية‎ | sait ao aaa EN 220 |... 


إليه(1). 

وقال 5: الإن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر 
إلى قلوبڪم»(2). 

وعن أبي موسى الأشعري د قال: سئل رسول الله 5 عن الرجل شّجاعة 
ويقاتل حَييّة ويقاتل رياء» أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله : من 
قَائَلَ لتتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل اللّه)(3). 

نيت الأدلة تدل على وجوب إخلاص النية في جميع العبادات. 

أهمية الإخلاص: 

الإإخلاص شرط لصحة العمل وقبوله إن كان عبادة محضة؛ كالصّلاة والزكاة 
والصيام والحج والطواف وقراءة القرآن» وشرط لحصول الشواب إن كان غير 
ذلك؛ كال كل والشرب والوم والكسب ونحو ذلك. 

وما أعظم مقام الإخلاص عند اللّه! وما أشقَه على النفس! لذا جديرٌ 
بالمسلم أن يجاهد نفسه ويحاسبها في كل قول وعمل؛ بل وفي كل مقام ولحظة. 

قال سهل ين غيت الله: اليس عل النفس شيء أشق ق من الإخلاص؛ لاه 


که البخاري (1)» ومسلم (1907) من حديث عمر بن الخطاب 5© ی 
أخرجه مسلم (2564) من حديث أي هريرة ذَلِتَهُ. 


ا البخاري (2810) ومسلم (1904)» وهذا لفظ مسلم. 


EE ليس‎ 

وقال يوسف بن الحسين الرازي: «أعرٌ شيء في الدنيا الإخلاص»؛ وكم 
أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي» وكأنه ينبت فيه على لون آخر»(2). 

فعمل القلب هو روح العبودية ولَّهاء فإذا خلا عمل الجوارح منه كان 
كالجسد الميت بلا رُوح» والنية هي عمل القلب. 

والكلام في مسألة المَيّة شديد الارتباط بأعمال القلوب ومعرفة مراتبها 
وارتباطها بأعمال الجوارح وبنائها عليها وتأثيرها فيها صحة وفسادًاء وإنّماهي 
الأصل المراد المقصودء وأعمال الجوارح تَبَعّ ومكمّلة ومتمّمة» وأنَّ النية بمنزلة 
الروح» والعمل بمنزلة الجسد للأعضاءء الذي إذا فارق الروح فمَوّات» وكذلك 
العمل إذا لم تتصحبه النية فحركة عابث؛ فمعرفة أحكام القلوب أهم مِن معرفة 
أحكام الجوارح؛ إذ هو أصلهاء وأحكام الجوارح متفرّعة عنها. 

والمؤمنون العارفون باللّه وبأمره قاموا له بحقيقة العبودية ظاهرًا وباطًاء 
وقدَّموا قلوبهم في الخدمةء وجعلوا الأعضاء تبعًا لماء وهي حقيقة العبودية» ومن 
المعلوم أنَّ هذا هو مقصود الربٌّ بإرسال رُسُله وإنزال كُتُبه وشرعه شرائعه. 
ومّن تأمّل الشريعة في مصادرها ومواردها علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال 
القلوب» وأنها لا تنفع بدونهاء وأنَّ أعمال القلوب أفرض عل العبد من أعمال 
الجوارح» وهل يُميز المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كل واحد منهما من 


ذكره عنه ابنُ رجب في «جامع العلوم والحكم) (1/ 84). 


| شرح رسالة العبودية‎ | sais n A EG 222 |... 


الأعبال الى رت يها وهل يكن لا حو الشول ق الا إلا بعسل 
قلبه قبل جوارحه؛ فعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم؛ فهي 
واجبة في كلّ وقت» وطهذا كان الإيمان واجب القلب على الدوام» والإسلام 
واجب الجوارح في بعض الأحيان» فمركب الإيمان القلب» ومركب الإسلام 

إن أساس القبول لاي عبادة هو إخلاص القلب فيها لله تعالى؛ فإن حقيقة 
العبادة لست شآ فقط» اننا هي فر علق بالقلب» وينبع من الرّوح؛ فإذا 
لم يَضْدّق قلب المسلم في عبادته» ولم يُخلص لله في طاعته- صارت كالجسد 
بلا رُوح» وساعتها يردها الله عليه؛ قال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله 
مخلصين له الدين حنفاء) [البينة: 5]» وقال :(إنا أنزلها إليك الكتاب بالحق 
فاعبد الله مخلصًا له الدّين) [الزمر: 2]» وقال: (قل إفي أمرت أن أعبد الله مخلصًا 
له اين [الزمر: 11]ء وقال: (قل الله أعبد مخلصًا له دينى) [الزمر: 14]. 

فالقلبٌ هو الأساس في الإسلام» وهو مَوضع نظر الله تعالىك ومحل عنايته 
وهو مُستند القبول والفلاح في الآخرة وفي هذا يقول الرسول 7 إن الله لا 
ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم؛ ولكن ينظ رإلى قلوبكم)(2)» ويقول: 
(ألا إن في الجسد مُضغة إذا صلحت صاح الجسد كله وإذا فسدت فسد 


020 انظر «بدائع الفوائد) لابن القيّم (187/3- 193). 


9) أخرجه مسلم (2564) من حديث أي هريرة َء وقد تقدم. 


المجسد كله؛ ألا وهي القلب170)» ويقول الله تعالى: [وأَْلِفَتِ انه ِمتَقِينَ غَيْرَ 
غَيْرَبَعِيدِ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لل اواپ حَفِيظٍ * مَنْ حي البَحْمْنَ بالعَيْبٍ وجَاءَ 
بقلب منيب * ادْخُلُوهَا بِسَلَاءٍ ذَلِكَ يَوْمُ الود [ق: 31- 34]. 

أثر الإخلاص في الأعمال: 

إِنَّ الإخلاص يشترط في كل عمل شرعه الله ليُتعبد به ويُتقرب به إليه» وقد 
هاجر أحدٌ المسلمين في زمن الي ب من مكة إلى المدينة من أجل امرأة يريد 
الزواج بها تُعرف بأم قيس» سمي «مهاجر أم قيس)(2). 

وفي هذا الشأن حَدَّئهم البي ي ذلك الحديث الجامع الذي عَدَّه بعض 
المُحَدّئين ربع الإسلام أو تله أونصفه؛ والذي افتتح به الإمام البخاري 
الجامعه الصحيح): إِنّما الأعمال بالنيات» وإنما لكل امرئ ما نوى؛ فمّن كانت 
هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» ومن كانت هجرته إلى دنيا 
يُصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)[3). 

وهذا الحديث أجمع علماء الإسلام في كل اختصاص على تلقيه بالقبول(4). 

وقيمة (النية) ع الإسلام 5 تعتمد عل هذا الحديث وحده» وإنما تعتمد عل 
نصوض وأحاديك كثيرة مستفيضة: تعطى ف جموغها يقتا جاوما يان 
اكيت البخاري (52) ومسلم (1599) من حديث النعمان بن بشير ك. 
انظر: «شرح الأربعين النووية» لابن دقيق العيد (ص 27). 
رجه البخاري (1): ومسلم (1907) من حديث عمر بن الخطاب د وقد تقدم. 
انظر: «شرح الأربعين النووية» لابن دقيق العيد (ص 24ء 25). 


tn A EGR Oa 224 |...‏ د د ان دل ا 1 1 21 | شرح رسالة العبودية | 


الأعيال الات وان لكل مرق مات ولو جد كا كد الترفيت 
والترهيب» للحافظ المنذري مغلا لوجدناه يَذكر في فضل النية الصالحة أحد 
عشر حديثاء وفي الترغيب في الإخلاص ثلاثة عشر حديثاء وفي الترهيب من 
الرياء أكثر من ثلاثين. 

فهذه المجموعة من الأحاديث وما شابهها- مع ما جاء في القرآن من آيات- 
هوالسند اليقين لقيمة النية في الأعمال. 

الشرط الثاني: المتابعة: 

تعريف المتابعة: 

معنى المتابعة: أن تحكون عبادة المسلم تابعة لا جاء عن الله ورسوله كَل 
وهذا هو تحقيق شهادة أنَّ محمدًا رسول الله وهو طاعته فيما أمرء وتصديقه 
فیا أخبرة والجستاب ما علق عه وفسن واا تعد اللة إلا يما شرع عليه 
الصلاة والسّلام. 

الأدلة على وجوب هذا الشرط: 

أو من القرآن: 

قوله تعالى: (ومًا آَنَاكُمُ الرَسُول فَخُذُوهُ وما نَهَاكُمْ عَنْهُ قَانْتَهُوا) [المدر: 
7 وقوله جل وعلا: (ومًا أَرْسَلنَا مِنْ رَسُولٍ إلا لطاع بِإِذْنٍ اللِّ) [النساء: 
4 وقوله سبحانه: رمن بطع البَسولَ ققد 25 اللَّه... [النساء: 80]» وقوله 
جل وعلا: (ومًا گن لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمَِةٍ إا قَصَى الله ورَسُولَة أَمْرًا أن يَحُونَ 
َهُمُ الخِيرَةٌ مِنْ مر هم [الأحزاب: 36]. 

ثانيًا: ومن السّنَّة: 


ما رواه مسلم في (صحيحه» عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال 

رسول الله : «مّن عَيِل عملا ليس عليه أمرنا فهو رَد)(1). 

وفي رواية عنها- رضي الله عنها- أيضًا: «مَّن أحدث في أمرنا هذا ما ليس 
منه فهو رةٌ)(22» أي: مردود عليه غير مُتََبّلَ منه كائنا من كان. 

وفي معرض ذكر أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة قال ابن القيم رحمه الله: 
«وكذلك أعمالهم كلها وعبادتهم موافقة لأمر الله ولا يحبه ويرضاهء وهذا هو 
العمل الذي لا يقبل الله من عامل سواه» وهو الذي ابتلى عباده بالموت والحياة 
لجل قال مال (الدي كلق التذك را الف وع 
[الملك: 2]. وجعل ما على الأرض زينة ها؛ ليختبرهم أيهم أحسن عملا. 

قال الفضيل بن عياض: «العمل الحسّن هو: أخلصه وأصوبه قالوا: يا أبا 
علي» ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إِنَّ العمل إذا كان خالصًا ولم يڪن صوابًا لم 
يُقبل» وإذا كان صوابًا ولم يڪن خالصًا لم يُقبل حتى يكون خالصا وصوابًاء 
والخالص: ما كان للّه. والصّواب: ما كان على السَّنَّة)... فلا يقبل الله من العمل 
ااج ا أمرى واغين ذلك رر فل كال 


برد عليه اچ ما هو إليه هباءً منغورًا)(3). 


9 خر چ هة عسل (1718): 

اکا البخاري (2697) ومسلم (1718) من حديث أي هريرة د. 

9 «مدارج السالكين» (1/ 104ء 105)» دار الكتاب العربي- بيروت» الطبعة الغالغة» 1416ه- 
6م 


E 226 |.‏ | شرع رضالةالعيرد يه | 

جماع هذه الشروط: 

وقد جمع الله بين هذه الشروط الغلاثة في آية واحدة؛ فقال تعالى: (ومَنْ 
خسن ديا مِمّن أَسَْمَ وجْهَهُ ِل وهو بحي واتَّبّعَ مل راهيم حَنِيمًا وقد 
اله إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) [النساء: 125]. 

وبيان ذلك: 

العبرط الأول الإنعلااص» وديل قوله الاش و ل اتك 
5] الاية. 

والشرط الغافي: المتابعة» ودليلها: قوله سبحانه: (وهُو َيِل [النساء: 
5 والمحسن: هو ما كان عمله وَفْق ما جاء عن الله وعن رسوله کل 

الشرط الغالث: صحّة المعتقّده ودليله قوله جل جلاله: (واتبَعَ مِلَة إِبْرَاهِيمَ 
حَنِيفًا...) [النساء: 125] الآية. 


ا 


قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية: «أي: لا أحدَ أحسن من 
دين مّن مع بين الإخلاص للمعبودء وهو إسلام الوجه للّهء الال على استسلام 
القلب وتوجُهه وإنابته وإخلاصه؛ وتوجّه الوجه وسائر الأعضاء لله. (وهو) 
[النساء: 125] مع هذا الإخلاص والاستسلام (نُحسن) [النساء: 125] أي: مُتَّيِع 
لشريعة الله الى أرسل الله بها له وأنزل بها که ولا طريقكا خراص 
غه و ا اه 

(واتبع ملة إبراهيم) [النساء: 125] أي: دينه وشرعه. 

(حنيقًا1 [النساء: 125] أي: مائلّا عن الشرك إلى التوحيد وعن العوجّه 


للخلق» إلى الإقبال على الخالق)(1). 

فلا بد من توفّر هذه الشروط في العبادة حتى تڪون صالحةٌ مقبولةً عند 
الله عر وجل. أمَّا إذا اختلّ شرظ من هذه الشروط فإنَّها لا تصحٌ» وبالعالي لا 
تنفع صاحبهاء بل تتكون وبلا عليه في الدّين والدّنيا والآخر:(2). 

أقسام الاس في شروط صحة العبادة 

الناس مُنقسمون في هذا الباب إلى أربعة أقسام: 

أحدها: أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة: 

(الإخلاص): إذ إِنَّ أعمالهم كلها لله» وأقوام للّه» وعطاءهم للّه» ومنعهم 
للّه» وحُبَّهم لله» وبُغضهم للّه؛ِ فمعاملتهم ظاهرًا وباطنًا لوجه اللّه وحده لا 
يُريدون بذلك من الناس جزاء ولا شكوراء ولا ابتغاء الجاه عندهم» ولا طلب 
المحمدة» والمنزلة في قلوبهم» ولا هربًا من دَمّهمء بل قد عََدُوا الناس بمنزلة 
أصحاب القبورء لا يملكون لهم ضرًا ولا نفعًاء ولا موا ولا حياة ولا ذشورًا؛ 
فالعمل لأجل الناسء وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم؛ ورجاؤهم للضر والخنفع 
منهم- لا يكون مِن عارف بهم البتة» بل من جاهل ڊشأنهم» وجاهل بربّه؛ فمّن 
عرف الاس نزم منازلهم؛ ومّن عرف الله أخلص له أعماله وأقواله» وعطاءه 


0 «تفسير السعدي» المسمى: اتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان» (ص 206)» مؤسسة 


الرسالة» الطبعة الأولى» 1420ه- 2000م. 
اظ «العبادة.. تعريفها. أركانها. شروطها. مبطلاتها» لسليمان العثيم (ص 48- 51). 


| 228 ومح حوس وود وو ص وت | رع رسالة العبودية ) 
ومنعه وحبه وبغضهه ولا يُعامل أحد الخلق دون الله إلا لجهله بالله وجهله 
بالخلق» وإلا فإذا عرف الله وعرف الناس آثرٌ معاملة الله على معاملتهم. 

(المتابعة): وكذلك أعماهم كلها وعبادتهم موافقة لأمر الله» ولا يحبه 
ويرضاه» وهذا هو العمل الذي لا يُقبل الله ين عامل سواه وهو الذي ابتلى 
عباده بالموت والحياة لأجله؛ فلا يقبل الله من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه؛ 
على متابعة أمره» وما عدا ذلك فهو مردود على عامله؛ يُرد عليه أحوج ماهو 
إليه هباء منثورًاء وکل عمل بلا اقتداء؛ فإِنّه لا يزيد عامله من الله إلا يُعدَاء 
فإنَّ الله تعالى إنما يُعبد بأمره» لا بالآراء والأهواء. 

القسم الثاني: مَنْ لا إِخْلاص لَه ولا مُتَابَعَةَ: 

يس عَمَلَه مواقا إشزع» ولیس هو حالصا للمَعْبُووه كأَغْمَالٍ المتَريّيِينَ 
لاسء المُرَاثِينَ لهم ب ما َم يَشْرَحْهُ الله لله ورَسُولً :5 د يَرْتَحبُونَ الأمورالتي لم 
يشرعها اللّه» ويجمعون معها الْريَّاءَ والسمعة ف فَيُحِبُونَ أن موا بما ل يَفْعَلُوُ 
مِنَ الإتّباع والإخْلاصِ والعلم. 

القسم الثالث: مَنْ هُو ِْم في أَعْمَالِه لَكِنَهَا عل غَيْر مُتَابَعَةِ الأَمر: 

بعض الناس يَظهر عليه الإخلاص في عمله» لكنه يفعل أمورًا خالفة 
للشرع؛ کمن يی أن مُاصََةَ صم اهار بالَيْلٍ قرب أن صِيَام يم فظر 


الَا قُرْيَة وأَمْمَالٍ َلك وقد جاء الشرعٌ بالتي عن مواصلة الصوم؛ فعَنْ 


عَبْدِ الله بن عْمَرَ رضي الله عنهما قَالَّ: تج ر سول الله يله عَن الوصَال؛ قَالُوا: 
لَك تُواصِلٌ. قال: (إفْ لَسْتُ كَهَيْتتحُنء إ أظعم وأسقى17). 


م اضر 


وما صيام يوم العيد؛ فقد ثيت عن أبي هريرة ##: «أن رسول الله 86 


تھی عن صيام يومين: يوم الأضجء ويوم الفطر)(2). 

ومن هذا الباب ما جاء في حديث أفس ي قال: اجاء ثلاثة رهط إلى 
بيت أزواج ايء وسألون عن عبادة الى فلما أخبروا كأنهم تقالوهاء وقالوا: 
اين نحن من الكَي؛ قد عفر له تقدّم مِن ڏنبه وما تأخَّرا ؟! قال أحدهم: E‏ 
فأصلي الليل أبدًا. وقال الآخر: وأنا أصوم الكعرولة انش وفبال الآخر: وكا 
أعتزل النّساء فلا أتزوج امكاح كات وسو الله إليهم؛ فقال: اأنتم الذين قُلتم 
كذا وکذا؟! أَمَا واللّه إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لني أُصومُ 58 > اأص 
وأرقده وأتزوج النّساء؛ فمّن رَغِبِ عن سني فليس مني)(3). 

القسم الرابع: مَنْ أَعْمَالَُ َل مُتَابَعَةِ الأمْرِ لَكِنّها لَِيْرِ الله 

كَطَاعَةٍ المُرَائِينَ وگالرَجُلِ يُقَاتِلُ رِيَاءً ويي وقَجَاعة ويج يقال ويَقَرَا 
القَرآ نَ لِيُقَال؛ فهو أعمَالُمْ اورا أَعْمَالُ اج امو راف 
ماه لا ن الله سجاه رال قال زا امكو إلة لاتغت وا ا 


9 أخرعه عسل (11062): 
7 أخرجه مسلم (1138). 


ا البخاري (5063) واللفظ له» ومسلم (1401). 


a 000000000 230 |...‏ | شرح رسالة العبودية | 
لصي له الي [البيدة: 5 فَكُلُ أَحَي ل مُؤْمَرْإِلَا بوم اد الله يما أَمَنَ 
والخفلاض قال 

ودليله: حديث أي هريرة ف قال: ١حَدَّئنى‏ رسولٌ الله يل أنَّ اللّه تبارك 
وتعالى إذا كان يوم القيامة يَنزل إلى العباد؛ ليتقضي بينهم وكل أمة جاثية؛ فال 
من يدعو به رجل جْمَعَ القرآنَ ورجل يقتل في سبيل الله ورجل كثير المال؛ 
فيقول الله تبارك وتعالى للقارئ: أَلّم أَعَلَّمُك ما أنزلتُ على رسولي؟ قال: بلى يا 
ربٌّ. قال: فماذا عملت فِيما عُلَّمْتَ؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار. 
فيقول اللّه تبارك وتعالى له: كَذَّبْتَء وتقول له الملائكة: كَدَْتَ» ويقول اللّه: 
بل أردتَ أن يُقال: فلان قارئ؛ فقد قيل ذاك! ويؤق بصاحب المال فيقول اللّه 
له: ألم أوَسّع عليك حت لم أَدَعَكَ تحتاج إلى أحدِ؟ قال: بى يا ربّ. قال: فماذا 
عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصِل الرّحم وأتصدق! فيقول اللّه له: گدّبت» 
وتقول الملائكة له: كذبت» ويقول اللّه: بل إِنّما أردت أن يُقال: فلان جَوّاد 
فقد قيل ذاك» ويؤق بالذي قل في سبيل اللّه؛ فيقال له: في ماذا قتلت؟ فيقول: 
أمرت بالجهاد في سبيلك» فقاتلتُ حتى قُتلت! فيقول اللّه له: كذبت» وتقول له 
الملائكة: كذبت» ويقول الله: بل أردتَ أن يقال: فلان جَّريء؛ فقد قيل ذاك). 


' «مدارج السالكين» (1/ 104- 106). 


ثم ضرب رسول الله 4 رُكبتي؛ فقال: «يا أبا هريرة» أولفك الثلاثة أوَّلُْ خَلق 
اللّه تُسَعّربهم الثّار يوم القيامة)(1). 

فإذا أراد الإفسان أن قق عبادة الله عز وجل» وأن يَصضل إلى هذه الغاية: 
أن يكون مِن أهل هذه الطاعة والعبادة ومن أهل صراط الله المستقيم؛ ممن 
استقام على شرع الله عز وجل؛ فعليه أن يحقق هذين الشرطين-: الإخلاص 


والمتابعة- في كل عمل. 
502 


00 اكرنحه الترمذي (2382) والنسائي في «الكبرى) (2382)» وصححه الأاباني في ااصحيح 
الجامع) (1713). 


.) 232 مسسسس سس سس شرج رسالة العبودية ) 

قال المصنف رحمه اللّه: «قَإن قيل: فَإذا گن جمِيعُ ما يبهُ اللّه داخِلا في اسم 
العِبادةء فلماذا عطف عَلَيّهَا غَيرمَاء كَقَوْلِهِ في فَاتحَةَ الكتاب: (إياك نغبد وإِيّاك 
فستعين) [الفاتحة: 5]» وقوله لتبيه: (فاعبده وتوكل عَلَيْهِ) [هود: 123]» وقول نوح: 
(اعبدوا الله واتقوه وأطيعون) [نوح: 13 وكَدَلِكَ قول غَيرهِ من الرُسّل؟ 

قيل: هذا لَهُ تَظَائْ كَمَا في قوله: (إن الصَّلاة تنهى عَن المَحْشَاء والمُنكر) 
اکت ناه والحشاء من الیک وكدَلِكَ قرف (إن الله يَأمريَالعَدل 
والإِحْسَان وإيتاء ذِي القَرّْقَ وينهى عن الفَحْشَاء والمُنكر والبَغي) [التخل: 50]» 
وإيتاء ذِي القُرْقَ: هُو مِن العَدْل والإخْمَانء كما أن المَحْمَاء والبَغي من 
المُنكر. وكَذَّلِكَ قَوْله: 57 يمَسكون بالكتاب أا ال ورف 
0 وإِقَامَة الضصّلّاة من أعظم التَّمَسّك بالكتاب. وكَدَلِكَ قَوْلهِ عن أنبيائه: 
(إِنَهُم كَانُوا يسَارِعُونَ في اخيرات ويدعوثنا رغبًا ورهب [الأنبياء: 90]» ودعاؤهم 
رغبًا ورهبًا من الخيرات. وأمثال ذلك في القُرآن كثير. 

وهَدا الاب يكون تَارَة مَعَ گون أحدهمًا بعض الآخر فيعطف عَلَيْهٍ 
تَخْصِيصًا لَهُ بالذكر؛ لگونه مَظِلُوبًا ِالمَعْقَ العام والمَعْيَ الخاص. 

وتارّة تتنوع دلَالّة الاسم يحَال الانْفِرَاد والاقتران» فَإذا رد عَم وإذا فُرِن 
عَبْرهِ خصء كاسم (القَقِير) و(المسكين) لما أفرد أحدهمًا في مثل قَّوْله: 
(للقُقَرَاء اين أَخْصرُوا في سَبيل الله [البفرة: د27 وقوله: (إِظعَام عشرّة 
اک [المائدة: 89]- دخل فيه الآخر. ولما قرن بينهمًا في قَوْله: إِنَمَا 
الصدقات للمُمَرَّاء وَالْمَسَاكِين) [60 العوية: 60] ضارا تَوعَين. 


وقد قيل: إن الخّاص المَعْظُوف عل العام لا يدخل في العام حال الاقترانء 
بل يكون من هَدَا اباب والتَحْقِيق: أَنَّ هَذَا لَيْسَ لَازِماه قَالَ تَعَالَ: من كان 
عدوا لله ومَلاِكته ورُسّله وجِبْرٍيل وميكال) [البقرة: 98]» وقال تعالى: (وإذ 
أخذًا من التّبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإِبْرَاهِيم ومُوسَّى وعِيسَى ابن 
مَرَيم) [الأحزاب: 7]. 

وذكر الخّاص مَعَ العام يكون لأسباب متنوعة: 

نَارَة لكونه لَه خاصية ليست لسار أَفْرَاد العَام» كَمَافي نوح وإِبْرَاهِيم 
ومُوسَّى وعِيسَى. 

وتارّة لگون العام فيه إِظلاق قد لا يُفهم مِنْهُ العُمُوم» كَمَا في قَوْله: [إهدى 
للمُتقين * الّذين يُوْمئُونَ العَيْبٍ ويقيمون الصَّلَاة وما رَرَقْنَاهُمْ يُنْقُونَ * 
واّذين يُومِنُونَ ما أنزل إِلَيِك وما أنزل من قبلك) [2- 4 رة فقوله: 
(يُوْمنُونَ بِالعَيْبِ) يتتاول کل العَيْب الَّذِي يجب الإيمَانُ به لَكن فيه إِجمَال. 
ََيْسَ فيه دال على أَنَّ من العَيْب ما أنزل إليك وما أنزل ِن قبلك. 

وقد يكون المَمُصُود أنهم يُوْمنُونَ بالمخبّر به وهُوالعَيْبُء وبالإخبار 
بالَيْبِء وهُومَا أأنزل لِك وما أنزل من قبلك. 

ومن هَّذَا التاب: قَوْله تَعَالَ: (اتل ما 5 جي إِلَيِك من الكتاب وأقم الصلاة) 
[العنكبوت: 45]» وقوله: EP‏ یُمَسکون بالكتاب E‏ الصَّلاة) [الأعراف: 
0+ وتلاوة الكتاب: 2 اتبَاعه والعمّل به كما كان ابن مَسعُود في قَوْلهِ تَعَالَ: 


.)234 سس سس شرج رسالة العبوديية ) 
ليذ آنَيْنَاهم الكتاب يتلونه حق تلاوته) 3 البَقَرّة]» قَالَ: حون خلا 
ويحَرّمون حَرَامهء ويُؤمنون بمتشابهه ويعملون بمُحكمه)(1). 

فاتباع الكتاب يتتاول الضصَّلَاة وعَيرمًاء لحن خَضَّها بالذّكرلمزيتها. 
وكَدَلِكَ قَوْله لمُوسَّى: (إنَِي أنا الله لا إِله إلا أنا فاعبدني وأقم الصَّلاة لذكري) 
[طه: 14]» وإِقَامَة الصلاة لذكره من أ عبادته» وكَذَلِكَ فَوْلهِ تَعَالَ: (اثّقوا الله 
وقُولُوا قولا سديدًا) [الأحزاب: 70]» وقوله: (انّقَوا الله وابتغوا إِلَيْهِ الوييلّة) 
[المائدة: 35]» وقوله: (اتَّقَوا الله وکو نوا مَعَ الصادقين) [العوبة: 109]؛ قن هَذِه 
لأمُورَهيَ- أَيْضَّا- مِن تمام تقوى الله وكَدَلِكَ فول (فاعبده وتوكل عَلَيِْ) 
هر ۲125ء فَإِن الول هو الاستعادة وهي من عبَّادّة اللّهء ڪن حصت بالذّكر؛ 
ليتقصدها المتعبد بخصوصهاء فَِنّها هي العونُ على سَائِر أنُواع العِبَادَة إِذْ هُو 
یخان ل ید إل بمَعونته). 

بدك 

ذكر المصنف رحمه الله هذه المسألة» وهي أنها: إن قيل: فإذا كان جميع ما 
يحبّه الله داخلًا في اسم العبادة؛ فلماذا عطف عَلَيّْهَا غَيِرهَاء كَقَوْلِهِ في فَاتحة 
الكتاب: (إياك نغبد وإيّاك فستعين) [الفاتحة:5]» فعطفت الاستعانة على العبادة 
فإذا كانت الاستعانة من العبادة فلماذا حصل العطف؟ والأصل أن العطف 


)1( اک الطبري في اتفسيرا (2/ 569( من قول الحسن وقعاذ» فو ذكرأن ابن مسعود كان 
يقول: (إنَّ حَقّ تلاوته: أن حل حلاله» ويحَرّم حرّامه؛ وأن يقرأه كما أنزله الله عز وجلء ولا يُحَرّفه 
عن مواضعه). 


يقتضي المغايرة» وذكر المصنف هنا أمثلة عُطفت فيها أمور داخلة في العبادة 
عليها؛ كقول اللّه تعالى لنبيه يَ: (فاعبده وتوكل عليه) [هود:123]» حيث 
عطف التوكل على العبادة» وقول نوح: [اعبدوا الله واتقوه وأطيعون) [نوح:3]» 
وكذلك قول كثير من الرسل! 

والجواب: أن لهذا نظائر كثيرة جاءت في النصوص؛ كقوله سبحانه وتعالى: 
(إنَّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) [العنكبوت:45]؛ فالفحشاء من المنكر 
وكذلك قوله: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القرني وينهى 
الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) [الدحل:90]؛ فقال: إيتاء 
ذي القربي هومن العدل والإحسانء كما أنَّ الفحشاء والبّغي من المنكرء وهذا 
العطف يسمى عطف الخاص على العام؛ فالعام هنا العبادة» والخاص هو 
الاستعانة والتوكل» وكذا العدل عام هناء وإيتاء ذي القربني خاص؛ فهو من 
العدل» والفحشاء والبغي من المنكرء فهذا من باب عطف خاص عل العام. 

ثم بين سبب هذا العطف؛ وأنه يكون تارة لكون أحدهما بعض الآخر؛ 
فيعطف عليه تخصيصًا له بالدّكر» فيكون سبب هذا التخصيص بيان قيمته 
وأهميته. وقال: الكونه مطلوبًا بالمعنى العام والمعنى الخاص). 

وتارة تتنوع دلالة الاسم في حال الإفراد وفي حال الاقتران؛ مغل الفقير 
OSS E‏ درواتجفل فيه NE‏ 


اختص هذا بأمر واختص هذا بأمر. 


| 236 مهاسيس سو طوس سمس 9 رسالة العبودية ) 

فأنت إذا قلت: المسكين عمومًا دخل فيه الفقير» وإذا قلت: الفقير عمومًا 
دخل فيه المسكين» لكن إذا ذكر الفقير والمسكين في سياق واحد؛ كقوله 
تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) [العوبة:60]؛ فيكون الفقير نوع 
والمسكين نوع» فقال هنا: «وتارة تتنوع دلالة الاسم في حال الانفراد والاقتران؛ 
فإذا أفرد عَم وإذا قن بغيره خصٌ؛ كاسم الفقير والمسكين في مغل قوله: 
(للفقراء الذين أحصروا في سبيل اللّه) [البقرة:273]» وقوله: (إطعام عشرة 
مساكين) [المائدة:89]ء فهنا دخل فيه الآخرء وأما إذا اقترنا في سياق واحد؛ فإن 
الفقير هو الذي لا يجد قوت يومه؛ والمسكين هو الذي لا يجد قوت سَنَتِههِ كما 
في قوله: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) [التوبة:60]» ومعنى هذا: أنَّ الفقراء 
نوع» والمساكين نوع آخرء إِذَا صارًا نوعين. 

وقد قيل: إن الخاص المعطوف على العام لا يدخل في العام حال الاقترانء 
بل يكون من باب العطف الذي يقتضي المغايرة. 

فقاعدة: أن العطف يقتضي المغايرة ها استثناء؛ فليس كل عطف يقتضي- 
المغايرة في كل حال. 

وضرب المصنف أمثله هنا؛ منها قول الله سبحانه وتعالى: (من كان عدرًا 
لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال) [البقرة:98]؛ حيث ذكر الله الملائتحة: 
ثم ذكر بعدهم جبريل وميكال» مع أَنَّ جبريل وميكال من الملائڪة. 

وكذلك قوله تعالى: (وإذ أخذنا من النبيين ميشاقهم) [الأحزاب:7]؛ فذكر 
النبيين» ثم ذكر بعض العبيين؛ فقال: [ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى 
وعيسى بن مريم) [الأحزاب:7]. 


قال المصنف: «وذكر الخاص مع العام يكون لأسباب متنوعة). 

منها: بیان شرفهم ومكانتهم؛ كما ذكر الله تعالى جبريل وميكال بعد ذکر 
الملائكة؛ فهذا تخصيص هم؛ لشرفهم ومكانتهم» وكذلك عندما ذكر الله جل 
وعلا الي ب وإبراهيم وموسى وعيسى بعد النبيين؛ لأنهم أولو العزم من 
الرسل؛ وهذا تخصيص لبيان شرفهم ومكانتهم. 

وتارّة لگون العَام فِيه إظلاق قد لا يُفهم مِنْهُ الُمُوم» كما في قَؤْله: (هدى 
للمتقين) [البقرة:2]» ثم ذكر من أوصافهم بعد ذلك: (الّدين يُوْمنُونَ بَالقَيْبٍ 
ريمون ال اة وا راف لتفقوق * والدين م ا أمول اكوا 
أنزل من قبلك) [البقرة:3 4]. 

N a‏ بقارن NS‏ الي يهب الإيتان به 
كن فيه إِجْمَال؛ إذ مفهوم الإيمان يشمل عدة أمور» منها ما هو غيب ومنها 
أمور الخرى» انين :ترود لقال أق مين I‏ اباك وبا مزل وين 
قبلك» فخصه بذلك لأهميته؛ لنؤمن بما أنزل إلينا وما أنزل من قبلناء فهذا أمر 
لا بد منه؛ لأن الكفر بما أنزل من قبل الي ب خروج من الإيمان» ولمّا لم 
يستحضر الذهن مثل هذه الأمورء كان لا بد ذكرها وتخصيصها؛ لكي تُعلم 
قيمتها ومكانتهاء وقد يكون المقصود أنهم يؤمنون بالمخبر به وهو الغيب» 
غار وی وها رن إليك وما أنزل من قبلك» يعني: قد يڪون 
المقصود أنهم يؤمنون بالمخبر به» ومن هذا الإيمان بما أنزل وما أنزل من قبلك 


Sa ea ea Oa 238 |...‏ لا وه كلا ل لا ا 1 | شرح رسالة العبودية | 


باعتبار أنه من الغيب» فقد يكون المراد هذا وقد يكون المراد هذاء فهنا 
يقتضي أن له خاصية ليست لسائر الأمور. 

ومن هذا الباب قوله تعالى: اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة) 
[العنكبوت:45]» وقوله: (والذين يمس كون بالكتاب وأقاموا الصلاة) 
[الأعراف:170]؛ فتلاوة الكتاب هي اتياقة والعمل به» ولا شك أن الصلاة من 
العمل به» كما قال ابن مسعود في قوله: (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق 
تلاوته) [البقر:121) قال: يلون حلاله ورمون حرامّه؛ ويُؤمنون بمتش ابه 
ويعملون بمُحكمه)؛ فاتباع الكتاب يتناول الصلاة وغيرهاء لحن حَصَّها 
بالذكر لمزيتها؛ ولا شك أنها أعظم أمر بعد الشهادتين. 

ثم قال: وكذلك قوله لموسى: (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة 
لذكري) شه واقانة الا لذكره عمال فق اک عيادقه: 

وكذلك قوله تعالى: (اتقوا الله وقولوا قول سديدًا) [الأحزاب:70]» فلا شك 
أن القولّ السَّدِيدَ ين تقوى اللهء ولكن أحيانًا تمتحن العقوى في نفس العبد» 
وبخاصة في الأمور التي فيها حظ للنفس» فقد يخطئ شخص في حقك خطأ 
غير متعمد» ولكن أحيانًا من ضعف التقوى قد تعتدي بالقول» وتميل 
النفس إلى التجاوز؛ لأنها أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي» ولكن إذا كانت 
العقوى قائمة في النفس فستكبح جماحها. 

فالقول السديد هذا يدل على أن العقوى متمكنة في القلب» وتظهر في حال 
الشدة والمضيبة. 


وكذلك قوله تعالى: (اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) [المائدة:35]» وقوله جل 
جللاله رأكقوا باللهرو كوقيا مع الصادقين) [العوبة:4]119 فإن هذه الأأمور- أيضًّا- 
من تمام العقوى. 

وكذلك قوله جل وعلا: (فاعبده وتوكل عليه) [هود:123]؛ فإن العوكل هو 
الاستعانة» وهو من عبادة اللّه؛ لكن خض بالذكر؛ ليتقصده المتعبد؛ لأنه معين 
له على سائر أنواع العبادة. 

وإذا قلت: (إياك نعبد وإياك ذستعين) [الفاتحة:5] فاعلم أنه لا غى لك عن 
عون الله عز وجل طرفة عين» وكل ما حصل لك من خير وطاعة وعبادة فهو 
بعون الله عز وجل وتوفيقه» ولذا لزم على العبد في هذا المقام أن خص 
الاستعانة بالذكر بعد العبادة؛ لأنها العون على سائر أنواع العبادة. 

فإذا عمر الإيمانُ القلبّ- والقلب له أعماله» والتى منها اليقين والعوكل 
والاستعانة وغير ذلك- كان لا بد من صدق مع الله سبحانه وتعالى؛ لذا قال: 
زيا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) [العوبة:119]» وأعظم أنواع 
الصدق: الصدق مع الله سبحانه وتعالى» والصدق في التوكل عليه جل وعلاء 
فإذا قامت هذه المعاني في القلب أعان الله سبحانه العبد على سائر الطاعات» 
وإذا ضعفت كان ذلك مدعاة للتكاسل والعباطؤ عن العبادة. 

فبقدر قوة اليقين وقوة التوكل والعزيمة في القلوب بقدر ما ينطلق الإفسان 
في سائر أنواع الطاعات. 

فإذن: هذا التخصيص يُبين قِيمة ومَزيّة هذه العبادة التى أفردت بالذّكر 
بعد العموم والإجمال. 


شرع رسالة اا 


قال المصنف رحمه اللّه: «إذا تَبيّن هَذَا فكمال المَخُلُوق في تخقيق عُبوديته 

للّهء وكلما ازْدَادَ العَبّدُ تَحْقِيقًا للعبودية اداد گمَاله» وعَلَّتْ دَرَجَتّها. 
ارم 

كمال المخلوق في تحقيق عبوديته للّه» وهذا الكمال لا يوجد في المظهرء ولا 
في المال ولا في سائر أمور الحياة الدنيا الرّائفة» وإنَّما الكمال في عبادة الله تعالى 
عي 

فإذا راد العبدُ الكمالّ الحقيقي فن كماله يكون بتحقيقه العبودية لله 
سبحانه وتعالى؛ بعد أن يتخلص من َر نفيه ووساوسها وخطراتها ومن 
همزات الشّياطين» ثم سيجد أثر ذلك- بفضل الله عليه- صلاحًا في نفسه 
وصفاء في قلبه» وتقاء لِرُوحهء وهداية للأهل و في المال والولد» بل وبركة في 
الحياة كلهاء ومن ذلك الذّكر الحسن بين الناس حَيًّا وميئًاء وأعظم من هذا: علو 
درجته عند الله سبحانه وتعالى. 

502 


.| 242 ل | :شرع رسالة ر 

قال المصنف رحمه الله «ومّن وهم أن المخلوق رچ من العبودية بوجه 
من الوجوه أو أنَّ الخروج عنها أكمل؛ فهو مِن أجهل الخلق» بل من أصَلَهِم؛ 
قال تعالى: (وقالوا اتخذ الرحمن ولا سبحانه بل عباد مُكرمون لا يسبقونه 
بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن 


یں 55 
2 


ارتضى وهم مِن خشيته مشفقون) [الأنبياء: 26- 28]» وقال تعالى: (وَقَالُّوا الخد 


و د 


التفلخ و21 * نقذ جلت ا * اة السَمَاوَات رة ينه وشي 
لأر وَكَخرُ الال ها * أن دَعَوا للحم ولا * وَمَا يَبَّغي لرن أن تخد 
وا * إن کل قن في الستَاوات والأرض إل أن نكن عبتا * ةا حضاف 
وَعَدَّهُمْ عَدَّا * وهم آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدَا) [مريم: 95-88]» وقال تعالى في 
المّسيح: (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلًا لبني إسرائيل) [الزخرف: 
9 وقال تعالى: (وله من في السموات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن 
عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون) [الأنبياء: 219 20]» 
وقال تعالى: (لن يَمْتَدكِقٌ الْمَسِيحٌ أن يَحُونَ عَبْدًا لله وَلَا الْملَائِكَةُ 
الْممَرَيُونَ ومن يَتَدِكِفُ عَنْ عِبادټه وَيَْتَكْيرُ قََيَحْشْرْهُمْ لَه جمِيعًا * اما 
الَِّينَ منوا وَعَِلُواالصَّاخَاتِ فيََُيهمْ أجُورَهُمْ وَيَزيدُهُم من قَضْلِهِ وما لَّدِيِنَ 
استنگفوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذَّبْهُْ عَذَابًا يما وَلَا يحَدُونَ لَمُّم من دُونٍ الله وَلِيّا 
و تَصِيرًا) [النساء: 172 173]ء وقال تعالى: (وقال ربكم ادعونى أستجب لحم 
إن الذين يستكبرون عن عبادق سيدخلون جهنم داخرين) [غافر: »]6٥‏ وقال 
تعالى: (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا 
للقمر واسجدوا للّه الذى خلقهن إن كنتم إياه تعبدون * فإن استكبروا فالذين 


عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون) [فصلت: 37 38]» وقال 
تعالى: (وَاذْ كر رَّبَّكَ في نَفْسِكَ تَصَرُعَا وَخِيِمَة وَدُونَ الْجَمْرِمِنَ الْقَوْلٍ بِالْعْدُوٌ 
وَالَآصَالٍ وَلَا ٽڪُن مَنَ ع الْعَافِلِينَ * إِنَّ الَِينَ عن رَيِّكَ لَا يَسْتَكْيرُونَ عَنْ 


روم 2 و بو 


عبادټه وډسبحونه 2 يَسجَدٌونَ) [الأعراف: 205؛ 206]. 

وهذا ونحوه- ما فيه وصف أكابر الخلق بالعبادة» وذم من خرج عن ذلك- 
متعدد في القرآنء وقد أخبر أنه أرسل جميع الرسل بذلك؛ فقال تعالى: (وما 
أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) [الأنبياء: 
5 وقال: [ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) 
[النحل: 36]» وقال تعالى لبنى إسرائيل: [يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة 
فإياي فاعبدون) [العنكبوت: 56]» (وإياي فاتقون) [البقرة: 41]» وقال: (يا أيها 
الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) 
[البقرة: 21]» وقال: (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون) [الذاريات: 56]» وقال 
تعالى: (قل إني أمرت أن أعبد انه اشا له الدين * وأمرت لآن كو اول 
المسلمين * قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم * قل اللّه أعبد 
مخلصًا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه) [الزمر: 11- 15]. 

وكل رسول من الرسل افتتح دعوته بالدعاء إلى عبادة اللّه؛ كقول نوح ومن 
بعده- عليهم السَّلام- في سورة الشعراء(1) وغيرها: (اعبدوا اللّه ما لكم من 
إله غيره) [الأعراف: 1(]59). 


أ جاء قول فوح علية السلام في سورة الشعراء بلفظ: (آلا قفون " إن لح يول أبن“ 


en aS 244 |...‏ ف دع 1ن دك ا 1 2113 | شرح رسالة العبودية | 


وفي «المسند» عن ابن عمرء عن التي #4 أنه قال: ابُعثتٌ بالسّيف بين 
يدي السّاعة حت يُعبد الله وحده لا شريكَ له وجُعل رزقي تحت ظل زُمحي, 
وجُعل الدَلَّة والضّغار على مَن خالف أمري)(2). 

وقد بَيّن أنَّ عباده المخلصين هم الذين يَنجون من السيئات التي زيّنها 
الشيطان؛ قال الشيطان: (قال رب بما أغويتني لأزينن لمم في الأرض 
ولأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين) [الحجر: 4039]ء قال تعالى: 
(هذا صراط عل مستقيم * إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك 
من الغاوين) [الحجر 1, وقال: (فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك 
منهم المخلصين) [ص: 82 83]» وقال في حم يوسف: (كذلك لنصرف عنه 
السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين) [يوسف: 24]ء وقال تعالى: (سبحان 
الله عما يصفون * إل عباد الله المخلصين! [الصافات: 2159 160]» وقال تعالى: 
(إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين 
يتولونه والذين هم به مشركون) [النحل: 59 100]. 


َانقُوا الله وَأطِيعُونِ * وَمَا سأك عَلَيّْهِ من أُجْر إِنْ أَجْرِي إلا عَلَ رَبّ الْعَالَِيَ) [الشعراء: 
6- 109]. 
و(61)» و(84)» وفي سورة المؤمنون آية (23)» و(2 3). 


لشبخ الإسلام ابن تيمية- ) م O‏ 

وبالعبودية نعت كلَّ مّن اصطفى من خلقه؛ كقوله: (واذكر عبادنا إبراهيم 
وإسحق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار * إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار * 
وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار) [ص: 45- 47]» وقوله: (واذكر عبدنا داود ذا 
الأيد إنه أواب) [ص:17]ء وقال عن سليمان: (نعم الد ا 
وعن أيوب: (نعم العبد) [ص:44]» وقال عنه: (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه) 
[ص: 41]» وقال عن نوح عليه السلام: (ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدًا 
شكورًا) [الإسراء: 13 وقال عن خاتم رسله: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا 
من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) [الإسراء: 1]» وهو أولى القبلتين» وقد 
خَصَّه الله بأن جعل العبادة فيه بخمسمائة ضعف» والمقصود بمضاعفة 
الحسنات: هو المسجد الذي حرقه اليهود عليهم لعنة اللّه» ويظن البعصٌ أن 
المسجد الأقصى هو الصّخرة والقُبّة المحيطة بهاء وليس كذلكء وقال: (وأنه لما 
قام عبد الله یدعوه) [الجن: 19 وقال: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) 
[البقرة: 23]» وقال: (فأوحى إلى عبده ما أوجى) [النجم: 4110 وقال: (عينًا يشرب 
بها عباد الله) [الإنسان: 6]» وقال: (وعباد الرحمن الذين يمشون عل الأرض 
هودًا) [الفرقان: 63]» ومثل هذا كثير متعدد في القرآن). 

الشرح 

رجع المصنف إلى الرد على المتصوفة» وسبق أن بعض أهل التصوف ظنوا أن 

العبودية مرحلة» إذا استطاعوا تجاوزوها وصلوا إلى مقام أكبر وأعظم» وهو مقام 


na Ga E 246 |...‏ 3 د د ان ل ا 1 11 | شرح رسالة العبودية | 


ا لخواص» وخواص الخواص؛ وبالعالي تسقط عنهم العبادة والتكاليف»ء ولا شك 
ف هذا باطل. 

ولذلك قال: 'ومّن توهم أن المخلوق يخرج من العبودية بوجه من الوجوه» أو 
أن الخروج عنها أكمل- فهو من أجهل الخلق» بل من أضلهم). وهذه دعوى 
بعض المتصوفة الذين يزعمون أن العبادة ما هي إلا مرحلة» وهي أمور خاصة 
بالعوام» وأن الواحد منهم متى ما تخل جخلواته وانشغل بأوراده وأذكاره الخاصة 
المبتدعة- فإنه يَنسلخ من هذه العبادة وخرح منهاء حتى إنه بعد ذلك لا يأتمر 
بمعروف ولا ينتهي عن منكر؛ ويرى أن هذه الأمور تسقط عنه» وأن بلغ مقامًا 
أعظم من مقام عاد الله س اندر تال ولاك أن هناك كبا قال 
المصنف- لا يقع إلا من أجهل الخلق ومن أَصَلّهم وأبْعَدهم عن دين الله عز 
وجل. 

وهذه الآيات بَيّنت أنَّ أفضل مَقام وأفضل وصف يتصف به جميع الخلق- 
بمن فيهم اليُسل والملائكة- هو وصف العبودية؛ فالملاتكة قال الله تعالى 
عنهم: [بل عباد مكرمون) [الأنبياء:26]» فوصفهم بأنهم عباد له جل وعلاء 
وأنّهم لا خرجون عن مقتضى هذه العبودية؛ فقال: إلا يعصون الله ما أمرهم 
ويفعلون ما يؤمرون) [التحريم:6]» وهذه أخص أوصافهم. 

وكذلك الرسل عباد للهء لا يخرجون عن هذا الوصف الذي هو شرف ؛ 
فبعد أن أكرم الله رسوله بي بالإسراء أنزل عليه قوله: (سبحان الذي أسرى 
بعبده) [الإسراء:1]؛ ولما ذكر قصة ميلاد عيسى- عليه السلام- العجيبة» ذكر 


کرد هة لد ساقم ال فال ۲ ا إن ع عَبْدُ الله آكاي الْكِتَابَ وَجَعَلَي تيبا 
* وَجَعَلَني مُبَارَكا أَيّْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْضَانِ بالصلاة وَالَّكةٍ ما دمت َي [مريم:دت 
1 وهكذا في سائر الآيات التي ذكرت دعوة الرسل إنما هي دعوة لعبادة الله 
لحده 

فليس للعبد إلا أن يحقق عبودية الله سبحانه وتعالى» وهذا وحده هو سبيل 
الكمال وسبيل الجاة وهو أساس دعوة اليُسلء وأمادعوى 
إسقاط العبادات فضلالٌ كبير وشر مستطير وخسران مبين. 

والمصنف بعد أن أورد عددًا من الآيات في هذه المسألة- بَيّن أن القرآن 
أكثر عن ذكرشأن العبادة وبيان منزلتهاء وتوضيح نها هي الصلة بين العبد 
وبين ربه عز وجل؛ لذا فمن أراد أن يحقق الصلة بينه وبين الله تعالى فليُحقق 
ما جاء في الحديث القدمي: «وما تقَرَّب إل عبدي بشيءٍ حب إل نما 
افترضتُ عليه وما يرال عبدي يتقرب إك بالتوافل حت أَحِبّها(1). 

فتحقيق الصلة باللّه والقُرب منه وحبته ونَيْل رضوانه وجَنّته عز وجل إِنّما 
يكون بتحقيق العبادة» والسعيد مّن عرف» وبعد أن عرف لَزِم فينبغي لزوم 
هذه الحقائق الشرعية» وعدم المَحيد عنهاء ومهما حاول أولمك الضالون أن 
يَطمسوها فهي واضحة جلية بين لكل مَن كان له قلب أو ألقى السمع وهو 
شهيدء أما من ضل بترهات أولعك وأقوالهم وأباطيلهم فهو جاهل وما صَرّ إلا 


9 أخرجه البخاري (6502) من حديث أبي هريرة ذلك 


ou aa aE 248 |...‏ أ ا ا ع اك ا ا ا ا 1ت | شرح رسالة العبودية | 

نفسه»ء ولو عاد إلى كتاب الله عز وجل وإلى سَُئَّة رسوله ل لرأى من مكانة 

العبادة وفضلها وعِظمها ما يجعله يجتهد في طاعة ريّه وعبادته عز وجل. 
501 


| لشيخ الإسلام ان قفي أ :000121 000 


قال المصنف رحمه اللّه: 

«فصل 

[في القفاضل بالويمان] 

إذا تبين ذلك» فمعلوم أنَّ هذا الباب يتفاضلون فيه تفاضلًا عظيمًاء وهو 
تفاضلهم في حقيقة الإيمان» وهم ينقسمون فيه إلى عام وخاص» ولهذا كانت 
إِليّةُ الربّ فيها عموم وخصوص؛. 

ار 

بعد أن بين المصنفُ- رحمه الله- مفهوم العبادة ومعناهاء وَين مواقف 
الطوائف منهاء وذكر ما يتعلق بها من حيث أصلها واجتماع شروطهاء شرع في 
هذا الفصل في بيان التفاضل في الإيمان؛ فالناس في أمر العبودية ليسوا على 
حدٌّ سواء» فهم يتفاضلون فيما بينهم بحسب ما حَنّقه کل واحد منهم في هذا 
الآمرة ولذلك من كان هة عالية وعنده رغبة فيما غدد الله سبحانه وتعال هن 
الفضل والأجر العظيم- فلا بد له أن يستحضر في قلبه عددًا من المعاني إذا 
امتثلها وتعلق بها رفع ذلك من مقام عبوديته لله عز وجلء وخَلّصه من أنواع 
من عبوديات في الدنيا. 

لذلك كان لا بد لمن كان له مشل هذه الهمة أن يعلم هذه المعاني وأن 
يستحضرها ثم يتحقق بها. 

ولمّا كانت العبادة هي الغاية التي خُلِق من أجلها الجن والإنس» تفاضل 
الناس فيها تفاضلًا عظيمًاء وهو تفاضلهم في حقيقة الإيمان» والإيمان والعبادة 
هنا بمعنى واحد» فالإيمان- كما هو معلوم- قول وعمل؛ وهكذا العبادة قول 


3 سي ص ل را روي 
وعمل؛ فهناك قول» وهو قول القلب وقول اللسان» وعمل» وهو عمل القلب 
وعمل اللسان وعمل الجوارح؛ فكل هذه أنواع من العبادة على العبد أن يقوم 
بها وأن يحقققها. 

والناس ينقسمون في أمر العبودية إلى عام وخاص» ولهذا كانت ربوبية الله 
هم فيها عموم وخصوص؛ فهناك عبودية عامّة» وهي عبودية القهر والذل» كما 
جاء في قوله تعالى: (إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا) 
[مريم:93]» فكل الخلق مُقهورون مَّربوبون لله عز وجل» تحت حكمه وتحت 
إرادته» وتحت تدبيره؛ فهذه تسى عبودية عامّة. 

والعبودية الخاصة هي التي تكون لأهل الإيمان وحدهم؛ ممن استجاب لله 
ولرسوله ب واستقام على شرع الله عز وجل؛ وقد سبق بيانها. 

OEE 


قال المصنف رحمه اللّه: «ولهذا كان الث د في هذ 0 اانه اش هو ابت 
الثّمل). 
شرع المصنف رحمه الله في ذكر عدد من العوائق 5 تتسبب في نقص إيمان 


العبد وبُعده عن عبوديته لله عز وجل؛ ومن تلك العوائقة. ضعف الإخلاص» 
ك ك رب عمل صغير تُعَظمّه التَيّة ورْبٌ عمل كبير 
صخر 0:21( )»يقون ی عياض دا ا پا ا ف وجل 
مِنك نِيّكَكَ وإرادتك)(2). 
فالإنسان لا بد أن يُخلص العبودية لله عز وجل» لكن هناك عوارض 
وموانع وهذه العوارض والموانع في غالب الأمر تأي من نفس الإنسان» جڪم 
تعلّقه بأمر من أمور الدنيا؛ فيقع منه الإخلال بالعبودية» وهذا الإخلال إِمّا أن 


2 


يقع في الإخلاص» وإما أن يقع في المتابعة. 

َك يستقيم أمرُ الإخلاص ويستقيم أمر المتابعة لا بد من النظر في هذه 
العوارض والموانع في ذات النفس ومعالجتهاء وهذا ا للل قد يكون في طريقة 
العفكيرء أو في استجابة الإرادة» والقلبٌ يُراد به كلا الأمرين: أمر الفكر 
والتّظرء وأمر الإرادة والعمل. 


وة ايق أن الذنيا فى «التخلاص اله ( ص72 دار البنسائرة الطبعة الأول 


ا ابن ان الدّنيا ف «الإخلاص والمّيّة) (ص74). 


TT yy 252 |‏ دی 

فإذا كان أمرٌ الفكر والتَّظر متعلمًا بأمور الدنيا وزهرتها وأحوالهاء فهذا 
مانع قد يحجز العبد عن تحقيق الإخلاص لله سبحانه وتعالىء ومن ثم يدخل 
الشرك الخفي في النفس؛ فلو كان هناك مطمع في مدح أو ثناء أو جاه أومال أو 
رئاسة أو نحو ذلك من مطامع الدنياء فهذا المطمع قد يحمل العبد على عدم 
الإخلاص في هذا العمل؛ وقد يمنعه عن اتباع الشرع. 

كذلك الحال في الهوىء ألا ترى إلى ذلك الشخص الذي ينشغل بتجارته 
حتى إنه من انشغاله بتجارته قد لا يُصلِء فلا يُغلق عله ولا جيب لداعي 
الله سيان وتال 

وذاك الشخص الذي يأتي إلى الصلاة وهو مُنشغل بأمر الدنياء فيصلي ويركع 
ويسجد ولكن لا يدري ماذا صَنَّ؟ ولا ماذا سَبّح؟ ولا ماذا قرأ الإمام؟ كل 
ذلك لانشغاله بأمر الدنيا. 

فهذه الموانع لا بد من استعراضها وبيانهاء وقد أشار المصنف هنا إلى ما 
رواه أبو موسى الأشعري ول فَالَ: احخَطَبَنَا صَمُولُ الله يله دات يوم فقال: ايها 
الاس اتَقُوا هذا الشّرْكَه قن أَخْتَى مِنْ پیب التَمْل". فَقَالَ له مَنْ مَاء الله أَنْ 
يَقُولَ: گي تَتَقِيهِ وهو أَخْتَى من دَبیب الكَمْلٍ يا رَمُولَ الله؟ قال: «قُونُوا: الله 
نا نَعُودُ بك مِنْ أَنْ شرك بك سَيْنًا نَعلَمُهُ وَنَستَغْفِرْكَ لمالا تَعْلَمُها(1)» وهذا 
يعني أن العبد لا تستطيع أن يبرئ نفسه من مثل هذا الحال؛ لأنه قد يقع فيها 


أخرجه أحمد في «المسند) (19622)» والطبراني في «الأوسط) (3479)» وحسنه العلامة 


الألباني في صحيح الترغيب والترهيب» (36). 


وهو لا يشَعرء فلا بد ذا من أخذ الحيطة والحذره ولا بد أن يكون الإنسان 
على دراية بهذه الموانع التي قد تُفسد عليه أمر دينه وعبادته. 
ثم معلوم أنَّ للقلب أعمالاء وهذه الأعمال لا بد من تحقيقها فيما يتعلق 
بحَقٌّ الله سبحانه وتعالى» فمتى ما قامت هذه الأعمال في قلبه كانت سبيًا 
لاستكماله لطاعة الله سبحانه وتعالى» واستكماله للدرجات العلى والمنازل 
الرفيعة التي أعدّها الله سبحانه وتعالى للمخلصين من عباده. 
50 


| 254 بويع سمس سسبو | 9 رسالة العبودية ) 
قال المصنف رحمه اللّه: وف «الصّحيح) عن التي يل أنه قال: تعس عبد 
الرهم» تعس عبد الدّينار تعس عبد القطيفةء تعس عبد الخميصة» تعس 
وانتكسء وإذا شيك فلا انتقش؛ إن أعطي رَضِيِء وإن مُنِع سَخط'(1). 
فسّمًاه النيئٌ ل عبد الدرهم» وعبد الدينار» وعبد القّطيفة» وعبد 
الخميصة» وذكر ما فيه دعاء وخبرّاء وهو قوله: ١نَعِس‏ وانتكسء وإذا شيك فلا 
انتّقِش»» والنقش: إخراج الشّوكة من الرّجُل. والمنقاش: ما يُخرج به الشوكة. 
وهذه حال من إذا أصابه شر لم رج منه ولم يُفلح؛ لكونه تعس 
وانتتكس؛ فلا نال المطلوب» ولا خلص من المكروهء وهذه حال من عبد المال» 
وقد وصف ذلك بأنَّهِ إذا أعطي رضي وإذا مُنع سخطء كما قال تعالى: (ومنهم 
من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يُعطوا منها إذا هم 
يسخطون) [العوبة: 58]؛ فرضاهم لغير اللّهء وسخطهم لغير اللّها. 
سد 
ذكر المصنف المعوق الثاني من معوقات تحقيق العبودية لله تعالى: وهو تعلق 
الإفسان بالدنيا على حساب تحقيق العبودية لله تعالىء واستدل لذلك بقول رسول 
الله : «تعس عبد الدّينار تعس عبد الدّرهمء تيس عبد القطيفة» تيس 
عبد الخميصة» نَّعِسَ وانتكس» وإذا شيك فلا انتقش؛ إن أعطي رضي وإن 
مزع سَخطاء فمّن عبد الدينار والدرهم ولحث وراءهما- لا بل حلالًا ولا يحرم 
حرامًا من أجل اكتسابهاء وكان همه هو جمع المال وزينة الدنيا من ملبس 


: ولك 


ا البخاري (2887) من حديث أبي هرد : فلي 


ومركب ومسكن ونو ذلك» ولا يبالي من أين اكتسب هذا المال ولا فيما 
أنفقه» ويغره الملل وينسى أنه سيسأل عنه يوم القيامة؛ كما جاء في الحديث: 
الا تزول قَدَمَا عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عُمره فيما أفناه وعن عِلمه 
فيم فَحَلء وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقهء وعن جسمه فيم أبلاه)(1). 

وقد سماه الع ديد عبد الدرهم وعبت انيار غد القطيقة وعيد 
الخييصة؛ لن العبودية ف أصلها هي الل والخضوع» وهذا الحب لهذ الأشياة 
الجامع لها والمغتر بها- يحمله حبها ل ما على الذل والخضوع في طلبها وجمعهاء 
ويڪون ذلك على حساب دينه وعبوديته لربه» وتبقى أقواله وأعماله وحركاته 
وسكناته تبعًا لتحصيل هذه الأشياء ويلهث وراءها؛ فتستعبده. 

وقوله: افيه دعاء وخبر» وهو قوله: "تعس وانتکس»» فهذا دعاء عليه فما 
بالك بمن دعا عليه الدونٌ ل؟! فيجب أن يحذر من ذلك» ولو علم بحقيقة 
دعوة النبي بي لضاقت الدنيا عليه. 

وكذلك الخبر: «وإذا شيك فلا انتقش»» أي: إذا أصابته شوكة ما استطاع 
إخراجها. 

لذا يجب على الإفسان أن يحتاط لنفسه؛ لأن هذه الأمور قد تقع في النفس 
وتهواها وتتعلق بها؛ بحيث يصعب عليها مفارقتهاء وبالنظر لأحوال تجد بعض 
أهل الدنيا من عندهم من الأموال ما يكفي أمة من الناس» ومع ذلك تراه على 


يلجر 


أخرجه الداري (554) والترمذي (2417) من حديث أبي برزة الأسلى بء وصححه 


الألباني في اصحيح الترغيب والترهيب» (126). 


...| 256 7001 31*57 | شرح رسالة العبودية | 
حالة رثة» وتجده من أبخل الاس على نفسه» وهو في ضنك من العيش وفي هَمٌ 
وغم» وقد لا ينام الليل؛ بسبب أن حب الدنيا قد تسكن في قلبه» وأصبح عبدًا 
خاد لال دل أق بكرن هذا الال وسيلة لقا داه 

قال المصنف رحمه اللّه: 'وهذه حال من إذا أصابه َر لم جرج منه ولم 
يفلح؛ لكونه تعس وانتكس؛ فلا نال المطلوب» ولا خلص من المكروه وهذه 
حال من عبد المالء وقد وصف ذلك بأنّه إذا أعطي رضيء وإذا مُنع سخط 
كما قال تعالى: (ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم 
يُعطوا منها إذا هم يسخطون) [العوبة: 58]؛ فرضاهم لغير الله وسخطهم لغير 
اللّه). 

وهذا من دعوة الى ي على من هذا حاله؛ قال المصنف: (وهذه حال من 
أصابه شر لم يخرج منه ولم يُفلح؛ لكونه تعس وانتكس»» فشر ووبال على 
الإفسان أن يكون عل مثل هذا الحال» وسيأق أن مدا رهذه الأمور كلها عل 
الحبّ؛ لأن تعريف العبادة هي كيال الحية مع كيال الل فأصل امرف 
أيه ذإذا كان عاق عو القلي ا الإناتعين ا و 
في تحقيقه» وإذا اختل هذا الحب وتعلق بغير اللّه سبحانه وتعالى- فهذا هو الذل 
بغينهء وهو اللياة الضدك والشقاء والاتتكاس. 

ولا كان كل إنسان إنما يبحث عن السعادة والحياة الطيبة- لزم أن يعلم 
أنها في اتباع منهج الله؛ قال تعالى: (مَنْ عَهِلَ صَائًِا مِنْ دك راو انق وَهُوَ 


24 


من فَلَنْحْيِيَنَهُ حَيَاةً طبه وآ مويق اح RR E‏ 
[النحل: 97]ء وأن التعاسة والشقاء في الإعراض عن منهجه جل وعلا؛ قال 
سبحانه: فمن انبَّعَ هُدَاي فلا يِل وَلَا يَشْتَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ 
مةد ل َة أَعْمَى) [طه: 124123]. 

لذلك دعا النبي 4 بالععاسة على من تعلق قلبه بمشل هذه الفانية 
نتسه لآن عاقيا إل شقات وال اکا وال اة فة کیا أخير 
البي کل 

وقد وصف النبي ي المتعلق بالدنيا بأنه إذا أعطي رضي وإذا مُئِع س خط 
وهذا حال كثير من الناس ممن استعبدتهم الدنياء حت إنهم ليتسخطوا أقدار 
الله عز وجل؛ إن أعطاهم نعمة رضوا بها وفرحواء وإن منعهم تتسخطوا وجزعوا؛ 


وقد قال الله تعالى في وصف هؤلاء: زوَإذا ا رة قروا يِهَاوَإِنْ 


ل بِمَا قَدَمَتْ يديهم ! إِذَا هُمْ يَقَنَظُونَ) [الروم: 36]. 
PEER‏ 


| شرح رسالة العبودية‎ | uae Sê eae aa 258 |... 


قال المصنف رحمه اللّه: «وهكذا حال مَّن كان متعلقًا برئاسة). 
بأمرعن أمو ر الدثيا لدرجة كنسية حى الله عليه وهو الععلق بالركاسة. 

فحنا الركاسسة هن شهوة مرتبطة ارتباطًا وذ ثيقًا بحب الظهورء وهي التي حَدَّر 
منها الله ع بقوله: «إنڪم ستحرصون عل الإمارة» وستكون ندامة يوم 
القيامة؛ فنعم المرضعة وبئست الفاطمةٌ)(1). 

وقوله: انعم المرضعة» وذلك أوطا؛ لأنَّ معها المال والجاه والسلطة» وقوله: 
«بئس الفاطمة» أي: آخرها؛ لأنَّ معه القتل والعزل في الدنيا والحسرة والتبعات 
يوم القيامة» وقد بين الدبئٌ ب عواقب الرئاسة ومراحلها الغلاث في قوله: إن 
شئتم أنبأتكم عن الإمارة وما هي: أوطا ملامة» وثانيها ندامة» وثالثها عذاب 
يوم القيامة إلا من عَدَلَّ)(2). 

بل قال يلل لرجلين سألا الإمارة: (إنا لا نون هذا مَنْ سألهه ولا من حرص 
عليه)(3). 


: ولك 


يه البخاري (7148) من حديث أبي هرد : فك 


اضر 


2 أخرجه الطبراني في «الكبير» (132) من حديث عوف بن مالك َء وصححه الألباني في 
«الصحيحة) (2 156). 


ل 


کش البخاري (7149) ومسلم (1733) من حديث أبي موسى ن 


ومدح رسول الله صنقًا من الساس وهم الذين لا يَعنيهم ولا يشغل 
فكرهم سوى رضا الله سبحانه وتعالى؛ سواء كانوا ظاهرين أم مُُستترين» وفي 
المقدمة أو في المؤخّرة» وذلك بقوله : «ظوي لعبدٍ آخذ بعنان فرسه في سبيل 
اللّه» أشعتٌ رأسّه» مُغْيَرّة قدماه؛ إن كان في الحراسة كان في الحراسة» وإن كان في 
السّاقة كان في الساقة» إن استأذن لم يؤذن له» وإن شفع لم شفع 1( 

وقال الحو : «ما ذئبان جائعان أَرْسِلًا في عَم بأفسدّ لها مِن حرص المرء 
على المال والشّرف لدينه)(2). 

قال ابن رجب: «فأخبر الديئٌ ك أن حرص المرء على المال والشرف إفساده 
لدينه بأقل من إفساد هذين الذثبين هذه الغنم» بل إِمّا أن يڪون مساويًا وإما 
أن يكون أزيدء يشير إلى أنه لا يسلم من دين المرء مع حرصه على المال 
والشرف في الدنيا إلا القليل» كما أنه لا يَسْلْم سن الغنم مع إفساد الذئبين 
المذكورين فيهما إلا القليل» فهذا المَّل العظيم يتضمن غاية التحذير من شر 
الحرص عل المال والشرف في الدنيا»(3). 


(') أخرجه البخاري (2887) من حديث أي هريرة فلك وقد تقدم وَل وهو قوله فَلِ: اتيس 
عبد الدّينار...). 

2 أخرجه الترمذي (2376) والداري (2772) من حديث كعب بن مالك ذَلكه» وصححه 
الألباني في «المشكاة» (5181). 


)3( شرح حديث ما ذثبان جائعان» (ص1 3). 


) رسالة العبودية‎ 9 eee e 260 [| 

قال سفيان الشوري رحمه اللّه: «ما رأيثُ الزهدّ في شيء أقل منه في الرئاسة؛ 
ترى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال والشياب» فإن نوزع الرئاسة حاى 
عليها وعادى)(1). 

وقال يوسف بن أسباط: «الزهد في الرئاسة أشد من الزهد في الدنيا»(2). 

وكان السلف رحمهم الله يُحَذّرون مّن يحبون منها؛ فقد كتب سفيان إلى 
صاحبه عبّاد بن عبّاد رسالة فيها : «إيّاك وحب الرئاسة » فإن الرجل تكون 
الرياسة أحبٌّ إليه من الذهب والفضة» وهو باب غامض لا يُبصره إلا البصير 
من العلماء السماسرة؛ فتفقّد نفسك واعمل بنية»)(3). 

وقال أيوب السختياني: اما صدق عبد قط فأحبٌّ الشهرةً»(4). 

وقال بشر بن الحارث: «ما اتَقَى الل مَن أحبّ الشهرة)(5). 

وقال يحي بن معاذ: ١لا‏ يفلح من شممت راتحة الرياسة منها(6). 

وقال شدّاد بن أوس وَإتِجَ: اليا نعايا للعرب» إِنَّ أخوف ما أخاف عليكم 


الرياء والشهوة الخفية)(1). 


'' «سير أعلام النبلاء» (7/ 262). 
9 ارس الدينوري في «المجالسة وجواهر العلم) (1/ 396) برقم (95). 

أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (6/ 376)» وانظر «تفسير سفيان الشوري» (ص 19). 
أخرجه ابن الجعد في امسنده) (ص 190)ء وانظر: «سير أعلام النبلاء» (6/ 20). 

'”) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (8/ 476)» وانظر: «سير أعلام النبلاء) (10/ 476). 


«سير أعلام النبلاء» (13/ 15). 


قيل لأبي داود السجستاني: ما الشهوة الخفية؟ قال: حب الرئاسة»(2). 


قال ابن تيمية مُعَقَبا: «فهي خفية» تخفى عن الناس» وكثيرًا ما تخفى على 
صاحبها)»)(3). 

فالنفس قد تميل إلى الترأس وإلى التصدر وإلى أن يكون لما منزلة 
ومكانة بين الناس» فعلى الإذسان أن يَعلم أن هذا الأمر فيه مفسدة وشر عل 
نفسه؛ فلا يستشرف إليه ولا يطلبه» وكما جاء في الحديث المنع من هذه 
الأمور» فإن الإذسان لا يَنبغي أن يسأهاء وإن كان العلماء قد قَصَّلوا في هذاء 
كما كان حال يوسف عليه السلام؛ حين قال للمَلِك: (اجْعَلْني عل خَرَائِنٍ 
الأَوْض إن فيط عل يف55 

لحن في حاصل الأمر: أن الإإنسان لا يسأل هذه الرئاسة ولا يُطلبهاء 
وخاصة إذا كان فيه من الضعف ما لا يستطيع معه تحمل أعبائهاء ولكن تبقى 
عنده نوازع إليها في نفسه» فالواجب عليه أن يتكبح جماحهاء وأن لا تڪون 
الرئاسة غاية مقصودة لذاتهاء وأمّا إذا ابتلي بها العبد من غير طلب منه- 
فسَيُعان عليها؛ فعن عبد الرحمن بن سمرة َي قال: قال لي رسول الله 407 


'' أخرجه الفسوي في «المعرفة والعاريخ) (1/ 356). 
2 اکا الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (10/ 75). 


9 «مجموع الفتاوى» (16/ 346). 


yy 262).‏ شرح رسالة العبودبة ) 
«يا عبد الرّحمن بن سمرة لا ټسأل الإمارة؛ فإن اا عن اله وكلت 
إليهاء وإن ينا عن غير مسألة أغقات عليها)(1). 

وهذا أمر كوني قدري قد يَّبتلي اللَّهُ عز وجل العبدّ به؛ قال الله تعالى: (قل 
اللَّهُمَ مالك الملك تؤقي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن قشاء وتعز من تشاء 
وتذل من تشاء) [آل عمران:26]. 

واعلم أنَّ غالب هؤلاء الذين هم في الرئاسات يعيشون في كدر؛ حتى تفنى 
أعمارهم» ولا يجدون طعمًا للراحة؛ فالرئاسة جعلتهم في الحقيقة محكومين 
وليس حاكمين؛ لما يتحملونه من أعباء ومسئوليات دنيوية» فضلًا عن 
حسابهم في الآخرة؛ قال رسول الله يل: كم راع وكلكم مسئول عن 
رعيته)(2). 

فحال الإذسان أنه سی إلى ما قد يكون فيه تعاسته وهلاكه وانتكاسته؛ 
ويظن أن فيه لذته وسعادته» بينما اللذة الحقيقية هي في القُرب من الله عز وجل 
بعبادته والأنس بطاعته. 

20 


0 لفرية البخاري (7147) ومسلم (1652). 


اه البخاري (893) ومسلم (1829) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. 


قال المصنف رحمه اللّه تعالى: «أو بصورة). 
ل سق 

من الأمور التي تحول بين العبد وبين تحقيق عبوديته لله تعالى: التعلق 
بغير اللّه؛ قال ابن القيم: «[فصل: المفسد الغالث من مفسدات القلب: الععلق بغير الله 
تبارك تعالى]. وهذا أعظم مفسداته عل الإطلاق» فليس عليه أضر من ذلك ولا 
أقطع له عن مصالحه وسعادته منه» فإنه إذا تعلق بغير الله وكله الله إلى ما تعلق 
به» وخذله من جهة ما تعلق به» وفاته تحصيل مقصوده من الله عز وجل بتعلقه 
بغيره والغفاته إلى سواه فلا عل نصيبه من الله حصل: ولا إلى ما أمّله عن تعلق 
به وصل)(1). 

ومن التعلق بغير اللّه: التعلق بالصور؛ فالإنسان قد يتعلق بامرأة ويها 
وقد تحكون زوجة أو جارية له» وهو مالكها وسيدهاء ولكنه مع ذلك يڪون 
ملو لما في واقع الحال» وكأنه عبدٌ بين يديهاء وما يحصل هذا إلا لفراغ قلبه 
من التعلق باللّه سبحانه وتعالى. 

وقد يحمل التعلق بهذه الصور النفس على عبوديتها من أجل أنه تلذذ 
بالقُرب منهاء بينما اللذة الحقيقية والطمأنينة الحقيقية هي كما قال الله سبحانه 
وتعالى: [الذين آمنوا وتطمثن قلوبهم بذكر الله إلا بذكر الله تطمئن القلوب) 
[الرعد:28 ]. 


7" «مدارج السالكين» (1/ 455). 


| شرح رسالة العبودية‎ | sass nA a EG كني‎ 264 |... 


وما أجمل ما قاله ابن القيم رحمه الله في "الطب النبوي» عند الحديث عن 
هديه تي في علاج العشق! إذ قال ابن القيم رحمه اللّه: «وعشق الصور إنما 
تُبتلى به القلوب الفارغة من محبة الله تعالى» المُعرضة عنه المتعوّضة بغيره عنه 
فإذا امتلاً القلب من محبة الله والشوق إلى لقائه» دفع ذلك عنه مر شق 
الصورء ولهذا قال تعالى في حقٌّ يوسف: (كَدَلِكَ لِتَصْرفٌ عَنْهُ السّوءَ والمَحْمَاءَ 
إِنّهُ مِنْ حِبَادِنَا المُخُلَصِينَ) [يوسف:24]» فدل على أن الإخلاص سبب لدفع 
العشق وما يترتب عليه من السّوء والفحشاء التي هي ثمرته ونتيجته» فصرف 
السب مرت سيه وه ذا قال يعض المتلقية العمق سركة فلي فارع 
يعني: فارغا مما سوق معشوقه... 

والعشق مركب من أمرين: استحسان للمعشوق» وطمع في الوصول إليه 
فمتى انتفى أحدُهما انتفى العشقء وقد أَغْيّت علةٌ العشق على كثير من 
الا رتل ها عع كاذ شي هن كرو إل ا 

ثم قال: «والمقصود: أن العشق لما كان مرضًا من الأمراض» كان قابلا 
للعلاج؛ وله أنواع من العلاج» فإن كان مما للعاشق سبيل إلى وصل محبوبه 
شرعًا وقَدَرَاه فهو علاجه؛ كما ثبت في «الصحيحين» من حديث ابن مسعود 
يه قال: قال رسول اللّه 4 : ايا معشر الشباب» مَّن استطاع منكم الباءة 


9 «الطب النبوي» (ص201: 202). 


فليتزوج؛ ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنَّهِ له وجاءا(1)» فدل المحبٌّ على 
علاجين: 
أصلي وبَدَلي وأمره بالأصلي: وهو العلاج الذي وضع لهذا الداءء فلا ينبغي 
العدول عنه إلى غيره ما وَجد إليه سبيلًا. وروی ابن ماجه في اسننه» عن ابن 
عبّاس رضي الله عنهما عن الني بلي أنه قال: «لمترّللمتحابين مثل 
التكاح». ..«)2(« إلخ ما قال(3). 
OOEHER‏ 


ا البخاري (5065) ومسلم (1400) من حديث عبد الله بن مسعود د. 

2 أخرجه ابن ماجه (1847) والحاكم في المستدرك) (2/ 174) من حديث ابن عباس رضي 
الله عنهماء وصححه الألباني في «الصحيحة» (624). 

«الطب النبوي» (ص204» 205). 


aE 266 |...‏ ع و ل وال وا أ ان ا ع ا ا ا 1ت | شرح رسالة العبودية | 


قال المصنف رحمه اللّه تعالى: ٠و‏ نحو ذلك من أهواء نفسه؛ إن حصل له 

رَضِي» وإن لم يحصل له سَخطا. 
ا 

ذكر المصنف رحمه الله أحد مُعَوّقات تحقيق العبودية في نفس اللإنسانء 
وهو اتّباع الهوى؛ فا معاصي والبدع كلها مَنشؤها من تقديم اللهوى على الشر_ع؛ 
قال الله تعالى: (فََما مَنْ ظقى * وآكرَالحيَاة الدمْمًا * فَإِنَ الجحِيمَ هي المَأوى) 
[اللس 139-37 

ففساد الدّين يقع بالاعتقاد بالباطلء أو بالعمل جخلاف الحقٌّ؛ «فالأول: 
البدع؛ والقاني: اتباع الموى» وهذان هما أصل كل شر وفتنة ويلاء وبهما 
كُدَّبت الرسلُ» وعصي الرب» ودُخلت النارء وحَلّت العقوبات“(1)ء ولذلك ما 
ذكر الله اهو في كتابه إلا على سبيل الدَّمٌ ومر بمخالفته» ويّيّن أن العبد إن 
لم يبع الح واحدى اتَبَع هواه؛ قال تعالى: لقن لم يَسْتَجِيبُوا لَك فَاعْلَمْ أَتَمَا 
يَتَبعَونَ ن أَهْواءَهُمْ ومن أَصَلُ مِمَنِ اتَبَّعَ هَواهُ ِعَيْرِ هُدىٌّ مِنّ اللّه) [القصص:150» 
وقال جل وعلا: (وَوْشِتْنا لرََعْئَاهُ بها ولكتة أل إلى الأَرْضٍ واتَبَعٌ هواه 
عله كَمَكلِ الكلب إِنْ تيل عَلَيْهِ يَليَتْ أو نرك يَلهّتْ ذَلِكَ مَل الوم الَذِينَ 
كَدَّبُوا بآياتتا فَافْصْصٍ القَصَص لَعَلَهُمْ يَتَفَكُرُونَ) [الأعراف: 176 وقال 
سبحانه: (قَلا تَتَبعُوا المَوى أَنْ تَعدِلُوا وإنْ تلووا أَوْ تُعْرضُوا ِن الله گان با 
تفكلرق كي E ١١‏ 


'' انظر: «إعلام الموقعين» (1/ 106). 


كما عَرّف الإمامان ابن القيم وابنُ الجوزي رحمهما الله الموى بأنَّه: «مَيْلُ 
الطّبّع إلى ما يلائمه)(1). 

ود رو :عن ابق عبان ر کی الله عنهما أنه قال :"اما د كر انه عر سل 
ال موى في كتايه إلا ذَمَّها(2). 

وقال سهل بن عبد اللّه: «هواك داؤك فإن خالفته فدواؤك»» وقال وهب: 
لإذا شككت في أمرين ولم تَدْرٍ خَيْرهماء فانظز أبعَدَهما من هواك فَأَتِها(3). 

وقال رجل الحسن البصرف ره الله تال ينا أباسعيد أئ: الها 
أفضل؟ قال: «جهادُك هَوَاك)(4). 

وحقيقة اتباع الموى: هو ما تميل إليه النفسٌ مما لم يُبحه الشّرع» وخلاف 
مقصود الشرع؛ لأن «المقصد الشرعي من وضع الشّريعة: إخراج المكلف عن 
ذاعية هرات حق بكرن غيدًا لله اختياراء كنا هو عبد لله اضطراا5(1): 
هواه» فحيثما سار به سارء وأينما حل به فهو معه؛ فجميع أقواله وفتاويه 


() انظر: «روضة المحبين ونزهة المشتاقين) لابن القيم (ص469)ء واذم الموى) لابن ا جوزي (ص 
12 

) انظر: «العقد الفريد لابن عبد ربه (3/ 50)» واذم الحوى» لابن الجوزي (ص12). 

)3( 51 «تفسير القرطبي) (16/ 68). 

أخرجه الن الجوزي في اذم الموى» (ص 23). 


)5( «الموافقات» للشاطى (2/ 289). 


alas 268 |...‏ | شرح رسالة العبودية | 


ومواقفه تَبَعٌ لسلطان هواه علیه» فوقع تحت قوله تعالى: (أََرَآَيْتَ من اَذ إل 
هواه وأْضَلَهُ الله عل عِلم وحَتَمَ عل سَمْعِهِ وقَلبه وجَعَلَ على بَصَرهٍ عساو قَمَنْ 
يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ الله أقلا تَدَكْرُونَ [الجاثية: 23]. 
غدًا بما ينكره اليوم)(1). 

وقال عبد الله بن عون التصيرف: (إذا غلبت اطوى عل القلب» استحسن 
الرجل ما کان يُستقبحه)(2). 

قال شيخ الإسلام: «والمغترقة من أهل الضلال تجعل ها دينًا وأصولٌ دين 
قد ابتدعوه برأيهم؛ ثم يَعرضون على ذلك القرآن والحديث؛ فإن وافقه احتجوا 
به اعتضادًا لا اعتمادًاء وإن خالفه فتارة يُحَرّفون الكلم عن مواضعه ويتأولونه 
على غير تأويله» وهذا فِعل أثمتهم؛ وتارة يُعرضون عنه؛ ويقولون: نُمَوَضٍ معناه 
إلى الله وهذا فِعل عامّتهم)(3)؛ فانظر ماذا قعل اتّباع الهوى بأهله؟! نعوذ باللّه 

10010 


'' «الشرح والإبانة على أصول السنّة والديانة)» لابن بطة (ص148)» برقم (83). 
2 والابانة الصغرغ» لابن بطة (62). 


9 «مجموع الفتاوى)» (13/ 142). 


قال المصنف رحمه اللّه: «فهذا عبد ما يهواه من ذلكء وهو رقيقٌ له؛ إذ الرق 
والعبودية في الحقيقة: هو رق القلب وعبوديته» فما استرق القلب واستعبده 
فهو عبده» ولهذا يقال: 

العبدٌُ خُر ما قنع * والحرٌ عبدٌ ما طيع(1) 
وقال القائل: 
أطعتُ مطامعي فاستعبدتني * ولوأني قنعتُ لكنت حرًا(2) 

ويقال: الطمع غُلَّ في العنق» قيد في الرّجُلء فإذا زال الغُل من العنق زال 
القيد من الرّجل. 

ويُروى عن عمر بن المخطاب ور أنه قال: «الطمعٌ فَقرء واليأس غن» وإِنَّ 
أحدككم إذا يئس مِن شيء استغنى عنه)(3). 

وهذا أمر يجده الإفسان من نفسه» فإن الأمر الذي ييأس منه لا يطلبه 
ولا يطمع به ولا يبقى قلبه فقيرا إليهه ولا إلى ن يفعله. وأمّا إذا طمع في أمر 
من الأمور ورجاه» فإن قلبه يتعلق به؛ فيصير فقيرًا إلى حصوله وإلى من يظن 


7 عزاه الأبشيهي في «المستطرف في كل فن مستظرف» للكندي (1/ 155). 

۶ ابی لأبي العتاهية. انظر «ديوانه» (ص 61)»: وذكر الدميري في «حياة الحيوان الكبرى» أن 
الحلّاج- عليه من الله ما يستحق- قاله عند قتله (1/ 348). 

أخرجه ابن المبارك في «الزهدا (1/ 354) برقم (998)» وابن عساكر في تاريخ دمشق) (44/ 


.(357 


-) 270 سس شرج رسالة العبودية ) 
أنه سبب في حصوله» وهذا في المال والجاه والصّور وغير ذلك؛ قال الخليل 4لل: 
(فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون) [العدكبوت: 17]. 

فالعبد لا بد له من رزق» وهو محتاج إلى ذلك» فإذا طلب رزقه من الله 
صار عبدًا للّه» فقيرًا إليهء وإذا طلبه من مخلوق صار عبدًا لذلك المخلوق فقيرًا 
اليف 

وطذا كانت مسألة المخلوق محرمة في الأصلء وإلما ا و ا 
اهي عنها أحاديث كثيرة في الصّحاح والسنن والمسانيد؛ كقوله 4: «لا تزالٌ 
المسألةٌ بأحدكم حى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مُزعة لحم (2(1)1)» 
وقوله: «مّن سأل الناس وله ما يُغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشًا- أو 
خمونًا أو كدوحًا(ة)- في وجهه)(1)» وقوله: «لا تل المسألة إلا لذي غرم 
مفظع» أو دم موجع» أو قفر مُدْقِع)(2). 


' أي: قطعة لحم يسيرة» علامة عل ذله بالسؤال. 

9 أخرجه البخاري (1474) ومسلم (1040) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. 

5 قال الملا علي القاري في «مرقاة المفاتيح) (4/ 1313) في بيان معاني هذه الكلمات: «ألفاظ 
متقاربة المعاني: جمع خمش وخدش وكدح» فالأوا هنا إا لشك الراوي؛ إذ الكل يُعرب عن أثر 
ما يَظهر على الجلد واللحم من ملاقاة الجسد ما يقشر أو يجرح» ولعل المراد بها: آثار مُستنكرة 
في وجهه حقيقة» أو أمارات؛ ليُعرف ويشتهر بذلك بين أهل الموقف» أو لتقسيم منازل 
السائل؛ فإنّه مُقِلٌُ أومُكثر أو مُفرط في المسألة» فذكر الأقسام على حسب ذلك» والخمش 
أبلغ في معناه من الخدشء وهو أبلغ من الكدح؛ إذ الحمش في الوجه» والخدش في الجلدء 
والكدح فوق الجلد. وقيل: الخدش: قشر الجاد بعُود. والحمش: قشر بالأظفار. والكدح: 


ع 


وهذا المعنى في «الصحيح» وفيه أيضًا: لان يأ خذ أحدُڪم ادف 
فيحتطب خير له من أن يسأل الناس؛ أعطوه أو منعوه)(3)» وقال: «ما أتاك من 
هذا المال وأنت غير سائل ولا مُشرف فَخُذَّه وما لاء فلا تتبعه نفسك)(4): 
فگره أخذه مع سؤال اللّسان واستشراف القلب» وقال في الحديث الصّحيح: 
امن يُستغن يُغنه الله» ومّن يستعفف يُعِمّه الله ومن يتصبّر يُصَبّره اللهه وما 
أعطي أن عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر»(5). 

وأوصى خواص أصحابه ألا يسألوا الناس شيئاء وفي «المسند): «أنّ أبا بكر 
کان يَسقط السوظ من يده فلا يقول لأحد: ناولني إِيّاهُ ويقول: إن خليلي 
مرق 31 اسل الناس شيئًا»(6)» وفي اصحیح مسلم» وغيره عن عوف بن 


العض» وهي في أصلها مصادرء لكنها لما جُعلت أسماء للآثار جُبعت). 
أخرجه أبوداود (1626)» والترمذي (650)» من حديث عبد الله بن مسعود وَللكه» وصححه 
الألباني في «صحيح أبي داودا (1438). 


ار 


2 أخرجه أحمد (12155)» وأبو داود (1641) من حديث أنس َء وضعفه الألباني في 
«تخريج مشكلة الفقرا (41). 

أخرجه البخاري (1471)» ومسلم (1042) من حديث أي هريرة د. 

ا البخاري (1473)»؛ ومسلم (1045) من حديث عمر بن الخطاب ذَلِقتَهُ. 

ا البخاري (1469) ومسلم (1053) من حديث أبي سعيد الخدري د. 

© أخرجه أحمد (65) من حديث أبي هريرة َء وضعفه الألباني في اضعيف الترغيب 


والترهيب) (492). 


aims n sae a RE 272 |...‏ | شرح رسالة العبودية 


مالك: «أنَّ البي ب بايعه في طائفة» وأسرّ إليهم كلمة خَفِيّة: «ألا قسألوا الاس 
شيئًاا» فكان بعض أولعك التّفر يسقط السوط من يد أحدهم ولا قول لاحك 
ناولني إياه)(1). 

وقد دلّت النصوصٌ عل الأمر بمسألة الخالق» والنهي عن مسألة المخلوق 
في غير موضع» كقوله تعالى: (فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب) [الشرح: 
7 وقول النبي 4 لابن عبّاس: «إذا سألت فاسأل الله» وإذا استعنك فاستعن 
باللّه)(2)» ومنه قول الخليل: (فابتغوا عند اللّه الرزق) [العنكبوت:17] (3)» ولم 
يقل: فابتغوا الرزق عند الله؛ لأنَّ تقديم الظرف يُشعر بالاختصاص والخصب 
كانه قال لا كبقفوا التروق إلا عند الله وقد قال تعال: (واسألوا الله ن 
فضله) [النساء:32]). 

حر 
يشير المصنف رحمه الله إلى أن الإنسان باستسلامه لأهوائه ورغباته- فإنه 


N 


يكون أسيرًا هاء وهذا يضرّه دنيويًا وأخرويًا. 


'' أخرجه مسلم (1043) من حديث عوف بن مالك ذَلِكَه. 


7 أخرجه أحمد (2669)» والترمذي (2516) من حديث أي هريرة َء وصححه الألباني في 


«المشكة» (5302). 

جاء هذا في دعوة الخليل إبراهيم عليه السلام لقومه؛ قال تعالى: (وَإِبْرَاهِيمَ اذ قال لِقَوْمِهِ 
وُو ٳفگا إن الَدِينَ عيدو مِنْ دون الله لا يلكو كم ًا افوا عند الله الرَزق 
وَاعْبْدُوُ وَاشْكْرُوا لَه َيه نُرْجَعُونَ) [العنكبوت: 17]. 


وإن ترك نفسّه بدون معالجة فإن هذا المرض سيستفحل إلى أن يهلكه 

فعلى العبد أن ينظر إلى قلبه وما وَكَرَ فيه؛ هل هي عبودية الله عز وجل؟ أم 
عبودية الماديات؟ 

وهذا قيل: العبد خُر ما قنع؛ إذ القناعة من أهم الأمور التي يُرزقها العبدء 
بحيث تقنع نفسه بما قسم الله له» فيعلم أَنَّ رزقه مقسوم؛ وكما يقال في المَكَل: 
«القناعة كنز لا يفنى)» فإذا كان العبد قنوعًا بما قسم الله له راضيًا به ارتاح 
يالةء واطماقت تفه 

وكذلك الجر عبد ما طمع؛ فالطمع هو الذي يجعل الإنسان مستعبّدًا هذه 
الشهوات» فإذا أخذ يَطلبها ويسعى بكل جهده ليحصل عليهاء فهذا طمع 
يؤدي به إلى عبودية الشيء الذي يطمع فيه» كما قال القائل: 

أطعت مطامعي فاستعبدتني *** ولو أفي قنعت لكنت حرا 
ولقد حت الدب 7 على القناعة» وبيّن أنها طريق 0 
عليه الصلاة والسلام: «قَذأَفْكَحَ م وا > وززق كَقَافَاء وف قَنَعَهُ الله يما 
آثّاة)(1)» وعن عُبيد الله بن حصن و“ قال: قال رسول الله كَلِ: امن أصبح 
منڪم آمنًا في سِرْبهه مُعافى في جسده عنده قوت يومه؛ فكأنّما جيزت له 
الدنيا)(2). 


02( خرجه مسلم (1054) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. 


2( اک الترمذي (2346) وابن ماجه (4141)» وحسنه الألباني وصححه الألباني 5 


ااصحيح ابن ماجه» (3340). 


.| 274 ا شرع رمال الفيرد يه | 
فالطمع إذا استولى على القلوب لم تعد تقنع لا بالقليل ولا بالكثير. وهذا ما 
خرن منه نبينا عليه الصلاة والسلام؛ كما في «الصّحيحين» عن ابن عباس 
رضي الله عنهماء قال: سمعت الحو ب يقول: «لو كان لابن آدم واديان من مال 
لابتغى ثالنّاه ولا يملا جوف ابن آدم إلا التراب» ويّتوب الله على مَّن تاب»(1). 


قال أبو حاتم رحمه اللّه: «هِنْ أكثر مواهب الله لعباده وأعظمها خطرًا؛ 
القناعة. وليس شيءٌ أروحٌ للبدن من الرضا بالقضاء والفقة بِالقَسُمء ولولم 
يكن في القناعة خصلة تحمد إلا الراحة وعدم الدخول في مواضع السوء 
يطلب المّضلء لكان الواجبٌ على العاقل ألا يفارق القناعة على حالة من 
الأحوال)(2): 

وقال أيضًا: «القناعة تكون بالقلب؛ فمن غني قلبة غنيت يذاه ومن 
افتقر قلبّهِ لم ينفعه غناه» ومّن قنع لم يكس خط وعاش آمنًا مطمئنًاء ومن لم 
يقنع لم يڪن له في الفوائت نهاية لرغبته)(3). 


اک البخاري (6436) ومسلم (1049). 
2 اروظة العقلاء الاين حبان (130149). 


أ اروضة العقلك) لابن خان ( 149 150). 


لذلك يجب على الإفسان أن يكون في قلبه من القناعة ما يجعله يرضى بما 
الله عز وجل له» ويحسن التعامل مع نعم الله عليه» ويقوم بشكرها؛ لأنها 
نعم لا تُعَدٌّ ولا تحصى. 

أمّا الطمع فهو عُلّ في العنق يدفع صاحبه إلى أمور غير حمودة؛ لذك يُروى 
هن غر بی الخطاب آنه قال: «الطمع فقو وباس ا قنك أن الفق 
غنى الفس» والإذسان إذا أيس من شيء استغنى عنه؛ وبالتالي يكفيه القليل؛ 
وقد يكون بهذا القليل من أسعد الناس» والإفسان- أحيانًا- مُشقيه الكثير؛ 
لأنه يحتاج إلى رعاية وإلى متابعة وإلى أشياء لا حصر لماء وه ولا يعلم ما 

لذلك ينبغي على العبد أن يتعلق باللّه عز وجل وحده؛ ون يڪون طلبه من 
الله سبحانه وتعالى وحده؛ ون يڪون على يقين وتعلق بالله سبحانه وتعالى؛ 
لآق الوق هى الله وحده قال الل مجان فاا عبت الله اتروق واعيندوة 
واشكروا له إليه ترجعون) [العنكبرت:17]» ولم يقل: فابتغوا الرزق عند اللّه؛ لأن 
تقديم الظرف يُشعر بالاختصاص» وهذا يدل عل أ الرزق عند الله سبحانه 
وتعالى وحده؛ وليس عند أحد من الناس. 

والدعاء من أعظم الأمور التي يحصل بها الرزق مع الأخذ بأسبابه؛ لأنَّ الله 
بيده مقاليد الأمور؛ إذا أراد حصول الرزق للعبد كان» وإذا لم مُرده لم يڪن» 
فإذا أخذ العبد بأسباب الرزق» وطلبه من الله صار عبدًا لله بحق فقيرًا إليه 


وحده» وإذا ما تعلق به عز وجل وتذلل له وانحسر وا اليه وعد يدئ 


| شرح رسالة العبودية‎ | uaa SA ea ea 276 |... 


الضراعة لله سبحانه وتعالى» مع تمجيده والغناء عليه- أعطاه من التّعم ما لا 
يخطر له على بال. 

وحتى لو أن اللّه تعالى لم يعط العبد ما طلب لحم يعلمها- لم يحرم العبد 
أجر دعائه وثنائه على الله وانكساره وانطراحه بين يديه. 

فالدعاء لا يخلو من فائدة؛ فعن أبي سعيد الخدري ولي أن الي به قال: 
اما ِن مُسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثمٌ ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها 
إحدى ثلاث: إِمّا أن يُعَجّلٍ له دعوته. وإمّا أن يدخرها له في الآخرة. وإِمّا أن 
صرف عنه من السوء مثلها». قالوا: إذن تُكثر! قال: «النّهُ أ كثن(1). 

فالدّاعي في كل الأحوال رابح» وعلى خيرء وإلى خير. 

وأا إذا سأل المخلوق عخلوقًا مغله وقذال له فسيضير عبدًا له:والأصل أن 
العذلل للمخلوق بالمسألة محرم؛ لأن العذلل والمسكنة والاستعانة لا يَنبغي أن 
تُصرف إلا إلى الله سبحانه وتعالى» كما قال الي 4 لابن عباس رضي الله 
عنهما: إذا سألتَ فاسأل اللّه وإذا استعنت فاستعن باللّه)» وابن عباس غلام 
في الغالغة عشر من عمره» لكن الي ب أراد أن يغرس في قلبه هذه المعاني 
الل 

فالعبودية الحقّة لله سبحانه وتعالى لا يجوز أن تُصرف لغيره» ومهما يڪن 
من سؤال ففيه نوع مذلة» ولذلك قال المصنف: «وفي النهي عنه أحاديث كثيرة 


'' أخرجه أحمد في «المسند) (11149)» وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» 


.)1633( 


في الصحاح والسنن والمسانيد» كقوله بَلْهِ: «لا تزال المسألةُ بأحدكم حتى يأقي 
يوم القيامة وليس في وجهه مُزعة لحم)» وقوله: «مّن سأل الناس وله ما يُغنيه 
جاءت مُسألته يوم القيامة خُدُوسَا- أو خمونًا أو كُدوحًا- في وجهه)» فهل 
يَرضى الإذسان أن يلقى الله يوم القيامة على هذا الحال؛ فسأل الله العافية. 

والمسألة لا تصلح إلا لشلاث؛ لذي قر مُدقع» أولذي عُرم مفظع أولذي 
دم مُوجع» كما جاء في الحديث. 

والفقر المدقع» أصله من الدقعاءء وهو التراب» ومعناه: الفقر الذي يُفضي 
بصاحبه إلى التراب» بحيث لا يكون عنده ما يتقي به التراب. 

والغرم المفظع: أي: الشنيع المجاوز المقدارء وأراد به الديون الفادحة التي 
تهبط صاحبها. 

والدم المُوجع: هو الذي يُوجع أولياء المقتول من شِدَّة تحمل الدّيات(1). 

ولذلك حث المبي 4 على العمل وذمَّ المسألة؛ فقال: «لأن يأخذ أحدُكم 
حَبلّه» فيّذهب فيحتطب خير له من أن يسأل الناس؛ أعطوه أو منعوه). 

ودعا ¥ إلى الصبر والاستغناء والاستعفاف عمًّا في أيدي الناس؛ فقال: 
من يستعْنٍ يُغنه اللّه» ومّن يُستعفف يُعِفّه الله ومّن يتصبر يُصبره الله وما 
أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر). 

وأوضى راض اد تسألوا الناس شیئاء كما جاء في شان أي بكر 
أنه كان يسقط سوط الدابة من يده فينزل عن دابته» وهذا فيه كلفة ومشقة 


'' انظر: «الميسر في شرح مصابيح السنة» للتَُورِيِشْتي (2/ 437). 


| شرح رسالة العبودية‎ | uaa a eae 278 |... 


ويتناول سوطه؛ لكيلا يطلب من أحد أن يناوله إيّاهه مع أن هذه الأسور قد 
تكون من أقل أنواع السؤالء ولكنها أمور تَرَيّ عليها خواصٌ أصحاب النبي 
5 حتى لا يسألوا الناس شيا أبدًا. 
وقد دلت النصوصٌ عل الأمر بسؤال الخالق والنهي عن سؤال المخلوق في 
غير موضع؛ كما في قوله تعالى: (فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب) 
[الشرح:7]» فالرغبة تكون إلى الله سبحانه وتعالى وحده. 
50 


IO ee Saa لشيخ الإسلام ا‎ | 


قال المصنف رحمه اللّه: «والإفسان لا بد له من حصول ما يحتاج إليه من 
الرزق ونحوهء ودفع ما يضرّه. وکا الأمرين شرع له أن يكون دعاؤه لله فلا 
يسأل رزقه إلا من اللّهء ولا يشتى إلا إليهء كما قال يعقوب عليه السلام: 
(إنّما أشكو بثي وحزفي إلى اللّه)» [يوسف: 86]. 

ترج 

في كلا الأمرين من جلب النفع ودفع الضر- شرع للإنسان أن لا يسأل إلا 
اللّهه ولا يشتكي إلا إليه» كما قال يعقوب عليه السلام: (إِنّما أشكو بثئي وحزني 
إل الله ا رمق الغلوم أن الإننياق حرا ادون حو ارا 
يدور بين هذين الأمرين: جلب ما ينفعه؛ ودفع ما يضره. 

فمثلا يسأل العبدُ ريه عز وجل الغنى» ويستعيذ به من الفقرء ويسأل الله 
عز وجل القوة» ويستعيذ به من الضعف» وهكذا في كل أموره. 

ولكن الإنسان إذا مسه الضيٌ لأ إلى الله سبحانه وتعالى» وأمّا في حال 
انتغداكه وراه فإنه قد ينسى» ولذلك يول الله سبخانه وتعال: (كلا إن 
الإنسان ليطى أن رآه استغى) [العلق6]؛ فترق الأذسان فى حال رخاته يعيدًا 
عن الله سبحانه وتعالى» ولا يلجأ إليه ولا يشكره عز وجل على ما أولاه من 
نِعّم» مع أن الواجب المتعين على كل أحد أن يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى في 
جلب المنفعة وفي دفع المضرة. 


.| 280 ا ل | شرع رسالةالعيود بي | 

ولذلك عَلّمنا الى كه أن ندعو الله عز وجل في كل شيء» حتى في إصلاح 
شسع التعل(1)؛ فعن أذين يَتِيَء قال: قال رسول الله : «لِيسأل أحدُكم ربّه 
حاجته كلهاء حتى يسال شسع تعله إذا انقطع»(2). 

قال ابن بطال: اليستشعر العبدُ الافتقار إلى ربّه فى كل أمر وإن دَق ولا 
يستحبى من سؤاله ذلك»)(3). 

فالعبد في كل أحواله لا بد أن يلجأ إلى الله عز وجل» فإذا شرع له سؤال الله 
في مثل هذا الأمر اليسير» فعليه أن يلزم دعاءه في جميع أحواله؛ سواء كان دعاء 
كاه او قاع عالق 

505 


) شسع النعل: سير من سّيورها التي تڪون على وجهها؛ يَدخل بين الإصبعين. 
(2) أخرجه الترمذي (5/ 583)» وحسّنه الألباني في «المشكاة» (2251). 
)3( شرح صحيح البخارى» لابن بطّال (10/ 118(. 


) لشبخ الإسلام ابن تيمية ) ب ا يب ب ا 

قال المصنف رحمه اللّه تعالى: «واللّه- تعالى- ذَكْرَ في القرآن الجر المجميلَ 
والصفح الجميل والصبر الجميل. 

وقد قيل: إِنَّ المجر الجميل هو هجر بلا أذى. والصفح الجميل: صَفح بلا 
معاتبة. والصبر الجميل: صَبر بغير شكوى إلى المخلوق». 

نيع 

لا شك أن النفوس التي ترتقي لهذه المعاني هي نفوس عظيمة» قد ابتغت 
العزة» واللّه سبحانه وتعالى جعل العزة لمن اثبع سبيلّه؛ قال تعالى: وله العزة 
ولرسوله وللمؤمنين) [المنافقون:8]» والعزة تاج على رءوس أهلهاء لا ينبغي 
إسقاطه أو التخل عنه» لكن هذه العزة لا ثُنال بمجرد الأماني» وإنما هي أقوال 
وأفعال يقوم بها العبدُ يصل بها إلى العِرّة. 

وقول المصنف رحمه اللّه: «والله- تعالى- كر في القرآن الجر المجميلَ 
والصّفح الجميل والصبر الجميل...). 

فال حجر الجميل: هجر بلا أذىء فإذا قُدّر للعبد أن يعاقب بال حجر فإِنََّ هذا 
الهجر ينبغي أ يڪون جميلاء بمعنى: آنل ساح دناد ا دی لم 

والصفح الجميل: هو صفح بلا مُعاتبة» فلو أن إنسانًا جاءك معتذرًا فعليك 
أن لا تُعاتب؛ لعكون من أهل هذا المقام» فتقول: عفا الله عمّا سلف» وعليك 
أن تسى في أن تنزع من صدرك ومن لسانك كل ما فيه أمرعتاب لهذا 
الشخص الذي قد صفحت عن خطيئته ورّلّه. 


282 ساسح سروس a‏ شرح رسالة العبودية ) 

والصبر الجميل: هو صبر من غير شكوى إلى إلى المخلوق» وهذا موطن 
الشاهد هنا من هذا الكلام» ومعلوم أن الإذسان يصيبه من الهموم والغموم 
والأدواء والأمراض ما يعتري كثيرًا من أحواله» فمن حال الكمال أن لا يَبْتَّ 
شكواه إلى إلى مخلوق» وأن يشتكي إلى إلى الخالق سبحانه وتعالى وحده. 

فإذا أراد العبد أن ينال مقام الصبر الجميل؛ فإن هذا الأمر يتحقق بعدم 
التشى إلى المخلوق» وهذا لا شك أنه أكملء مع أن التشكى قد يكون ف 
في بعض الأحوال؛ كأن يشتكي إلى الطبيب عوارض المرض» ولكن لا يتشكى 
من الأنين والتوجع» فمن الأكمل للإذسان أن لا يُظهر هذا بين الناس» ولا شك 
أن هذا حال كنال: 

ولحكن لاس يفن الاس[ أضابةها أضبابه مين الأسراضن والاذواء 
ونحوذلك صَاحَبَ هذا جزع وتَّشَّكَه وهذا هو الممنوع فهذه المصيبة التي 
صب ا اليد داف ابعال من الل 

وليعلم الإنسان أن كل خير وكل شر قدره الله عليه إنّما هومن باب 
الابتلاء؛ كما قال الله عز وجل: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم 
اخسن غملة) الف 

قالعية حقها الشكره والبلام حقه الصين فلا بد من الشكر والضيزه كبا 
جاء في الحديث: «الإيمان نصفان: نصف صبرء ونصف شكرا(1)» فهو متوزع 
بين الأمرين (الشكر والصبر). 


'' أخرجه الشهاب في (مسنده) (1/ 127) برقم (159)» والبيهقي في اشعب الإيمان» (12/ 


2 )من حديث اس وَل مرفوعًاء ورمز السيوطي لضعفه في «الجامع الصغيرا (1/ 276)» 
وقال الألباني في «الضعيفة) (25 6): اضعيف جدًا)» وقد تقدم. 


.-[ 284 ل | شرح رسالة العبودية | 

قال المصنف رحمه اللّه: «ولمذا قُرئْ على أحمد بن حنبل في مرضه: 'إِنَّ 
طاوسًا کان پَڪره أنين المريض؛ ويقول: «إنَّهُ شكوى). ا أحمد حتى 
مات)(1). 

وأمّا الشكوى إلى الخالق فلا تناف الصبر الجميلء فإن يعقوب قال: (فصبر 
جميل) [يوسف: 83]ء وقال: (إنما تين وحزني إلى الله [يوسف: 86]. 

وكان عمر بن الخطاب و يقرأ في الفجر بسورة يونس» ويوسفه والتّحل؛ 
فَمَرّ بهذه الآية في قراءته» فبى حت سمع ذشيجه من آخر الصفوف(2). 

ومن دعاء موسى: «اللّهُهَ لك ال محمد وإليك المُشتىء وأنت المُستعانء 
وبك المستغاث» وعليك التكلان» ولا حول ولا قوة إلا بك(3). 

ات 

الشكرئ إا تتكرن إل الله سبحانه وتعال: وغل الافسان أن بيت نة 
اكوم ل ا ا و واا ا فون هذا 
المخلوق من آلام وأمراض ونحو ذلك وللأسف كثير من الناس يغفل عن هذه 


) اامسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه» للكوسج (1/ 115). 

(2) أخرجه البخاري معلقًا (1/ 144) من قول عبد الله بن شداد. 

) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (3/ 356) برقم (3394) من حديث عبد اللّه بن مسعود 
وإ قال: قال رسول الله : «ألا أعلمكم الكلمات التي تكلم بها موسى عليه السلام 


حين جاوز البحر ببنى إسرائيل؟. فقلنا: بلى» يا رسول الله. قال: «قولوا: اللَّهُمَ لك الحمد...!» 
وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (1150). 


الحقيقة» وغفلته تجعله يلجأ إلى خلوق لا يملك له نفعًا ولا ضرا ويتنسى 
الخالق سبحانه وتعالى الذي بيده ملكوت كل شيء. 

فإذا كان ما نزل بالعبد ضيمًا في العيش فإن الذي يعطي هو الله سبحانه 
وتعالى» فكيف لا يسأله الرزق؟! وإذا كان مرضًّاء فالشافي هو الله كما قال 
إبراهيم الخليل: (وإذا مرضت فهو يشفين) [الشعراء:180]؛ وكما جاء في الحديث: 
«اللّهُمّ اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقمًاا(1). 

فقلب العبد المؤمن يلجأ إلى الواحد الأحد سبحانه وتعالىه وهذه المعاني- 
للأسف مع ضعف الإيمان وعدم استحضار حق الله سبحانه وتعالى وعدم 
تحقيق العبودية الحقة- تغيب وتضعف» وبالتالي لا يحييها إلا صدق اللجوء إلى 
تدوع يبيوداةه روهال والرفية قبدافيدد 2 و 

5 


شر 


أخرجه البخاري (5742) من حديث أفس بن مالك ذَله. 


| شرح رسالة العبودية‎ | aer Sê ean aa 286 |... 


قال المصنف رحمه اللّه: «وفى الدّعاء الذي دعا به النونٌ ‏ لما فعل به أهل 
الطائف ما فعلوا: «اللَُمَّ إليك أشكو ضّعف قوتي وقِلَّة حيلتي؛ وهواني على 
الاس يا أرحم الراحمينء أنت رب المُستضعفين وأنت ربي. اللّهُمّ إلى مَن 
تكلني؟ إلى بعيدٍ يتتجهمني (1) أم إلى عدو مَلّكته أمري؟ إن لم يڪن بك 
غضب عل فلا أبالي» غير أن عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت 
به الظلمات» وصّلح عليه أمرٌ الدّنيا والآخرة: أن ينزل بي سخطكه أو يحل عل 
غضبك» لك العتى حتى ترضى(2)؛ فلا حول ولا قوة إلا بك. وف بعض 
الروايات: «ولا حولٌ ولا قُوٌة إل بك»(8). 

ا 

معلوم ما قعل أهلُ الطائف بالكي 4 حين ذهب إليهم ليدعوهم إلى 
الإسلام » وكيف سَلّطوا عليه صبيانهم وسفاءهم وجهَاطْمء ورموه با حجارة» 
وبدل أن تقوم ثقيف وهوازن- وهم أهل الطائف- بإكرامه ي أو حتى 
معاملته كضيفه أو على الأقل يكفون أذاهم عنه إذا بهم يجتمع مع عدم 
إجابتهم إلى دعوتهم عدم إكرام الضيف والتجرؤ على أذيته» ومع كل هذالجاً 


5 أي: يَلقافي بغلظة ووجه كريه. 

التي؛ هي الترضي» وهو طلب رضا الله أي: لك مني أن اراھ سي سن لض عني. 

اه الطبراني في «المعجم الكبير) (13/ 73) برقم (181)» وفي «الدعاء (ص315) برقم 
(1036) مرسلا من حديث عبد الله بن جعفر ذلك وذكره اليثمي في امجمع الزوائد) (6/ 
5) وقال: «رواه الطبراني» وفيه ابن إسحاق وهو مدلس ثقة» وبقية رجاله ثقات). 


البي ب واشتکی إلى الله سبحانه وتعالى؛ فكان ما كان من دعائه السابق من 
بت الشكرى إلى الله ستحاتة وتال واللجوء إلبة وحدة وهو اسا 
فيجب أن تٌقتدي به. 

وهذا الحديث المشتمل على هذا الدعاء؛ رواه الطبراني وغيره وضَعّفوهء على أنَّ أهلّ السّير قد 
رَوَوْه ومثل هذا يَتَوَجّه جمهورٌ أهل الكقل إلى قبوله؛ إكعدد مصادره وحِقَّة القادح ويسر الضعف 
فيه» كما قَرّر مثل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في «مقدمة في أصول التفسيرا» واستدل به الإمامٌ 
ابن القيم كثيرًا في كتبه. 

2055 


|[ 288 ار 9 رسالة العبودية ) 

قال المصنف رحمه اللّه: «وكلما قوي طمعٌ العبد في فضل الله ورحمته 

ورجائه لقضاء حاجته ودفع ضرورته- قَويت عبوديثه له وحُريتُه مِمّا سواه 
مرج 

الطمع والرجاء يتكون في الله سبحانه وتعالى» وكلما قَويَا كلما كان هذا 
دلي على قوة العبودية في قلب العبدء فهذه المعاني تظهر في قلب قَويت عبوديته 
لله سبحانه وتعالى» أمَّا إذا ضعفت العبودية فيّقل الطمع والرجاء في الله عز 
وجل؛ والإنسان حتمًا لا غالة سيلجا في .هذه الخال إلى أحد من الخلق. 

فالقلب وعاءٌ إذا لم يَمتلاً بعبودية الله عز وجل وإذا لم تَقْوَ فيه هذه المعاني 
من المحبة والخوف واليقين والرجاء والطمع في الله سبحانه وتعالى والشوكل 
عليه- استعاض عنها بمعان فاسدة» فالقلب يَصِحٌّ ويَمرض- بل ويموت- إذا 
ابتعد عما خُلِق له وعن مواد إحيائه؛ والله سبحانه وتعالى يقول: الها لا تَعمى 
الأبصار ولكن تعى القلوب التي في الصدور) [الحج:46]» ودواؤها في 
العا نل :ولريب اه للا قال ا نهنا ی و ا 
وللرسول 5ا دعام لا بكم وَاعْلَمُوا أ الله يحول بدن الْمَرْءِ وله وَأ 
إَِيْهِ تحْسَرُونَ) [الأنفال:24]» وصلاح القلوب في ملازمة الصالحين والبُعد عن 
الغافلين أهل الأهواء؛ قال الله جل وعلا: (وَاضصْيِْ تَفْسَكَ مَمَ الذي يَدْعُونَ 
رُم اعدا وَالْحَضِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَُ ولا َعْدْ عَيَْاكَ عَنْهُمْ ريد ية الَْيَاةٍ 
ادنيا ولا طم مَّنْ أَغْمَلْمَا قَلَبَهُ عَنْ كرتا وَاتَبَّعَ هواه وگن أَهْرْهُ َرْطَا) 
[الكهف:28]. 


ولذلك ترى الإإنسان الذي تحقق بهذه المعاني لا يكترث بشيء من حطام 
الدكيا ولا مبعيويةة و اتا ية وتغلقه إتيا هو باه وتحده سبحافه وتعال. 
DEER‏ 


aer 42 290 |...‏ | شرح رسالة العبودية | 


قال المصنف رحمه اللّه: «فكما أنَّ طمعه في المخلوق يُوجب عبوديته له 
فكذلك طمع العبد في ربّه ورجاؤه له يوجب عبوديته له» وإعراض قلبه عن 
الطلب من الله والرجاء له- يوجب انصراف قلبه عن العبودية للّه لا سيما مَن 
رئاسته وجنوده وأتباعه ومماليكه. وَإمّا عل أهله وأصدقائه. وإمّا على أمواله 
وذخاثره» وما عل ساداته وكبرائه؛ بالك ومَلِكه وشيخه وتخدومه وغيرهم» 
بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرًا) [الفرقان: 58]. 

وكل من علق قلبه بالمخلوقات أن ينصروه أو يرزقوه أو أن يهدوه- خضع 
قلبه هم وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك» وإن كان في الظاهر أميرًا لحم 

فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر؛ فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة- 
ولوكانت مُباحة له- يبقى قلبه أسيرًا ها تحكم فيه وتتصرف بما تريد» وهو في 
الظاهر سيدها؛ لأنه زوجها أو مالكهاء ولكنه 4 الحقيقة هو أسيرها ومملوكهاء 
ولا سيما إذا علمت بفقره إليها وعشقه هاء وأنه لا يعتاض عنها بغيرهاء فإنها 
حينئذ تتحكم فيه بحكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور؛ الذى لا 


اکر الدينوري في «المجالسة وجواهر العلم) (283/6) برقم (2640) عن بعض الحكماء. 


يستطيع الخلاص منه» بل أعظم؛ فإن أسر القلب أعظم من أسر البدنء 
واستعباد القلب أعظم من استعباد البدنء فإن من استعيد بدنه واسثرق وأسر 
لا يبالى إذا كان قلبه مستريحًا من ذلك مطمئمًاء بل يمكنه الاحتيال في 
الخلاص. 

وأا إذا كان القلب- الذي هو مَلِكُ الجسم - رقيقًا مستعبدًاء متيّمّا لغير 
اللّه؛ فهذا هو الذل والأأسر المحض والعبودية الذّليلة لما استعبد القلب. 

وعبودية القلب وأسره هي التي يُترتب عليها الثواب والعقاب» فإن المسلم 
لوأسره كافر أو استرقه فاجر بغير حق لم يضره ذلكء إذا كان قائمًا بما يقدر 
عليه من الواجبات» ومّن استُعبد بحقٌّ إذا «أدَى حقّ الله وحقّ مَوَاليِه فله 
أجران"(1)» ولو أكره على التكلم بالكفر فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان- لم 
يضره ذلك. وأمّا مَن استُعبد قلبه صار عبدًا لغير الله فهذا يضر ذلك ولو 
کان في الظاهر مَلكَ النّاس). 

عد 

قوله: «أَفْضِل عل من شئت تكن أميره)» هذا كما قيل: الإنسان أسير 

الإحسان. 


وكما قال أبو الفتح البستي: 


© أخرج مسلم (1666) عن أي هريرة یریچ قال: قال رسول الله ي: «إذا ادى العبدٌُ حم الله 


وحم مَواليهه کان له أجران). 


...| 292 اااي ا ا sins am ina Ga‏ | شرح رسالة العبودية | 


أَحْسِنْ إلى الگا تَسْتَعِدٌ قلوبَهم فطالما استعبدّ الإنسانَ إحسانٌ(1) 


إذا أحسدت إل اسان كا تك اسه ولك إذا رجت رمن 
ا ل الي 
ولا قَسْتَوي الَسََةُ ولا السّيَُّ اذَْعْ باي هي أَحْسَنْ نإ الي بيتك ونين 
E EE ES‏ 
عَظِيم) [فصلت: 34» 35]. 

وفي المقابل لو احتجت إلى أحد فستكون كأنك أسيره» أو كأنك خادم له 
ولذا ينبغي للإذسان أن يستغني عمًا في أيدي الناس» وأن يترفع عنهاء خاصة في 
آمو ر الدتياة لأنها إن كاتنت مقدرة للعغبد'فسنداتيه لا غالة وإن انت قير 
مُقَدّرة فلن تأقي؛ مهما استجدى غيره ومهما ذل له. 

وعليه فطمع العبد في ربّه ورجاؤه له يُوجب عبوديته له. 

وما إغراض القلب عن سوال الله رجاه ل فجت الصر اف قلجه عن 
عبودية الله عز وجل» وهذه طامّة کبری؛ لأن صلاح القلب صلاح للجسد 
كله» وفساد القلب فساد للجسد كله. 

ومن يركن إل رتاسته وجنوده وأتباعة وماليكة؛ أو إلى أهله وأصدقائة أو 
إلى أمواله وذخائره» أو إلى سادته وكبرائه- يڪون طمعه ورجاؤه فيهم» وليس في 
الله عز وجل» فتستعبده هذه الأشياء» وإن كان رئيسًا أو مَلِكًا في الظاهر إلا أنه 
لحاجته إليهم فهو مرءوس؛ لأنهم في الحقيقة هم الذين يمُسيرون له الأمور 


7" انظر: «(قصائد من عيون الشعر» (ص36). 


ويُوجهونه» وصار يخشاهم؛ بدل أن يخشوه؛ وأصبح مُلكه مسخرًا للهم؛ 
فيحصلون على أموال الناس بالباطل؛ ويظلمونهم» ونحوذلكء ولا يستطيع أن 
يَمنعهم؛ حتى لا ينص رفوا عنه» أو يَمكروا به؛ فهذا في الحقيقة استرقاق 
واستعباد له وإن كان في الظاهر أنه أميرهم ومُدبر أمورهم. 

ولذلك أمر الله نبيّه 4 بالتوكل عليه وحده؛ فقال: (وتوكل على الحي الذي 
لا يموت) [الفرقان:58]. 

فالعاقل ينظر إلى حقائق الأمور وبواطنها وليس إلى ظواهرهاء وقد ضرب 
المصنف مفلا برجل تعلق قلبه بزوجته أو بأَمَتُِ وهذا الأمر مباح؛ وفي الظاهر 
هو زوجها أو سيدهاء وله القوامة عليهاء ولكن قلبه في الحقيقة أسير لها 
تتحكم فيه كيفما شاءت. 

لماذا؟ لأن هذا التعلق منه بهذه المرأة يُشعرها كأنه لا يستطيع أن يعيش 
بدونهاء فتتظل هي الآمرة» ولا يستطيع أن يُوَخَّر ها أمرًا؛ لما في قلبه مِن تعلق 
بها حتى يصير كالمملوك والأسير عندهاء وإن كان في الظاهر هو زوجها 
وسيدها! 

وهذا نجده- أيضًا- عند من يتعلق بالمالك حتى يصير عبدًا له؛ يفعل من 
أجله الموبقات من القتل والظلم والسرقة؛ ويُعَرّض نفسه للتهلكة والسجن 
وو داك لأكة استرق تسه لمال 

OOEHER 


...| 294 277575707000 | شرح رسالة العبودية | 


قال المصنف رحمه اللّه: «فالحرية حرية القلبء والعبودية عبودية القلب» 
كما أنَّ الفنى غنى النفس؛ قال الديئٌ كله: اليس الغنى عن كثرة العَرّضء وإنّما 
الغنى غِنى التّفيسن)(1). 

يج 

الأمريعود إلى القلب؛ لأنه مَلِك الجسم» كما قال أبوهريرة: «القلب مَِك 
وله جنود» فإذا صَلح المَلِك صلحت جنوده وإذا سد الملك فسدت 
جنوده)(2)» وقد قال الني يله: أل وإنَّ في الجسد مُضغة؛ إذا صَلحت صلع 
الجسد كله وإذا فسدت فُسَّد الجسد كله ألا وهي القلب ا(8 فهذه الأعضناء 
كلها تبّع لهذا القلب؛ تأتمر بأمره وتنتهي بنهيه» فإذا كان هذا القلب مستعبدًا 
لغير الله عز وجلء تبعته الجوارح وسقي صاحبه بذلك. 

وعبودية القلب هي التي يترتب عليها الغواب والعقاب؛ لأن هذا القلب 
هو الموجه للأعضاءء فإذا كانت عبوديته لله عز وجل فالأعضاء تبع لهذا 
العبودية؛ فترى الإفسان- مثلا- يغض بصره ويحفظ فرجه» ولا يستمع إلى 
حرام» ولا يأكل حرامًا..؛ لماذا؟ لأن قلبه امتلاً عبودية عز وجل؛ بحيث علم أن 
الأمرهو أمر الله وأن النهي هو نهيه عز وجل. 


هه البخاري (6446) ومسلم (1051) من حديث أي هريرة ذَلتَهُ. 
7 أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان) (1/ 257) برقم (108). 


ا البخاري (52) ومسلم (1599) من حديث النعمان بن بشير ذَلتَهُ. 


فالحريةٌ حرية القلب» والعبودية عبودية القلب» كما أنَّ الغنى غنى الكّفس؛ 
قال الي 4 قال: «لّيس الغنى عن كثرة العَرَضء وَإِنّما الغنى غِنى التّفيس). 

فَالعَرَشُ هو متاع الدنياء ومعنى الحديث: أنَّ الفنى المحمود هوغِنى 
النفس وشبعها وقِلّة جرصهاء لا كثرة المال مع الحرص على الزيادة؛ لأنَّ مَن كان 
طالبًا للزيادة لم ستغن بما معه» وبالتالي لن يشبع؛ فليس له غِنى. 

فنسأل الله عز وجل أن يُحَبّب إلينا الإيمان» وأن يُرَيّنه في قلوبناء وأن 
يره إلينا الكفر والفسوق والعصيان. 

5 


.| 296 ل | :شرع رسالة العبودية ) 

قال المصنف رحمه اللّه: «وَهَذَّا لعَمْرو الله إذا كآنّ قد استعبد قلبّه ضُورَةٌ 
ا َأما مَن استعبد قلبه صُورّة تُحرمّة؛ امرََة أو صبي» فَهَدَاهُوَالعَدَابِ 
الي لا يُدانيه عَذّاب. 

وَهَولاء- عُشّاق الصّور- مِن أعظم الاس عدَابً قله تابه فإِنَّ العاشق 
لصورة إذا قي قلبه ملم با مستعبدًا لها اتمَع له من أَنَْاع الق وا الفساد 

ا ا يحْصِيه إل رب العبادء ولَوسَلِم ِن فعل القَاجِنَّة الكبرَى» فَدَوَام تعلق 
القلب بها- بلا عل القَاحِمّة- أَمَدُ صَرَرَا عَليِْ مِمّن يفعل ذَنباء ثم توب 
ِن ويرول اثر من قلبه. وهَؤُلَاء يشبّهون بالسكارى والمجانین» گنا قيل: 


سكران سُكر هوی وسّكر مُدَامة(1) ومَتى إفاقة من به سكرانٍ؟(2) 
وقيل: 

قَالُواا جُننت يمن تهوى! ققلت لَهُم | | العِشّْقٌ أعظمُ مِما بالمجانين 

الى مشي الدع صا وإِنَّمَا يُصرع المَجُنُون في جين (3)) 


بعد أن تكلم المصنف عن تعلق الإفسان بامرأة مباحة له» وبَيّن الضرر 
العائد عليه من جَرّاء هذا التعلق المباح- ذكر هنا حال الإفسان إذا كان تعلقه 


الدامة اشير 

2 البيت لديك الجن من جر الكامل. انظر اديرائها (ض 193). 

9 البيتان لقيس بن الملوح؛ (مجنون ليلى). من بحر الكامل. انظر: «ديوان الصبابة» لابن أبي 
حجلة (ص5). 


حرمًاء وأوضح أن هَدا هُوَ العَدَاب الَذِي لا يُدانيه عَدَابِ؛ٍ ولذلك نهى الله تعالى 
عن سلوك الطريق الموصل إلى هذا؛ فقال: (وَلَا تَقُمَمُوا الوّنَا إِنَّهُ گان فَاحِسَةٌ 
e‏ [الإسراء:32]؛ ليقطع على الشيطان ا KEE‏ 
والستر والعفاف؛ فقال: (قُلُ ؤم يَعْضُوا مِنْ أَبْصَارِحِمْ ينوا مُرُوجَهُمْ 
لك زک له إن ا تَعُونَ * وَفْلْ لِلْمُؤْمِنَاتٍ يَعْضُضّْنَ مِنْ 
ارهن وَيحَْظْنَ فُرُوجَهْنَ ولا يُبْدِينَ زِينَكَهْنَ لا ما هر مِنْهَا وَلْيَطْرِيْنَ 
رهن 00 کک ا 30« 31[ ونی عن 000 ا ص سبحانه: 


32[ را ۰ الله 6 ا من الخلوة والاختلاط بالنساء 
الأجنبيات» فقال كك: ١لا‏ لون رَجُلّ بامُرأةا(1)» وقال عليه الصلاة والسّلام: 
«إِيَّكُمْ وَالدُخُولَ عَلَ النّسَاءِا(2)؛ كل هذا صيانة للعباد والبلاد عن مفاسد 
هذه الأمراض الخطيرة التي تنتج عن العشق والفَعَلّق بغير الله. 

جنات 


9 اڪره البخاري (3006) ومسلم (1341) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. 


ل 


9 أخرجه البخاري (5232) ومسلم (2172) من حديث عقبة بن عامر كَل 


aa ana aa 298 |...‏ | شرح رسالة العبودية 


قال المُصَتمُ رحمه اللّه: «وَمِن أعْطّم أَسبَابٍ هَدًا البلاء: إِعْرَاضُ القلب 
عن اللّه؛ فَإِن القلب إذا ذاق طعمّ عبَادة الله والإخلاص ل لم يكن عِنْده 
شَيْء قط أحلى من ذلك ولا أذ ولا أمتع ولا أطيب. والإِدْسَان لا يثرك محبوبًا 
إل بمحبوب آخر يكون أحبٍّ إِلَيْهِ من أو خوفًا من مَكْرُوهه فالحب القَايد 
نَم ينُصَرف القلب عَنهُ بالحبٍّ الصّالح» أو با خوف من الصَّرّرِ. 

قَالَ نَعَالَ في حقٌّ يُوسّف: ذلك لنصرف عَنهُ السوء والفحشاء إِنّه من 
عبادنًا المخلصين) [يوسف: 24 قاللّه يصرف عَن عبده ما يَسوؤه من الميل إل 
الور والتعلق بها ويصرف عَنهُ المَحْشَاءَ بإخلاصه لله ولِهَدًا يكون قبل أن 
يَذُوق حلاوة العْبُودِيّة لله والإخلاص له يحَيّتُ تغلبه سه على انَّسَاع هَوامَاء 
قإذا ذاق عم الإخلاص وقوي في قلبه- انقهر لَهُ هَواهُ بلا علاج. 

َال تَعَالَ: (إِنَّ الصّلاة تنهى عَن المَحْمَاء والمُنكر ولذكر الله أكبر) 
[العنكبوت: 45]» فَإِنَ الصَّلاة فِيهًا دفع مک وهوالمَحشَاء والمنكرء وفيهًا 
تَخْصِيل خَحْبُوبِ» وهُو ذكر اللّه. وحُصُول هدا المحبوب أكبرٌ من دفع ذلك 
المَكْرُوه فَإِنَّ ذكرٌ الله عبَادَة لله وعبادّة القلب لله مَفُصُودّة لذاتها. وأمّا 
اندفاع الشَّدّ عَنهُ فَهُو مَقَصود لغيره على سَبيل التبع). 

مرج 

إذا ظهر جليًا أن كل مَن أحب شيئًا من المخلوقين عدب به ولا بد» فإن في 
المقابل من أحب الله وعمل بطاعته وجد السعادة الحقيقية» قال الله تعالى: من 
أَجْرَهُمْ اخسن مَا اوا يَعْمَلُونَ) [الدحل: 97]» وذاق طعم الإيمان؛ قال كللة: 


«ذَاق ظَعْمَ الإيمانٍ مَنْ رَضِيَ الله رب وبالإسلاع يلاء وبِمُحَمَّدٍ رَسُولًاا(1)» 
وأحسٌ بحلاوة الإيمان؛ قال رسول الله :ثلاث مَن كَل فيه وَجد بهن 
حلذوة الان من كان الله ورسوله أحة اله غا ساهتا وان الل 
بحبه إلا لله» وان يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منهه كما يكره 
أن يقذف في النار(2)» فهذه النصوص الشرعية وغيرها دالة على فضائل محبة 
الله والتعلق به والإخلاص في عبوديته» وكذلك التجربة تدل على ذلك. 

وقلب العبد كالإناء إما أن يملا بالخير وإما أن يملا بمحبة من سواه؛ 
فالحب الفاسد إنما ينصرف القلب عنه بالحب الصالح» أو بالخوف من الضرر؛ 
ثم ضرب شيخ الإسلام مَكَأا بِيُوسّف عليه السلام لما استعاذ بالله والعجأ إليه؛ 


ے 
ع 


ف: [قال يَبّ السّجْنُ أَحَبٌ ل مما يَدعُوئني ليه ولا ضرف عَئي گيدَهُنَ 
EOE E TE KE E‏ 
واستجاب دعاءه» وصرف عَنة السّوء والفحشاء لإنَّه كان ين عباد الله 
المخلصين. 

ثم بين أن عبادّة القلب لله مَفْصُودَة لذاتهاء وأمّا اندفاع الشَّرّ عَنَهُ فَهُو 
مَقْصود لغيره على سيل القبع؛ فالصَّلَاة- مثلًا- فِيمَا تهي عن القَحْمَاء 
والمُنكرء وفيهًا إقامة ذكر الله وهو تحصيل لأمر حبوب» وحُصُول هَذًا المحبوب 


() أخرجه مسلم (34) من حديث العباس بن عبد المطلب وع 


شر 


ارس البخاري (21) ومسلم (43) من حديث أفس ذَلَهُ. 


ê ea aga O 300 |...‏ قا وه ل لل لا a‏ | شرح رسالة العبودية | 


5-4 


أكبرٌ من دفع ذلك المَكْرُوه؛ قال ابن كثير: «الصَّلَاءُ تشتمل على شيئين: على 
ترك القّوَاحش والمُنكرات» أي: إِنَّ مُوَاظطبتها تحمل على ترك ذلك)(1). 
لحن ا 


() «تفسير ابن كثيرا (6/ 280), 


لشيخ الإسلام او أ 0011 SOT‏ 


قال المضتق رجه الله:#والغلب خلق يحب الل ويريده ونظلبه: فاا 
عرضت لَهُإِرَادَة الدَّرَ طلب دفع ذَلِك؛ فَإِنََا تُفُسد القلب كما يَفُسد الرَّرْعٌ 
ما ينبت فيه من الدّغل(1). 

ولِهَدَا قَالَ تَعَالَ: (قد أَفُلح من زكاها * وقد حَابَ من دساها) [المس: » 
0 وقَالَ تَعَالَ: (قد فلع من تزف * وذکر اسم ربه فصل) [الأعل: 14 15]» 
قال تَعَالَ: (قل للمُؤْمِنِين يغضوا من أَبْصَارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزى 
آهم) الر: 30 وال تَعَالَ: (وَولَا فضلٰ الله عََيْكُم ورّحته ما زک مِنْكُم 
من أحد أبدًا) [الثور: 20]» فجعل سبحَادَهُ غص البَصَر وحفظ الفرج هُوأقوى 
كيه دی رتك أن فرك القرلجضن من 6ین ارس تتن 
وال ججبيع الشرور؛ من المّواحِش والظلم والشّرك والكذب وغير ذَِك). 

ا 

إن الفلاح الحقيقي في تزكية النفس وتهذيبها وتخليصها مِن كل الأدران 
السيئة والعمل على السمو بها بالإيمان والعمل الصالح؛ قال الله تعالى: (وَتَفس 
98 0 23 
es‏ 

وإذا كان أهل السنة والجماعة في أبواب الاعتقاد هم منهج راشد قائم عل 
نصوص الكتاب والسنة» فلديهم كذلك منهج راشد مُستنبط من الكتاب 
والسنة في مجال الأخلاق والآداب» ويشمل منهجهم- كذلك- سياسة الدنيا 


7" الدغل: الفجر الملتف حول الفنجر المُفسد للورع والمراد هنلا يدخل:ق القلب مُفسدًا له 


--[ 302 2 | شرع ردا انر | 
بهذا الدين» وكيفية النهوض بحياة الفرد والمجتمع؛ وبالجملة فمنهجهم هو 
إصلاح الفرد وبالتالي إصلاح المجتمع؛ دينًا ودُنيا؛ ليفوز العبد في الآخرة؛ 
فالخير كل الخير في اتباع هذه الشريعة المباركة التي ما تركت خيرًا في قليل ولا 
كثير إلا مرت به وحَّت عليه» وأجزلت الأجر عليه ولا تركت شرا في قليل 
ولا كثير إلا حَذَّرَت منه» ونَهَت عنه» ويّيّنت وخيم عواقب فعله؛ فكانت كاملة 
حسنة من جميع الوجوه» وقد أثار ذلك استغراب غير المسلمين؛ حتى قال 
أحدهم لسلمان الفارسي وي : قد ٤‏ نبيكم کک شيء حق 
الخراءة؟ فقال: «أجل؛ لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول...)(1). 
لحان 


ههه (262) عن عبد الرحمن بن يزيد» عن سلمان و . 


قال المصنف رحمه اللّه: «وكدَلِك طالب الْرّئّاسَة شن والعدو ق الا رت قلبه 
رَقيق لمن د يُعينة عَلَيْمَا ولو ان في الظَاهِر مقدَمَهم والمطاع فيهم, هوني 
الحقيقة يَرجوهم ويخافهم؛ فيبذل لَهُم الأَمُوال والولايات» ويعفو عَمّا يجترحونه 
ليطيعوه ويعينوه فَمُوف الظاهر رَئِيس مُطاعء وفي الحَقِيقَة عبد مُطيع لهم 

والتَحقيق: أن كلاهُمًا(1) فِيهِ عبودية للآخرء وكلاهُمًا تارك لحقيقة عبَّادّة 
اللّه. وإذا كانَ تعاونهما على العُلوَ في الأْض بِعَيْر الحق» اتا بِمَنِْلَة المتعاونين 
على القَاحِمّة أو قطع الطرِيق؛ فكل واجد من الشخصين» ودای اسععيد: 
واسكرقه تة للخو 

وهَكدًا- أَيْضَّا- طالب المّالء فَإن ذلك المال يستعبده ويسترقه). 

ل الإمارة والرياسة لا يَصلح شاك ا فعن أ در 26 قال: «قلت: يا 
رسول الله ألا ستعملي؟ قال: فضرب بيده على مَنْكِِيء ثم قال: «يا أبا ذر إنَّك 
ضعيفٌء وإنَّها أمانة» وإنها يوم القيامة خزي وندامةء إلا من أخذها بحقّهاء 
وأدّى الذي عليه فيها)(2)؛ فكان من هديه ب ألا يولي من حرص عليها وسعى 
إليها؛ فعن أبي موسى وإ قال: ادخلت عل النبي ل أنا ورجلان من بني 


عَمَيِء فقال أحد الجُلِين: يا رسول الله أَمّرْنا على بعض ما وَلّاكَ الله عز وجل؛ 


9( كذا في النسخ» والأصوب: كليهما. 
9 أخرجة مسل (1825). 


...| 304 اي ا Sw aaa‏ لا 6 زا ل لا uae‏ | شرح رسالة العبودية | 


وقال الآخر مغل ذلك» فقال: (إنَا- وَاللّهِ- لا نول على هذا العمل أحدًا سألهء ولا 
أحدًا حرص عليه)(1). 

كل هذا لما جره الإمارة مِن تبعات شاقة قد لا يقوم بها على وجههاء وكذلك 
عا قد يعود على صاحبها مِن كبر وحرص وتَعَالٍِ وتعلق بها يؤدي به إلى الظلم 
والتعدي على حرمات الناس؛ من أكل أمواهم بالباطل» وإيذائهم بأنواع الإيذاء 
المختلفة. 

وفي الظاهر ينظر الناس إليهم على أنهم رؤساء ومتبوعون ومحظوظونء وفي 
الحقيقة هم مبتلون ببلاء شديد؛ قال ابن حبان: «رؤساء القوم أعظمهم هموماء 
وأدومهم غمومًاء وأشغلهم قلوبًاء وأشهرهم عيوبًاء وأكثرهم عدوًاء وأشدهم 
أحزانا» وأنكاهم أشجاناء وأكثرهم في القيامة حسابًاء وأشدهم- إن لم يعف 
الله عنهم- عذايًا)(2). 

فطالب الرياسة في الحقيقة تابع وليس متبوعًا؛ إذ هو حريص على إرضاء 
العاس؛ قَهُوفي الحقِيقّة يَرجوهم ويخافهم؛ ولذا يبذل لَهُم الأَمُوالَ والولايات» وفي 
الغالب فإن كل حريص عل العلو في الدنيا فإنه يحرم عر الآخرة وتّعيمها؛ قال 
الله تعالى: يلك الدَارُ الَجِرَهٌ تْعَنُهَا لِلَّدِينَ لآَيْرِيِدُونَ غُنُوًا في الأَرْضٍ وَل 
فَسَاذًَا وَالكاقة للمتقين) [القصص: 83]. 

فطالبو الجاه وطالبو المال- في الحقيقة- هم أسرى لما يّطلبان. 


87 اجه البخاري (7149)» ومسلم (1733) واللفظ له. 


(2) «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء» لابن حبان (ص275), 


aer Sk ean aa 306‏ | شرح رسالة العبودية 


قال المصنف رحمه الله: (وهَذه و 

مِنها: مَا تاج العبَدُ ليه كُمَا یتاج إِلَيْهِ من طعَامه وشَرَابه ومسكنه 
ومنكحه وتخو دَلِك. قَهَدَا يَظلْبهُ من الله ويرغب إِلَيْهِ فِيهِ؛ قيكون المَال 
عِنْده- يَسْتَلهُ في حَاجته- مَل جماره الي يَركبه وبساطه الي يجلس 
عَلَيْه بل ماله الكنيف الَذِي يَقْض فيه حَاجته» من غير أن يستعبده 
قيكون (هلوعًا * إذا مَسّه الشَّرَ جزوعًا * وإذا مَسّه المَيْر منوعًا) [اللعارج: 19- 
21 

ومِنهًا: ما لَا تاج العَبْد ليه قَهَدَا لا ينبي لَه أن يُعَلّقَ قلبه به. قَإذا علق 
قلبه په ضَار مستعبّدًا له ورْبمَا ضَار مُعْتَمدًَا على غير الله فلا يَبْتى مَعَه 
حَقِيقّة العِبادة لله ولا حَقِيّة الكل عَلَيْه بل فيه شعْبّة من العِبَادّة لغير 
الله وشُعْبّة من الول على غير الله وهَدًا من احق الاس بقوله يله: َس 
عبد الدَّرْهَم تعس عبد الدَّينَارِ تيس عبد القطيفة(1)» تعس عبد 
الخميصة(3(1)2) وهَدًا هُو عبد هَذِه الأمُور فَإِنَّهُ َوطلبَهَا من الله فَِن الله 
إذا أعطا ياه رَضِيء وإن مَنعه إِيّاه سخط وإِنّمَا عبد الله مَن يُرضيه ما يُرْضِي 
اللهه خط ها مط الل و ج ها أحبه الله ورسوك وييعض ما شك 
الله يشوك ويوالي زاء الله ويصادي أعتاء الله تقال وعدا هو الي 


() القطية لقطيفة: كساء اراش له أهداب (أطراف متدلية للزينة). 
(2) الخميصة: ثوب أسود- أو أحمر- له أعلام. 


9 أخرجه البخاري (6435) من حديث أب هريرة ك وقد تقدم. 


| لشيخ الإسلام ا د A FOF FSS ma‏ 
استکيل الإيمّانء كما في التديث: ١مَن‏ اسا وأبغض 2 وأغطى لله ومنع 
لله فقد استكمل الإيمَان»(1)» وقَالَ: «أوثق عُرى الإيمَان: الحبٌ في الله 
والُغض في اللّه)(2). 

وفي «الصّحيح) عَنهُ يلِ: لات مَن كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمّان: مَن كن 
الله ورَسُوله حب إِلَْهِ مما سواهُمَاء ومّن گان يحب المَرْء لا يبه إلا لله ومن 
گان يكره أن يرجع ل الڪفر بعد إذ أنقذه الله مِنْهُ گمَا يَكره أن يُلقى في 
التّار/(3). فَهَذّا وافق ربّه فِيمَايِبَهُ ومَا يَكرهةء فَكانَ الله ورَسُوله أحبّإِلَيْهِ 
مِمّا سواهْمًاء وأحب المَخُلُوق لله لا لعَرَض آخر. فَكَانَ هَذَا مِن مام حُبَّه لله 
قإن محبّة بوب المحبوب من تمام محبّة المحبوب» فَإذا أحبٌ أَنِْيَاء الله وأولياء 
الله لأجل قيامهم بمحبوبات الحق- لا لكَيْء آخر- فقد أحبهم للّه لا لغيره 
وقد قَالَ تَعَالَ : (فَسَوف يَأَقِ الله بقوم يحبِهُمْ ويحبُوتَهُ أَذلّة على المُؤْمِنِينَ أعزة 
عل الكافرين) [المَائِدَة 54]. 


() أخرجه ابن أبي شيبة (34730) وأبو داود (4681) من حديث أبي أمامة وني وصححه الألباني 

في «الصحيحة) (380). 

)2( ا ابن ابن شيبة (34338)» وأحمد (18524) من حديث البراء بن عازب َه »؛ وحسنه 
الألباني في «الصحيحة) (998). 


)3( 1 ار 


خرجه البخاري (16) ومسلم (43) من حديث أفس د&. 


aa a 308 |...‏ 53*55 | شرح رسالة العبودية | 


ولِهَدَا قَالَ تَعَالَ: (قل إن كُنُْم تحبون الله قَاتبعُوني يحببكم الله) [آل 
عمران: 1 قن الرّسول لا يمر إلا بمَا يحب الله ولا يَنْقى إل عَمّا يبغضه الله 
ولا يفعل إلا مَا ِب الله ولا يخبر إلا بِمَا بحب الله الكَصدِيق به. 

قمن گان حبًا لله لزم أن يتب الرَسُول» فيصدقه فِيمًا أخبرء ويُطيعه فِيمَا 
مرء ويتأمى په فِيمَا فعل؛ ومن فعل هذا فقد قعل مَا يِبّهُ الله» فَيُحِبَهُ اللّها. 

ايع 

أراد المصنف هنا أن يبين أنَّ احتياج الإفسان لبعض متاع الدنيا لا يدخل 
في التعلق المذموم بها؛ وهذا هو التوسط المطلوب» فليس معنى خوف التعلق 
بالدنيا: أن يَزهد فيها العبد وأن لا ستعمرها وإنما المراد ألا يكون حريضًا 
عليهاء وأنّها إذا جاءته من طريق شرعي يَّنبغي أن يستخدمها في مرضاة الله 
وأن تكون في يده وليست متحكمة فيه مستعبدة له مُستولية على قلبه شاغلة 
له عن الغاية من وجوده في هذه الحياة؛ وهي عبادة اللّه تبارك وتعالى؛ لذلك قال 
سبحانه: انغ فِيمَا آنَاكَ الله الدَارَ الآَخِرَةَ وَل كدْس تَصِيبَكَ مِنَ الدَّنْيا 


٠. 
كار‎ 


ا 


وَأَحْيِنْ كُمَا أَحْسَنَ الله لِك ولا تنغ الْمَسَادَ في الْأَرْضٍ إِنَّ الله لا يب 
الْمُفْسِدِينَ) [القصص:77]» قال ابن كثير رحمه اللّه: «وقوله: (وابتغ فيما آتاك الله 
الدان الآشرة ولا كشن تضييك هن اليا اله ا أي اسل ها ويك 
الله من هذا المال الجزيل والتّعمة الطائلة في طاعة ربّك والعقرب إليه بأنواع 
القُربات» التي يحصل لك بها الغواب في الدار الآخرة. (ولا تنس نصيبك من 
الدنيا) [القصص:77]ء أي: ما أباح الله فيها من المآكل والمَشارب والملابس 


_- 
ىه 
31 


والمساكن والمناكح؛ فإِنَّ لربّك عليك حقاء ولنفسك عليك حقّاء ولأهلك 


4 4 


عليك حقًَاء ولِرَؤرك- أي: ضيفك- عليك حقاء فآټِ كلَّ ذي حقٌّ حقه. 
أنه فكهة ان تقد به رض موه البخلق اللّه؛ [إن الله لاب 
المفسدين) [القصص:1()]77). 

فالإسلام وس في العمل للدنيا والآخرة» فكل منهما عبادة لله تعالى وتحفيق 
لغاية المجود الآنساق ضبن شروط معينة بيا تأرجهت المذاهب الألخرف 
بين الاهتمام بالنواحي المادية الذي يظهر في المدنية الغربية الحديفة» وأصبح 
معبودها هو المال والقوة والرّفاهية والرقي المادي» وبين الإزراء بهذا الرّقٍ المادي 
والمتاع الدتيويء كبا هو العأن في المذاهب الى كدعو إلى الرهبتة وتعديب 
ا لجسد من أجل الرُوح وتهذيبها للوصول إلى مرحلة الفناء(2). 

لحان 


() «تفسير ابن كثيرا (6/ 253 254), 


” انظر: ابحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلوا (ص400). 


yy 310 [|‏ 97 رسالة العبودية ) 
قال المصنف رحمه اللّه: وقد جعل الله لأهل تحبته علامتين: اتَبّاع الَّسُول 
والجهاد في سَّبيلهء ودَلِكَ لأن اهاد حَقِيقته الاجْتِهَاد في حُصُول مَا يبِهُ الله 
من الإيمّان والعَمّل الصّالح» ومّن دفع ما يبغضه الله من الكمْر والفسوق 
والعصيانء وقد قَالَ تَعَالَ: [قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإِخُوانكُمْ 
وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها اکن 
ترضونها أحب إِلَيْحُم من الله ورَسُولِه يجهاذ فى شبيلة فار بصو خق بان الله 
ا [الكَؤيّة: 24]» فتوعد من كان أهله ومَاله 55-5 إِلَيِهِ ف فسن اللّه ورسوله 
والجهاد في سَبيله بِهِذَا الوعيد. بل قدثبت عَنه د في «الصحيح» ت قَالَ: 
«والڍِي فيي بِيَدِهِ لا يُؤمن أحدكُم حَق أكون أحبٍّ إِلَيْهِ من ولّده ووالده 
والنّاس أَجْمَعِينَ(1). وفي «الصحيح» أن عمربن الخطاب قَالّ: يا يسول اللّهء 
لئت حب إِكَ ِن کل شَيْء إل ِن نفسيء فَقَالَ: ١لا‏ يا عمر حَقَ أكون أحبّ 
إيّك من تفسك» فَقَالَ: فوالله لأت أحب إِكّ من تفسبي. فََالَ: «الآ 
و 
فحقيقة المحبّة لا تتم إل بموالاة المحبوبه وهو مُوافَنَته في حب ما يحب 
وبغض ما يُبغضء واللّه بحب الإِيمّان والتّقوىء ويُبغض الڪفُر والفسوق 
والعصيان. 


که البخاري (14) ومسلم (44) من حديث اس وله لك 


أخرجه البخاري (6632) من حديث عبد الله بن هشام وَل 


رز ا إذا 5 العَبِدُ َي حصلهاء وإن اجر عنم 
قفعل مَا يتقدر عَلَيِْ من ذَلِك گان ل أجر گأجر القَاءِل كَمَا قال الي 4# 
ا اعد 36 لثمن الثم يكل حرو كن الامو شي أن تقض 

يِن أجُورهم شي ومّن دعا إِلَ صَلالّة كنَ عَلَيّهِ من الوزر مغل أوزارمَن 
ابعل من غيرأن يَنقص من أَجُورهم شَيّءا(1). وقَالَ: ِن بالمَدِيتة ة رجاه مَا 
6 مَسيرًا ولا 5 واديًا إل اوا مَعكُمًا. فَالُوا: وهم بِالمَدِينَةِ؟ قَالَ: «وهُم 

E‏ هو بذل الومع- وشو كل ما يُمْلَكُ من القُدْرّة- في حُصُول تَحُبُوب 
الحق» ودفع ما َكرهة الحق. فإذا ترك العبد ما يتقدر عَلَيهِ من ال جهادء كان 
دَلِيلًا على ضعف محبّة الله ورَسُوله في قلبه. 

ومَعْلُوم أنَّ المحبوبات لا تتال كَالِعا إا ِاحْتِمَال المکروهات؛ سّواء گات 
حبّة صَالحة أو فَاسِدَةه فا محبون لِلمَالٍ والرئاسة والصور لا ينالون مطالبهم 
إا بِصَرَريّلحقهم في ادناه مَعَ مَا يُصيبهم من الضَّرِرِفي اليا والآخِرة. 
فالمحب للّه ورسُّوله إذا لم تمل ما يرى ذو الرَأي من المُحبين لغير اللّه مما 


' أخرجه مسلم (2674) من حديث أي هريرة ذَلِيتَهُ. 
2إ أخرجه البخاري (4423) ومسلم (1911) من حديث جابر َلك 


eas aR 312 |‏ | شرح رسالة العبودية | 
يحْتَمنُونَ في سيل حُصُول تحبوبهم- دلَّ دك على ضعف متهم للهء إذا گان مَا 
يسلكه اوليك في نظرهم» هُو الكرِيق الذي شير به العقل. 
ومن المَعْلُومِ أن المؤمن أشد حبًا لله كما قال تَحَالَ: (ومن الاس هن 
يتّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والّدين آمنُوا أشد حبا للّه) 
[الجَقَرَة: 165]). 
اليج 
جعل الله لأهل تحبته علامتين: اثَبَاع اليَسُولء والجهّاد في سّبيله تعالى؛ لأن 
فيه بذل الرُوح والمال» وهذا دليلٌ على صدق العبد في عبوديته لله تعالى؛ والجهاد 
ذروة سنام الأمر؛ إذ به ينتشر دين الله في الأرضء وتعلو راية الإسلام؛ ويعرف 
الناس ربّهم وخالقهم ويُفردوه بالعبادة؛ يقول شيخ الإسلام: «والجهاد مقصوده: 
أن تكون كلمة الله هي العلياء وأن يكون الدين كله للّه؛ فمقصوده: إقامة دين 
الله لا استيفاء الرجل حهّلهء ولهذا كان ما يُصاب به المجاهد في نفسه وماله 
أجره فيه على الله فزن الله اشترَى مِنَ الْمؤْمِنِيَ أنه وَأَمْوَالهُم بأ لهه 
ا جن [العوبة: 111]؛ حت إِنَّ الكفار إذا أسلموا أو عاهدوا لم يضمنوا ما أتلفوه 
للمسلمين من الدّماء والأموال؛ بل لو أسلموا وبأيديهم ما عَيِموه من أموال 
المسلمين كان ملكا لمم عند جمهور العلماء؛ كمالك وبي حنيفة وأحمدء وهو 


الذي تابه سنه رسول الله يله وة خلفائه الَاشدين)(1). 


3 «مجموع الفتاوى» (15/ 170). 


فالجهاد لم يُشريع في الإسلام للتشفي ولا لإراقة دماء الاس ولا 
لاسترقاقهم» كما يشيع اعدا وتا الآمة اة اله عة ا 
الدَفْع؛ للب عن حِمى الدّين» وصيانة للأعراض والأموال وكل ما يناقح عَنْه. أو 
جهاد الظَلَّب؛ لنشر شِرّعة الإسلام؛ وإغاظة أعداء الملة؛ ويقول ابن القيم: 
(جهاد الدّفع يَقْصِدهُ كل أحد وَلَا يغب عَنَه إا الجبان المذموم شرعًا وعقلًا. 
ا الخالص اله بتعودة تاقاقر لسري :ونا سواه ادي يكون 
فِيهِ طالبًا مَظلُوبه قَهَدا يَفْصِدهُ جيار الئّاس؛ لإعلاء كلمة الله ردينه ويقصده 
أوساطهم للدّفْع ولمحبة الكَلمّر)(1). 

ولا كانت المحبوبات لا مُكَال- غالبا إلا يَاخْيَمّال المكروهات» ركان المُومن 
اھا ل كان وليل ع سات أن يذل ماكر دصل 
الغداتد ق سبيل طلب مرضاتة جل وعلا واحتساب الجر غتده وحده: 

ر ا 


«الفروسية» (ص 189). 


n E se e RS 314 |...‏ 3 ف دع ان دك ا 1 211 | شرح رسالة العبودية 


قال المصنف رحمه اللّه: انعم» قد يشلك المُحب- لضعف عقله وقَسَاد 
تصّوره- طَرِيمًا لا يحصل با المَظلُوبٍ. فقَمثل هَذِه الطِّرِيق لا تحمد إذا كانت 
المحبّة صَالحة محمودة» فكيف إذا كات المحبّة فَاسِدَة والطريق غير موصل؟! 
كما يَفْعَله المتهورون في طلب المال الاس والصورء من حب أُمُور تُوجب 
هم صَرََه ولا تحصل لَهُم مَظلُوبه وإِنَّمَا المَفُصُودِ الظرق التي يَسلكها العقل 
السَّلِيم لحُصُول مَظْلُوبه. 

إذا تبين هَذَاء قكلما ازْدَادَ القلب حًا للّه ازْدَادَ لَهُ عبودية» وكلما ارْدَادَ لَه 
عبودية اداد لَه حبًا وفضَّلَّه عَمَا سواه والقلب ققير بِالذَّاتِ إلى الله من 
وَجْهَيْن: من جهّة العبَادة وهي العلّة الغائيةء ومن جهّة الِاسْتِعَانّة والشوكل» 
وهي العلّة الفاعلة. فالقلب لا يصلح ولا يفلح» ولا ينعم؛ ولا يسرء ولا 
يلئذء ولا يطيب» ول يَسكنء ولا يطمئن إلا بعبّادة ربه وحبه والإنابة إِلَيِهِ 
ولو حصل لَهُ كل ما يلتذ په من المَخُلُوَات لم يَطمئن ولم يَسكن؛ إِذْ فِيهِ فقر 
ذاتي إلى ربّه» ومن حَيْتُ هُو معبوده ومحبوبه ومطلوبه وبِدَّلِك يحصل لَهُ 
اقرح والسَّرُور واللذة والتَّعُمَة والسكون والطمأنينة. 

ا 

جمع الله سبحانه وتعالى بين العبادة والاستعانة في قوله تعالى: (إياك نعبد 
وإياك نستعين) [الفاتحة:5]» قال ابن كثير في تفسيرها: «أي: لا تعبد إلا إيّاك ولا 
تتوكل إلا عليك» وهذا هو كمال الطاعة. والدّين يَرجع كله إلى هذين المعنيينء 
وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن» وسِرَّها هذه الكلمة: (إياك 


الحول والقوة والتفويض إلى الله عز وجل. وهذا المعنى في غير آية من القرآن؛ 
كما قال تعالى: (فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون) [هرد: 123]» 
(قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا) [الملك: 29]» (رب المشرق والمغرب لا إله إلا 
هو فاتخذه وكيلًا) [المزمل: 9]؛ وكذلك هذه الآية الكريمة: (إياك نعبد وإياك 
فستعين! [الفاتحة:1()]5). 

ويذكر ابن القَيّم أنَّ ير الخلق والأمر والكتب والشرائع» والفواب 
والعقاب؛ انتهى إلى هاتين الكلمتين» وعليهما مدار العبودية والعوحيد؛ فإن الله 
تعالى أنزل الكتب» ثم جمع معانيها في القرآن الكريم» وأنزل القرآن فجمع 
معانيه في فاتحة الكتاب» ثم أنزل الفاتحة وجمع معانيها في: ياك تَعْبْدُ وَإِيَاكَ 


ت 
6 سس 


نسكعِين)]. 

وهما الكلمتان المّقسومتان بين الربٌ وبين عبده تصفين؛ فنصف له 
سبحانه: ياك تَعْبُدُ)ه ونصف لعبده وهو: (وَإِياكَ نَسْتَعِينَ)»/2). 

وقد تضمنت هذه الآية الكريمة أصول التّوحيد في نوعين: 

النوع الأول: توحيد العبادة المتعلق بحقٌّ ألوهيته سبحانه وتعالى؛ قال جل 
وعلا: (َوَهْوَ الذي في السّمَاءِ له وف الأَرْضٍ إل وَهْوَالحَكيمُ الْعَلِيمُ) [الرخرف: 
84[. 


«تفسیر ابن کثیر» (1/ 134ء 135). 
2 «مدارج السالكين» (1/ 95). 


| شرح رسالة العبودية‎ | sais n A EG كني‎ 316 |... 

النوع الثاني: توحيد الاستعانة: وهو مُتعلق بح ربوبيته جل جلاله؛ بحيث 

لا يُستعان ولا يُستغاث إلا به جل وعلاء ولا يُدى ولا يتوكل إلا عليه وحده؛ 

لأن ا اي [ولله غر غيب A‏ 

والأز وليه بجع الأ فاعبدة و5 و يووا بك بِعَافِلٍ عَمَّا 
تَمَلون) E‏ 


20 


قال المصنف رحمه الله: «وهَدًا لا يحصل لَه إلا يإعانة الله له فَإِنَّهُ لد يتقدر 
على تَخصِيل ذلك لَهإِلّا الله َو دَائِما مفتق رل حو حَقِيمَة: [إيّاك نغبد وإيّاك 
فستعين] [الفاتحة:5]» نه وأعين عل حُصُول كل ما ية ويطلبه ويشتهيه 
ويريده ولم يحصل لَه عبّادة لله فلن حصل إلا على الأَلَم والحَسْرّة والعَدّابِء 
ولنْ يخلص من آلام ادنيا ونكد عيشها إل بإخلاص الحبٌ لله؛ يجيت 
يكون الله هُوعَايّة مُرَاده ونِهَايّة مَقْصوده» وهُو المحبوب لَه ِالَضدٍ الأول وكل 
ما سواة ما يبه لأجله لد يحب نيك لذاته إلا الله وم لم يخصل لَه هَدَا له 
ق إل إلا الله)» ولا حقق التَوْجِيد والعبودية والمحبة 
ال ون فد من تقض الكتجيد والإيكانء جل من الأثم واخ والعَدّاب 
ف 

ولّوسعى في هَدَا المَظْلُوبِء ولم يكن مُستعينًا باللّه متوعلا عَلَيْهِ ٠‏ مفتقرًا 
إلَيْهِ في خُصُوله لم يحصل لَه اه ما اء الله گان وقالم يشا لم یگن هو 
مفتقر إلى الله من حَيْتُ هُو المَظلُوب المحبوب المُرَاد المعبوده ومن حَيْتُ هُو 
المَسْقُول المُسْتَعَان و المتوكل عََيْهِ فهو إِهه الَذِي لا لله له غير وهو رب الذي 
رب لَه سرا 

الذرح 

كمال الذل وكمال الافتقار يَظهران في تحقيق العبد لكمال العبودية للّه 
تعالى؛ قال ابن القيم رحمه الله: ١سّئل‏ محمد بن عبد اللّه الفرغاني عن الافتقار 
إل الله سبحانه والاستغناء به» فقال : إذا صح الافتقار إلى اللّه تعالى صَعٌّ 
الاستغناءً به وإذا صم الاستغناءً به صح الافتقار إليه؛ فلا يقال: أيهما 57 


-.[ 318 ا | شرع رسالةالعيود يه | 
لأنه لا يتم أحدهما إلا بالآخر؟ قلت: الاستغناء بالله هو عين الفقر إليه» وهما 
عبارتان عن معنى واحد؛ لأن كمال الغغنى به هو كمال عبوديته» وحقيقة 
العبودية: كمال الافتقار إليه من كل وجه» وهذا الافتقار هو عين الغنى به(1). 

وسعادة العبد في كمال افتقاره إلى ربه واحتياجه إليه» أي: في أن يشهد 
ذلك» ويعرفه» ويتصف معه بموجب ذلك من الذل والخضوع والخشوع.؛ وإلا 
فالخلق كلهم محتاجون» لكن يظن أحدهم نوع استغناء؛ فيطفى» كما قال 
تعال: (كلآ إن الأفان لظت أن زا اسف [العلق:68 47 وقال: [وإذا انما 
عل الإسان أعرض ونأى انيه وإذا مسة الشر قدو دعاء عريض) [فسلت:51] 
(2). 

فالعبد مُفتقر إلى الله جل وعلا في كل شيء؛ في خلقه ووجوده؛ وفي 
استمراره وحياته» وفي علومه ومعارفه» وفي هدايته وأعماله» وفي جلب أي نفع 
له عاجل أو آجل» أودفع أي ضرر عنه عاجل أو آجل؛ وهذا هو معنى : (لا حول 
ولا قوة إلا بالله). 


sta 


لك «طريق الهجرتين» (ص 47). 


قال المصنف رحمه اللّه: ١ولَا‏ تتم عبوديته لله إلا بهَدَيْنَ فَمَىَ كان يحب 
غير الله لذاته» أو يلتّفت إل غير الله أنه يُعينهُ ن عبدًا لما أحبهء وعبدًا لما 
رجاه بسب حبه له ورجائه ياه وإذا لم يحب أحدًا لذاته إلا الله وأي شَيْء 
أحبه سو نما أحبه لَهُ ولم يرج قط سينا إلا الله وإذا فعل ما فعل من 
اماف أو قل كا حمل م 36 فاا أن الله شو القن خلقهًا رده 
وا لواح فل اق الشتاراف ا رتو یک غاا 
ومسخره وهُو مفتقرإِلَيْهِ كآنَ قد حصل لَهُ من تّمام عبوديته لله سب ما 
قُسم لَهُ من ذَلِك. 

ولاس في هذا عل دَرجَات مُقاوئةء ا بحصي طرقها إل الله 

فأكمل الخلق وأفضلهم وأَعْلَاهُمْ وأقربهم إلى الله وأَقُواهُمْ وأهداهم: أتمهم 
عبودية لله من هذا الوخها. 

ع 

لا بد أن تكون العبودية مبنية على الحب والخوف والرجاءء؛ ومتى اختلَ 
ركن من هذه الأركان اختلت العبودية» ويبعث على تحقيق العبودية أمران 
اثنان: مشاهدة منة الله تعالى ونعمه» ومطالعة عيوب النفس والعمل؛ قال ابن 
القيم رحمه اللّه: «قال شيخ الإسلام: العارف يّسير إلى الله بين مشاهدة الهنَّة 
ومطالعة عيب الكّفس والعملء وهذا معنى قوله 5 في الحديث الحيح من 
حديث سداد بن أوس رضي الله تعالى عنه: «سَيّدُ الاستغفار أن قول العبدٌ: 
الهم أنت ري لا إله الا أنت» خَلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما 
استطعت» أعوذ بك من ب شَرّ ما صنعتُء أبوءٌ لَكَ بنعمتك عل وأبوء بذنيء 


uae a 001 320 |...‏ | شرح رسالة العبودية | 


فاغفر لي؛ إِنَّه لا يغفرالذنوب إلا أنت)(1), فجمع في قوله كَل أ لَكَ 
بنعمتك عل وأَبُوِ بذنبي» مشاهدة الينّة ومطالعة عيب النفس والعمل. 
هاه اا جا اتو دراد را لول اك رازان رمات 
عيب النفس والعمل تُوجب له الذل والانكسار والافتقار والتوبة في كل وقت» 
وأن لا يرى نفسه إلا مفلسّاء وأقرب باب دخل منه العبد على الله تعالى هو 
الأفللاس فلا يرق اه حال ولا مق انار لا سا تعلق جدولا سيلة نه 
يم بهاء بل يدخل عل الله تعالى من باب الافتقار الصّرف والإفلاس المحض» 
دخول مَن كسر الفقر والمسكنة قلبه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه؛ 
فانصدع وشملته الكسرة من كل جهاته» وشهد ضرورته إلى ربّه عز وجل؛ 
وكمال فاقته وفقره إليه» وأنَّ في كل ذَرَّة يِن ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة 
وضرورة كاملة إلى ربه تبارك وتعالى» ونه إن تخلى عنه طرفة عين هلك وخسر- 
خسان ل كبن إلا أن عرد الله تعالى عليه ويتداركه يته ولا طريق إلى الله 
أقرب من العبودية» ولا ججاب أغلظ من التتعوى)(2). 

ولا كان رسولءا ب أحسن افتقارًا إلى الله كان أتم الخلق عبودية له عز 
وجل. 

وهذا حال الآئمة والصالحين» وقد قال ابن القيم عن افتقار شيخه ابن 
تيمية لريّه: اولقد شاهدث من شيخ الإسلام ابن تيمية قَدّس الله روحه من 


باقر 


أخرجه البخاري (6306) من حديث شداد بن أوس دل 


(2) «الوابل الصيب» (ص27» 8( 


ذلك أمرًا لم أشاهده من غيره» وكان يقول كثيرًا: ما لي شيء» ولا مني شيء ولا 
ي 
ومن لظم شيخ الإسلام رحمه اللّه: 
آنا الفقير إل رب البريات.. أنا التسيكين فى جرع حالان 
أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي ... والخير إن يأتنا من عنده ياي 
لا أستطيع لنفسي جلب منفعة ... ولا عن النفس لي دفع المضرات 
ولیس لي دونه مولى يُدَبّرن ... ولا شفيع إذا حاطت خطيئاتي 
إلا بإذن من الرحمن خالقنا ... إلى الشفيع كما قد جاء في الآيات 
ولست أملك شيئًا دونه أبدًا ... ولا شريك أنا في بعض ذرات 
ولا ظهير له کي يستعين به ... كما يكون لأرباب الولايات 
والفقر لي وصف ذات لازم أبدًا ... كما الغنى أبدًا وصف له ذاتي 
وهذة الخال حال الخلق أجمعهم ... وکلهم عنده عبد له آقي 
فَمَن بغى مطلبًا من غير خالقه ... فهو الجهول الظلوم المشرك العاقي 
ا كرك معدي ها كاذ تقد ود ارم و 
sca‏ 


' انظر: «مدارج السالكين» (1/ 520 521). 


322 ا امكنم 1 sais sae a‏ | شرح رسالة العبودية | 


ت 


قال المصنف رحمه اللّه: «وهَذًَا هو حَقِيقَة دين الإسلام ِي اسا اللّه به 
رسله» وأنزل به كتبه؛ وهُو أن يستسلم العَبّد لله لا لغيره فالمُستسلم له 
ولغيره مُشْركء والممتنع عَن الاستسلام له مستكبر. وقد ثبت في «الضَّحيح) 
عن الي : أن «الجنّة ا يدخلهًا مَن گان في قلبه مِثْقَال ذَرّة ِن كبر)(1). 
كَمَا أن انار لا يخلد يها مَّن كآنَ في قلبه مِثْقَال ذرة من إِيِمَانء فَجعل الكبر 
مُقًابلا للإيمَان؛ فَِن الكبر يناي حَقِيمّة العْبُودِيّة كَمَا نبت في «الصحيح) عن 
اَی ل أنه قَالَ: «يَقُول اللّه: العظمة إِزَارِيء والكبرياء ِدَائُ؛ و نازع 
واجِدًا مِنْهُمَا عَدَبْنّه»(2)» فالعظمة والكبرياء من خَصَائْص الربوبيةء والكبرياء 
عل من العظمةء ولِهّدّا جعلهًا بمَنْزلّة ارا كَمَا جعل العظمة بِمَْزِلَة الإرار. 
لهذا كن شعار الصَّلَاة والأَدّان والأعياد مهُوالتَكبيرء وگن مُسْتَحبًا في 
الأَمْكِنَة العَاليَة؛ كالضَّفا والمروة(3)» وإذا علا الإنّْمَان شَرَمَاة)» أو ركب 
خرجه مسلم (91) من حديث عبد الله بن مسعود ذَتَهُ. 
7 أخرجه مسلم (2620) عن أي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: قال رسول الله صل الله عليه 
وسلم: «العِرٌ إزاره والكبرياء رداؤه؛ فمّن يُنازعني عَذَّبْتُها. 
9 أخرج مسلم (1218) من حديث جابر في ذكر حجته ب وفيه: «... فبدأ بالصفاء فرقي عليه 


1 (1) 


حق رأف البيت فاستقبل القبلة؛ فود الله و بره» وقال: «لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له له 
الملك وله الحمد وهو عل كل شيء قديرء لا إله إلا اللّه وحده أنجز وعده ونصر- عبده وهزم 
الأحزاب وحدهاء ثم دعا بين ذلك» قال مثل هذا ثلاث مَرّات» ثم نزل إلى المروة» حت إذا انصبت 
قدماه في بطن الوادي سعى» حتى إذا صَعِدَتا مَشى» حت أت المروة» ففعل على المروة كما فعل على 
الصفا...). 


5) وو ذلك وبه يُطفأ التريق وإن عَظم(3)؛ وعند الأَذّان هرب 
الشّيظان(4) قال تَمَالَ: (وقَالَ ربكم ادْعُونِ أَسْتَجِبٍ لكم إن الّدين 
يْتَكِْرُونَ عن عبادقي سيدخلون جهنم داخرين) [غافر: 60]. 

وکل مّن استكبر عن عبّادَة الله لا يُد أن عبد يره فَِنَّ لان حسّاس 
يرك بالإرادة. وقد بت في «الصحيح» عَن الي ب أنه قَالَّ: «أصدق الأَسْمَاء: 
حَارث وَهَمّام)(5): فالحارث: الكاسب القاعل. والهمّام: فَعَال من المحمء وام 


ا البخاري (1797) ومسلم (1344) عن عبد الله بن عمر رضي الله شما رل 


الله يي كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يُكَبّر على كل شَّرّف من الأرض ثلاث تڪبيرات» 
الحديث. 

3 أخرج مسلم (1342) عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان 
ذا اسوق عل بعيره خارجًا إلى سفر كبر فلات الحديث. 

کو الا اشد الطبراني في «الدعاء» (1002)» وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (294) 
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله بَلِِ: «إذا رأيتم الحريق فكبروا؛ فإن 
التكبير يُطفئه»» وضعفه الألباني في «الضعيفة» (2603). 

أخرجه البخاري (608) ومسلم (389) عن أبي هريرة ذَلك: أن رسول الله ب قال: «إذا 
ودي للصلاة أدبر الشيطان» وله صُراطء حتى لا يسمع التأذين» فإذا قضى النداء أقبلء حت إذا 
5 بالصلاة أدبر...»» الحديث. وهذا لفظ البخاري. 

'”) الذي في اصحيح مسلم) (2132) عن ابن عمر رضي الله عنهماء قال: قال رسول الله : «إنَّ 
أحبٌّ أسمائكم إلى الله: عبد الله وعبد الّحمن». أما الحديث الذي ذكره المصنف فقد أخرجه أبو 


.| 324 اا ا imental‏ | شرح رسال العيرذية 
أول الإرَادَة» فالإنسان لَه إِرَادَة دَائِمَّه وكل إِرَادَة فلا يد لها من مُرَاد تنتهى إِلَيْه 
لا بْدّ لكل عبد من مُرَاد تخوب هُو مُنْتَعى حه وإرادتهه فمن لم يكن الله 
معبوده ومنتهى حبه وارادته» بل استكبر عن ذَلِكء فلا بُد أن يكون لَهُ مُرَاد 
تحْبُوبِء يستعبده غير اللّهء قيكون عبدًا ذلك المُرَاد المحبوب؛ إِمَّا المَالء وما 
الجا وإمّا الصورء بالاخايط سكيد الله التي وال 
والككوا كب والأوثان» وقبور الأنبيَاء والصّالحينَ 5 المَلائكَة والأنبياء 
اس يتخذهم أَرْيَابّه او غير ذلك مِمَّا عُبد من دون اللّه. 
وإذا گن عبدًا لغير الله يكون مُشْرك؛ وكل مستكبر قَهُو مُشنرك ولِهَدًا 
كن فِرْعَوْنَ من أعظم الخلق استكبارًا عن عبّادَة اللّه» وان مُشْرك؛ قال تَعَالَ: 
(ولَقّد أرسلمًا مُوسَى بِآيَاتِنَا وسلطان مُبِين * إِلَ فِرْعَوْن وهامان وقَارُون فَمَالُوا 
سَاحركُذَّاب) [كافر: ده 25ا إل قَوْله: (وقَالٌ موی إن عذت بربي وربكم من 
كل متكبر لا يُؤمن بِيّْم الحساب) إلى قَوله: (كَذَلِكَ يطبع الله على كل قلب 
متكبر جَبّار] [عافر: 35-23 وقَالَ تَعَالَ: (وقَارُون وفْرْعَوْن وهامان ولَقّد 
جَاءَهُم مُوسَى بِالبينَاتِ فاستكبروا في الأَرْض وما كَأنُوا سابقين) [العنكبوت: 39]» 
وقَالَ تَعَالَ: (إن فِرَعَْن علا في الأَرْض وجعل أهلهًا شيعًا يستضعف طَائِمَة 
مِنْهُم يذبح أَبْتَاءَهُم ويستحيي نِسَاءَهُمْ) [القصَص: 4]» وقَالَ: (وجحدوا بها 


داود (50 49)» والبخاري في «الأدب المفرد) (814) من حديث عن اك وهب الجشي د es‏ 
وصححه الألباني في «الصحيحة» (1040). 


واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا فانظر كيف كَانَ عَاقِبَة المفسدين) [الكثل: 14]» 
ومثل هَّذَا في القُرآن كثير. 

وقد وصف فِرْعَوْن بالشرك في قله : (وقَالَ المَلأ من قوم فِرْعَوْن أتذر 
موسی وقومه ليفسدوا في ال لشن ويذرك والهتك) [الأغرّاف: 127]» بل الاستقراء 
هذل عل أنه كلما گان الرجل أعظم استكبارًا عَن عبَادة الله كآنَ أعظم إشراگ 
باللّه؛ لاه كلما استكبر عن عبّادَة اللّه ازْدَادَ فقرًا وحاجة إلى المُرَاد المحبوب 
الذي هُو المَمُصُود: مَقْصود القلب بِالقَضْدٍ الأول؛ قيكون مُشْركًا يما استعبده 
من ذَلِك). 

د 
حقيقة الإسلام هي: الاستسلام لله ومعنى الاستسلام للّه: الخمضوع 

والتسليم له جل جلاله؛ فأخبار الشرع حقها التصديق» وأوامر الشرع حقها 
الرضا بها والعمل بمقتضاهاء ونواهي الشرع حقها القبول ها واجتنابها. 

أما الاعتراض عل ما ثبت أنه من دين الإسلام فأصله من الكبر ويوصل 
إلى الق ابلس رل خن قعل هتاه حينيا ام اللا يانه وال 
بالسجود لآدم فاعترض وأق أن مسجد قال الله تعالى: (قال ما مَتَعَكَ ألا 
ْج إِذْ أمَرْئكَ قال أنا حَيْرٌ نة حلفي مِنْ تار وَحَلَقْعَهُ مِنْ طِينٍ "قال 
قَاهبظ مِنها فَمَا يَكُودْ ن لك أن كتك بر فيه ا قَاخْرْجٌ إِنَكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ) 
[الأعراف: 212 13]» 55-0 الله عز وجل من الجنة» ولعنه وطرده؛ لما أظهر كيرة 
واستعلن بڪفره» وكذلك كل من سار على دربه. 


| 326 ا eme‏ شرح رسالة العبودية ) 

وفارق بين الاعتراض على الحكم وتركه كبرًا وجحودًا وبين الإذعان 
للحكم وتركه تهاوئًا وكسلاء فالأول كفرء والفاني معصية. 

لخطورة الكبر قال رسولٌ الله يةِ: «لا يَدخْل الْجَنّةَ مَن ن کان في قلبه مثقال 
در من کب فقال رجل: إن الرجل حب أن يكون ثوية خسنا وتعله ةا 
قال: (إنَّ الله جميل يحب المجمال؛ الكبرُ بطر احق وعَمْظ الناس»(1)ء فكما أَنَّ 
كار 5 ينه فان كان ن تابه ال قرةمى اھان فكذلك لا يول اة 
من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر؛ إذ الكبرٌ مناف للإيمّان؛ مباعد ٠‏ حَقِيقَة 
الْعبُودد يْة؛ لأنّهِ مِن خصائص الربوبية. 

وکل من استكبر عن عبادة الله ولم يڪن الله منتهى حبه وإرادته» فلا بد 
أخ کون لدم اه عرف مدد شير الله كرون عدا ؤليلة لذلتك المتراة 
ا وسيذوق وبال ذلك في الدنيا والآخرة؛ قال الله تعالى: (وَقَالَ ريڪ 
اکن ا یآ إن ا ر عن و ا ا 
داخِرینَ) [غافر:60]. 

وكلما كان الإنسان أعظم دا عن عبادة الله كان أعظم إشراگا باللّه؛ 
لأنه كلما اسعكبر عن غبادة الله ازذاد ففرا وحاجة إلى مراده الخبوب الذي هو 
مقو الغلب:والقضين الأول» شيكون مسرا ينا افيد من لله ردا كن 
فرعون من أعظم الخلق استكبارًا عن عبادة الله وأشدهم إشراكًا وجحودًا؛ قال 
الله تعالى: (وَقَالَ مُوسَى إن عُدْتُ بِرَيّْ وريم مِنْ كل مكبر لا يُؤْمِنُ بِيَوْم 


أخرجه مسلم (91) من حديث عبد الله بن مسعود ذَلِقتَهُ. 


| لشيخ الإسلام ابن تيمية أ eee‏ مه مه ع عط مط al 327 essere‏ 
ا لساب اغافر:27] إلى قوله: [كدَلِكَ يَظمَعُ الله عل کل فلب مُگ بر جار 
[غافر: 35]» ومثل هذا في القرآن كثير. 

soca 


...| 328 078 53*57 | و رسالة العبودية 


ت 
3 


قال المصنف رحمه الله: «ولن يَْتَغْني القلب عَن جَييع المَخُلُوقَات ته إلا أن 
يكون الله هُو مَوْلَاهُ الذي لا يَعبد إلا يه ولا يَسَعِين إلا به ولا يتوكل إلا 
عَلَيْه ولا يفرح إِلَّا بمَا يبِهُ ويرضاه ولا يڪره إل ما بُبغضه الب ويڪرههء 
ولا يوالى إل من ولاه اللّهء ولا يُعادي إلا مَن عَادَاهُ الله ولا يحب إلا للهء وآ 
يبغض سَيْنًا إا لله كلما قوي إخلاص دينه لله كملت عبوديته لله 
واستغناؤه عَن المَخُلُوفَاته وبكمال عبوديته لله تكمل تبرئته من الكبر 
والشّرك. 

والشرك ت غالب عل التَضَارَى: والكبر غالب على اليَمُود؛ قَالَّ تَعَال في 
التَضَارَ: ى: ادوا أَحبارهم ورُهبانهم رباب من دون الله واللمسيح ابن مَرْيَم 
وكا آم اال وا إلا واجِدًا لا لَه إلا هُو سّبْحَاتَهُ عَمّا يشر کون [الكَوْمَة: 
1 وَقَالَ في اليَهُود: (أفكلما جَاءَكُم شرل ينا لاقبرن O E‏ 
ففريقًا كَدَبْتُمْ وفريقًا تقتلون) [البَقرَة: 57 وقَالَ تَعَالَ: (سأصرف عَن آياتي 
لين يتكبرون في الأَرْض بِكَيْر الحق وإن يروا كل آيّة لا يُْمنُوا بها وإن يروا 
سَبِيل الرشد لا يتخذوه سيا وإن يرّوا سيل الغي يتخذوه سَيِيلًا) [الأعراف: 
45 )). 

ا 

قال المؤلف رحمه اللّه تعالى: yT‏ إلا 
بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يَعبد إلا إياه...) فيه: تقرير لقيقة أن عبودية 
الله سبحانه وتعالى والتعلق به ينجي من آفتين: 


الآفة الأولى: هي آفة اليهود المغضوب عليهم» وهي الكبر؛ لأنهم علموا الحق 
وأعرضوا عنه كبرًا. 

والآفة الخانية: هي آفة التصارى الضَّالُونء وهي الشرك؛ لأنهم ضلوا طريق 
الحق. 

النوع الأول: عبودية قسربيّة» تتمّل في کون الله ريّنا ومالگناء وکونا 
خاضعين قهرًا؛ فالخلقٌ عباده- بهذا المعنى- شاءوا أم أَبَا. 

النوع الثاني: عبودية إلهية» وهي الإقرارٌ لله وحُدّه بالعبادة والانقياد له 
بالطاعة. 

فالإفسانُ لا ينفكٌُ عن وصف العبودية؛ فلن لم يڪن عبدًا لله طوعاء وهو 
شرف وعز له- استعبدثه حاجاتئه وأهواؤه وطواغيتٌ الج والإذس؛ فذاق الذل 
والخزي في الدنياء والعذاب المهين في الآخرة. 

فسبيل تحرّر العبد في كمال عبوديته لله ولن يستغن القلبٌ عن جميع 
اخروت ا بان رة الله شر الىل عند لذ امول سنا 
به» ولا یتوگل إلا عليه» ولا يفرّح إلا بما يحيّه ويرضاه... فكلّما قوي إخلاض 
دينه لله كَمُلتٌ عبوديثه لله واستغناؤه عن المخلوقات. 

saa 


.-[ 330 سس شر رسالة العبوديية ) 
قال المصنف رحمه اللّه: «ولما كان الكِبْرُ مُستلزمًا للشرك والشرك ضد 
الإسلامء وهُو الذَّنب الذي لا يَغفره اللّه؛ قَالَ تَعَالَ: (إن الله ل يعفر أن شرك 
به ويعُفرمًا دون ذَلِك لمن يَشَاء ومن بنرك باللّه فقد افترى إِنْمّا عَظِيما) 
[النّسَاء: 48]» وقَالَ: [إن الله لا رق رك به ويغفرمًا دون ذلك لمن ياء 
ومن ارك باللّه فقد ضل ضلا يَعيدًا [التّمَاء: 116]- كان الَنْبِيَاء جميعهم 
مبعوثين بدين الإِسْلَامء قَهُو الدين الذي لا قبل الله خَيره لا من الأولين ولا 
من الآخرين؛ قَالَ نوح: قن توليتم قَمَا سألتكم من أجرإن أجري إلا عل 
الله وأمرت أن أكون من المُسلمين) ايُودُى: 172 وقَالَ في حقٌّ إِبْرَاهِيم: (ومن 
يرغب عَن مِلّة راهيم إل من سفه تفسه ولَقّد اصطفيناه في اليا وإنَّهُ في 
الآخِرَّة لمن الصَّالِين * إِذْ قَالَ له ربه أسلم قَالَ أسلمت لرب العَالمين).. إل 
فول فلا تموتق إل وان مسل [اليقتهة 50 2دا وقال يوسشف: توفي 
مُسلمًا والحقني بالصّالحين) [يُوسُف: 101 وقَالَ مُوسَی: (يا قوم إن کُنْتم آمنتم 
باللّه فَعَلَيهِ توکلوا إن كُنْتُم مُسلمين * فَقَالُوا على الله توكلنا) [يُرذُس: 84 85]» 
وقَالَ تَعَالَ: نّا أنزلتا التورَاة فيه هدى ونور يحكم بها التَِيُونَ الّذين أَسْلمُوا 
ت هادوا) [المَائِدَة: 44]» وقَالَت بلقيس: [رب 5 ظلميت فيي AW‏ مع 
سُلَيْمَان لله رب العالمين) [الكئل: 44] وقَالَ: (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنُوا 
بي وبرسولي قَالُوا آمنا واشهد بأننا مُسلمُونَ) [المَائِدَة:111]» وقَالَ: (إن الدّين 
عند الله الإسلام) [آل عمرّان: 619 وقَالَ: (ومن يُبتغ غير الإِسْلام دينا فَلَنْ 
يقبل مِنْهُ) [آل عمرّان: 85]» وقَالَ تَعَال: (أفغير دين اللّه يَبَعُونَ وله أسلم من في 
السَسَّاوات والأَرْض طوْعًا وكرهًا) [آل عمران: 3ة]» فَذكر إِسْلَام الكائنات ظَوْعًا 


لشيخ الإسلام ابن تيمية) O a o‏ 
وكرها؛ لان المَخُلُوقَات جميعهًا تهدة له القعدّد العام؛ سواء TEE‏ 
أنكرة وهم مدينون لَه مُدبرون» فهم مُسَلمُونَ لَه ظَوْعًا وكرمّاء لَيْسَ لأحد من 
المَخُلُوقَات خُرُوجٍ عَم شاءه وقَدّره وقضاه ولا حول ولا قوة إل به وورب 
العَالمين ومَلِيكهم؛ يُصَرّفهم كيف يَنَاءء وهُو خالقهم كلهم وبارئهم 
ومصورهم؛ وکل ما سواه قَهُو مربوب مَضْنُوع مفطور فقير تاج معبّد مقهورء 
وهو سياه الواجد القيار القالق البارئ المضور»: 
د 

عا لذ شك فيه أن الملتضوة من ابات رو يع سات اة واتشدر اده 
بذلك: هو الاستدلال به على وجوب عبادته وحده لا شريك له؛ الذي هو توحيد 
الألوهية» فلو أن الإنسان أقر بتوحيد الربوبية ولم يقر بتوحيد الألوهية أولم 
يقم به على الوجه الصحيح؛ لم يڪن مسلمًاء ولا موحدًا؛ بل يكون كافرًا 
جاحدًا. 

وفعق ذلكه أن من ا مرجد الزيزيينة لله فاغترف اهل خالق ر 
رازق ولا مدبر للكون إلا الله عز وجل- لزمه أن يُقر بأنه لا يستحق العبادة 
بجميع أنواعها إلا الله سبحانه» وهذا هو توحيد الألوهية» فإن الألوهية هي 
العبادة» فتوحيدٌ الربوبية دليلٌ لوجوب توحيد الألوهية؛ ولمذا كثيرًا ما يحتجٌ 
الله- سبحانه- على المنكرين لتوحيد الألوهية بما أقروا به من توحيد الربوبية؛ 
مثل قوله تعالى: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من 
قبلكم لعلكم تتقون * الذي جعل لكم الأرض فراشًا والسماء بناءً وأنزل 


yy 332‏ شرح رسالة العبودبة ) 
من السماء ماءً فأخرج به من الشمرات رزقًا لكم فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم 
لمرن اال تة 

فأمرهم بتوحيد الألوهية» وهو عبادتة» واحتجٌّ عليهم بتوحيد الرُبوبية 
الذي هو خلقٌ الناس الأَوّلِين والآخرين» وخلق السماءٍ والأرضِ وما فيهماء 
وتسخير الرياح وإنزالُ المطرء وإنبات النبات» وإخراج الشغمرات التي هي رزق 
العباد؛ فلا يليق بهم أن يُشركوا معه غيره؛ من يعلمون أنه لم يفعل شيئًا من 
ذلك» ولا من غيره» فالطريق الفطري لإثبات توحيد الألوهية: الاستدلال عليه 
بتوحيد الربوبية» فإن الإفسان يتعلق- أُولًا- بمصدر حَلقه» ومنشأ نفعه وضره؛ 
ثم ينتقل بعد ذلك إلى الوسائل التي تقربه إليه» وثرضيه عنه» وتُوثق الصلة بينه 
وبينه» فتوحيد الربوبية باب لتوحيد الألوهية؛ من أجل ذلك احتج الله على 
المشركين بهذه الطريقة» وأمر رسّوله أن يحتج بها عليهم؛ فقال تعالى: (قل لمن 
الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل أفلا تذكرون * قل من 
رب السماوات السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله قل أفلا تتقون * قل 
من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون * سيقولون 
للّه قل فان تسحرون) [المؤمنون: 84- 89]» وقال تعالى: (ذلحم الله ربكم لا 
إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه) [الأنعام: 2 فقد احتج بتفرده بالربوبية 
عل استحقاقه للعيادة» وتوحيد الألوهية (العبادة): هو الذي خلق الخلق من 
أجله؛ قال تعالى: (وما خلقت الجن والإفس إلا ليعبدون) [الذاريات: 56]. 


وهذا كثيرٌ في القرآن» فمن زعم أنَّ التوحيدّ هُو الإقرارٌ بوجود الله أو 
الإقرار بأن الله هو الخالق المتصرف في الكون» واقتصر على هذا النوع؛ لم يكن 
عارقًا لحقيقة التوحيد الذي دعَث إليه الرسلٌ؛ لاله وق عند الملزوم وترك 
اللازم» أووقف عند الدليل وترك المدلول عليه. 
ومن خصائص الألوهية: الكمال المطلقُ من جميع الوجوه؛ الذي لا نقص فيه 
بوجه من اجره وذلك يوهت أن كرون الاد كيا ها وحده والتعظيم 
زالاأجلاله والنهية والدهاء» والريجاء والاثاية والعوكل والاستغافة وغاية الذل 
مع غاية الحب» كل ذلك يجب عقلًا كرما وقطرة ايكون يله وحده» روصحم 
عقلًا وشرعًا وفطر؛ أن يحكون لغيره(1). 
اجات 


"' انظر: «عقيدة التوحيد وبيان ما يضادها» لصالح لفوزان (ص 31- 33). 


yy 334 )..‏ شرح رسالة العبودبة ) 

قال المصنف رحمه اللّه: «وهُو وإن كآنَ قد خلق ما خلقه بأَسْبَابِ فَهُو خَالق 
السَبَّب والمقدّر له وهّدًا مفتقرإِلَيْهِ كافتقار هَذَاء ولَيْسَ في المَخُلُومَات سَبَّبِ 
مُسْتقل يفعل خبر ولا دفع ضر بل كل ما هُو سب فَهُو حتاج إلى سَبَبِ آخر 
يعاونه» ول ما يدّفع عَنَهُ الصَّدَ الَذِي يُعَارضْهُ ويمانعه. 

وهُو سبحَانَهُ وحده الغني عَن كل ما سواه لَيْسَ لَهُ شريك يُعاونه» ولا ضد 
يُناوئه ويُعارضه؛ قَالَ تَعَالَ: (قل أَقَرََيُْم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله 
بضر هَل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هَل هن مسكات رحمته قل حسبي 
الله عَلَيْهِ يتوكل المتوكلون) [الزمر: 13 وقَالَ تَعَالَ: (وإن يَسسسك الله بضر فلا 
كاشف لَهُإِلَّا هُو وإن يَسسسك تیر فهو على كل شَيْء قدير) [الأَنعَام: 17 وقَالّ 
تَا عن ال َلِيل: يا قوم إن بَرِيء مِما تشركون * إِفْ وجهت وجي لذي فطر 
السَمّاوات والأَرْض حَنِيا وما أنا من المُشْركين * وحاجه قومه قال أتحاجوني 
في الله وقد هدان ولا أَحَاف ما تشركون به إلا ن ياء TERE‏ 
اليه آمنوا ولم يلبسوا إِيمّانهم بظلم أُولَيِكَ لهم الإ وهم مهتدون) [الأَنْعَام: 
8- 82]. 

وفي «الصَّحِبِحَيْنٍا عَن عبد اله ی قود رضى الله قد :أن شد اة 
لما نزلت شق ذلك عل أَصْحَاب التي 4# وقَالوا. ا سول الله ينا لم يدس 
إيمّانه بظلم؟ فَمَالَ: ِنَم هو الشّرك؛ أَلم تسمعوا إل قول العَبّد الصالح: (إن 
الشرك لظلم عَظِيم) [لَفَْان: .)1()]١3‏ 


" أخرجه البخاري (3360) ومسلم (124) من حديث عبد الله بن مسعود 5© 


إِبْرّاهِيم المَلِيلُ إمَام الحنفاء المخلصين؛ حَيْثُ بعث وقد طبق الأَرْضَ دين 
المُفُركين؛ قَالَ الله تَعَالَ: (وإذ ابتلى إِبْرَاهِيم ربه بِكَلِمَات فأتمهن فَالَإِنْ 
جاعلك لاس إ إِمَامًا قَالَ ومن ذريتي قال لا يتال عهدي E‏ [البقرة 
124[؛ قبين أن عهده بالإمَامَة تآ يتتاول الال فلم يَأمرالله كانه أن 
يكون الطَّالِم إِمَامَاء وأعظم الظلم الشرك. 

وقَالَ تَعَالَ: (إن إِبْرَاهِيم كَانَ أمة قَانتًا لله ينا ولم با من المفركين) 
[الكخل: 120]» والأمة هو: معلم ا حير الذي يُؤتم د به. كُمَا 3 القُدُوة: الذى يَفَتَدى 

والله تَعَالَ جعل في ذُريّته التبُوة والكتاب وإِنَّمَا بعث الأَنبياء بعده وله 
قَالَتَعَالَ: (ثم أَوْحَينَا إِلَيِك أن اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا وما كَانَ من 
المُمْرِكين) [التخل: 1123 وقَالَ تَعَالَ: (إن أولى الاس بإبراهيم للّذين الْعُوْ 
وهَذًا الي والّذين آمنُوا والله ولي المُؤْمِنِينَ) [آلعسرّان: 60 وقَالَ تَعَالَ: (مَا 
گان إِبْرَاهِيم يَهُودِيَا ولا نَصْرََانِيَا وڪن کان حَنِيفا مُسلما وما گان من 
المُشركين) [آل عمرّان: 167 وال تَعَالَ: (وقَانُوا كوتُوا هودا أوتصَارَى تهت دوا 
قل بل مِلّة إِبْرَاهِيم حَنِيا وما گان من المُشُركين * قُولُوا آمنا باللّه وما أنزل 
لتا وما أنزل إل إِبْرَاهِيم وإسْمَاعِيل وإِسْحَاق ويَعْقُوب والأسباط) إلى قَوْله: 
(ونحن ل مسلمون) [البَقَرَة: 4135 136]. 


| شرح رسالة العبودية‎ | aa Da ê ea an aa 336 


وقد ليق في (الصحيح) عن التي :أن «إبراهيم خير البَريّة)(1)» فَهُو 
أفضلٌ الأَنْبِيَاء بعد التي يله وهو حَلِيل الله تَعَالَ. 

وقد لت 3 «الصحيحا عن التي ي من غير وجه أثة قَالّ: ن الله اتخذفى 
کی كما اَذ خَحَدْ إِبِرَاهِيم خَلِيلًه(2). وقَالَ: «لّو كنت ا فخ أهل الدرض 
خَلِيلًا لاتحذت أَبَا بكر خَلِيلًاه ولَحِنَّ ضَاحبَكُم خَلِيِلُ الله(3) يَمْني 

وقَالَ: : ل ت تبقين في المسجد وة إلا سُدَّت له خوخة أَبى عوك 
وقَالَ: ال ون مَن گا قبلڪُم كَانوا د يتّخذون الأثور اود قلا َتَخِدُوا 
الو مَسَاحِد؛ فإفي أنهاكم عن ذَلِك)(5). وکل هَذَافي «الصحيح» وفِيه 8 
ال ذلك قبل مَوته بأيام» ودَّلِكَ من تّمام رسَاله؛ قن في دَلِك تام تحْقِيق 
مخالعه لله الي أَضلهَا محبّة الله تَعَالَ للعبد ومحبة العَبّد لله خلاقًا للجهمية. 


أخرج مسلم (2369) عن أنس بن مالك ك قال: اجاء رجل إلى رسول الله يل فقال: يا 


خير البرية فقال رسول الله جل «ذاك إبراهيم عليه السلام). 
(2)† 


ار 


خرجه مسلم (532) من حديث جندب د. 


أخرجه مسلم (2383) من حديث عبد الله بن مسعود ذَلِقتَهُ. 


لقره البخاري (3904) ومسلم (2382) من حديث أبي سعيد الخدري ذَلَهُ. 


)5) أخرجه مسلم (532) من حديث جندب ذَلِتَهُ. 


ا وألا يعبدوا إلا إِيّاِ ردًا على أشباه المُشْرِكين» 


ت 


وفيه و عل الرّافضة ا يبخحسون الصديق ا ده وهم أعظم المنتسبين 


إلى القِبلّة إشراك بعبّادة علخ وغَيره من البشر. 
المملّة: هي كمال المحبّة المستلزمة من العَبد كصال العبروية لله روسن 


ف 2 و بو 


الربٌ سَبَحَاتَهُ كمال الربوبية لِعِبَّادِه اين بهم وجوت 

ولفظ العُبُودِيّة يتَصَمَّن كَمَالَ الذلّ وكَمَالَ الحبّ؛ فَإِنَّهُم يَقُولُونَ: قلب 
مُتَيّمء إذا كآنَّ متعبدًا للمحبوب. والمتيم: المتعبدء وتيم اللّه: عبد اللّه» وهَدَا- 
على الكمّال- حصل لإبْرَاهِيمَ وتحَمَدٍ ص الله عَلَيْهِما وسَلَم. 

لِهَدَا لم يكن لَه يل من أهل الأَرْض خَلِيل؛ إِذْ الحلّة لا تمل الشركة 
نه كما قيل في المعنى: 

قد تخللت مَسْلَّك الرُوح مني وبڌا سي الخليل خَلِيلًا(1) 

اف أصل الحيٌٍّ» قل بل قد قال في الحدييث الصّحِيح في الخسّن 
وأشاقة عاللية إى کا ا رامت كن ا( وال شرو بين 
العَاصٍ: أي القاس أحبٌ إِلَِك؟ قَالَ: عَائِمَّة». قَالَّ: قَين البَجَال؟ قَالَ: 


'' البيت لبَّشَّار بن بُرده وهو من البحر التام. انظر: ديوانه» (ص979). 

* الحديت الذي أخرجه البخارق (3735): عن أسامة بن زيد رضي الله عنهماء حَدّتث عن 
نی كَل أنه کان يأخذه ET‏ عيبا ةقان ١‏ .و فنا ا 5 
البي 7 أنه كان يأخذه والحسن» فيقول: «اللّهُمَ أحبّهما؛ فإني أحبهما». وأما بلفظ المصنف 
فأحرجة الترمني (3769) ف نحق السو وا سين يلفظ: الل إن أحِبّيِسا فا بها وأحت 


من يحبهما"» من حديث أسامة بن زيد يلك » وصححه الألباني في الصحيح الترمذي» (2966). 


...| 338 531*570 | شرح رسالة العبودية | 


اأبوهًاا(1). وال لعل و ا : : الأغطيّن الرَايَة غَدَا 6 يحب الله ف واف 


وخب الله ورَسُّولها(2). وأمثال ذلك كثير. 

وقد أخبر تَعَالَ أنه (يحبُ المُتَّقِيقَ) [آل عمران:76] وإ بحب المُحْسِنِينَ) [آل 
عمران:134]ء و(يحب المقسطين) [الائدة:42]ء و(يحب التوابين ويحب المتطيدرين؟ 
[البقرة:222]» ويب این يُقَالُون في سبيله صفا Cı‏ ان فض 
[الصف:4]ء وقَالَ: ((فَسَوف E‏ الله بقوم يحبِهُمْ كه [المَائِدَة: 54]؛ فقد أخبر 
بمحبته لِعِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ وحبة المُؤْمِنِينَ ل حَقّ قَالَ: (والّدين آمنُوا أشد حب 
لله البَقَرَة: 165]. 

ما الخلّة فخاصّة» وقول بعض الكّاس: إن مُحَمّدّا حبيب الله وإِبْرَاهِيم 
غ اللووظيد آنا قرق الله ل یف 75 ا 
الله كَمَا تبت ذلك في الأَحَادِيث الصَّحِيحَة المستفيضة. 

وما يروى أن العَبّاس يشر بين حبيب وخلیل» وأمثال ذلك فأحاديث 

يج 

محبة الله عز وجل صفة من صفاته» وهي ثابتة له سبحانه وتعالى» ولا 
ينكرها إلا أهل التعطيل والعياذ بالله» فالله عز وجل يحب يحب يعني: تنسب 
له المحبة على وجهين: على أنها فعل منه» وعلى أنها فعل نحوه» وهذه يثبتها أهل 
" أخرجه البخاري (3662) ومسلم (2384) من حديث عمرو بن العاص د. 


اه البخاري (4210) ومسلم (2406) من حديث سهل بن سعد ذَلِيكَهُ. 


الةو لاغ فيروق أن اله فر وجل عت طن خلقة که لايا 
والصالحين والعمل الصالح» وحبته للصابرين ومحبته للمتطهرين» ونمحوذلك» 
وكذلك من جهة العبد؛ فالعبد يحب ربّه ويُعظمه سبحانه وتعالى» ويتعلق قلبه 
به لكمال صفاته ولكمال إنعامه. 

ثم أشار المصنف إلى الروافض وأذنابهم الذين ذشروا الشرك وعبادة غير الله 
من القبور والأضرحة والعتبات التي يقدسونها ويحجون إليها ويطوفون بها 
ويذبحون عندهاء ويستغيثون بعلخ بن أبي طالب ذَلنت» ويصفونه بصفات الله 
ويبغضون أبا بكر وعمر ويلعنونهما ويسبون عائشة رضي الله عنهاء وغير ذلك 
من كفرهم وضلالاتهم؛ وقد رد عليهم شيخ الإسلام في كتابه القَيّم «منهاج 
السنة النبوية!» ودحض شبههم وفند مزاعمهم» وألزمهم الحجج الواضحة. 

ولقد صدق الشعبي حين قال لمالك: الإنني قد درست الأهواء كلهاء فلم أَرَ 
قومًا هم أحمق من الخشبية (طائفة من الروافض)» لو كانوا من الدواب لكانوا 
تراب ا افر[ من الطب كينا رتكا وشاله la NAA NAE‏ 
الرافضة» وذلك أن منهم يهودًا يغمصون الإسلام لتحيا ضلالتهم...» لم يدخلوا 
في الإسلام رغبة ولا رهبة من الله ولكن مقئًا لأهل الإسلام وطعئًا 


عل 
200 


0 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (8/ 1549). 


aaa ean aa 340 |...‏ | شرح رسالة العبودية 


قال المصنف رحمه اللّه: «وقد قدمتا أن محبّة الله تَعَالَ هي: محبثٌه ومحبة مَا 
أحبء كما في «الصَّحِيحَيْنِا عن التَىّ كله أنه قَالّ: «ثلاث مَن كن فِيهِ وجد 
حلاوة الإيمان: من الله و أحبٍّ إِلَيْهِ مما سواهْما ومّن کان يحب 
المرْءَ لا يحبه إِلَّا لله» ومن گان بكره أن يَرجِع في الڪفُر بعد إِذْ أنقذه الله 
هله كما تک أن يلقى في التّار)(1). أخبر اَي ب أن مَن كان فيه هَذِه 
لقَلاث؛ وجد حلاوة الإيمّان؛ أن وَجْدَ الحلاوة بالشَّيْ-ء يتبع المحبّة له فمن 
أحتٌ ا أ واشتهاد إذا حصل ل مراده قان جد الخلارة واللدة والشّتور 
بذلك» واللذة أأمريحصل عَقيب إِذْرَاك الملائم الذي هُو المحبوب أو المشتفى. 
ومن قَالَ: إن اللَدَّ إذْرَاكَ الملائم- كمَا يَقُوله من يَمُوله من المتفلسفة والأطباء- 
فقد غلط في ذلك عَلطًا بِينَاء قان الإدراك فوسط بين المحبّة واللذة فَإِنَّ 
الإنْسَانَ- مثلًا- - يَشْتَعي الطَعَامء قإذا أكله حصل لَهُ عقيب ذَلِكَ اللَدّة فاللذة 
تتبع التَظرإِلَ ايء قَإذا نظر إِلَيِْ التذ به. واللذة التي تتبع التظر ليست نفس 
التظرء ولَيْسَت هي رُؤْيّة النَّيْءه بل تحصل عقيب رُؤْيّته وقَالَ تَعَالَ: (وفيهًا 
ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأغين) [الرخرف: 471 ومَكدًا بيع مَا يحصل للنّفس 
من اللات والآلام: من فرح وحزن وتخو دك يحصل بالشعور بالمحبوب, أو 
لور بالكروه ولس تقس الور ُو القرح وآ الزن 

فحلاوة الإيمّان المتضمنة من اللدّة به والفرح ما يجده المُؤْمن الواجد 
حلاوة الإيمانء تتبع مال محبّة العَبّد لله ودَلِكَ بتلا أمُور: ييل هَذِه 


شاه البخاري (16) ومسلم (43) من حديث أذس د » وقد تقدم. 


المحبّة وتفريقهاء ودفع ضدها. فتكميلها: أن يكون الله ورَسُوله أحبّ إِلَيْهِ 
مِمّا سواهُمَاء فَّإِن محبّة الله ورَسُوله لا يحُتَفى فِيهًا بأضل الحبّء بل لا بد أن 
رن ال رر آمب کیت را کا 

وتفريقها: أن يحب المَرء لا يِه إل للّه» ودفع ضدها: أن يكره ضد 
الإيمّان أعظم من كَرَامّته الإلقّاء في التّار. 

ذا كات محبّة الرَسُول والمُؤْمِنِينَ من محبّة اللّه» وكانَ رَسُول الله يله يبحب 
المومنيق الدين هه ال ل6 أكمن اقاس ع ل رات بان يب ما 
يبِهُ اللهه ويبغض ما يبغضه اللّهء والخلة لَيْسَ لغير اللّه فيها نصيبء بل قَالَّ: 
«لّو كنت متخدًا من أهل اض كي لا تخذت م بكر حلي 1)- علم 
مزيد مرتبّة الخلّة عل مُطلق المحبّة. 

والمقصود: هو أن الخخلّة والمحبة لله تحقِيق عبوديته وإِنْمَا يغلط من 
يغلط في هَذِه من حَيْثُ يتوهمون أَنَ العَبُودية جرد ذلّ وخضوع ققَطء لا محبّة 
مَعَه وأن المحبّة فيا انبساط في الأَهُواء أو إدلال لا تحتمله الربوبية ولهَدًا 
يذكر عن کی الثُون: أنهم تكلمُوا عِنْده في مَسأَلَة المحبّة؛ فَقَالَ: ااه 
كه التشألة لا هيا الرس اعيا 

وكره من كره مِن أهل المعرفّة والعلم مجالسة أقوام يُكثرون الكلام في 


0 كيه مسلم (532) من حديث جندب و وقد تقدم. 


| شرح رسالة العبودية‎ | 111 1 sna hae Sa 342 |... 


وقَالَ مَن قَالَّ ِن السّلف: «مَن عبد اللّه با لحب وحده قَهُو زنديق(1)» ومّن 
عَبده بالرجاء وحده قَهُو مُرجی(2)» ومّن عَبده بالمخوف وحده قَهُو حروريٌ(3)» 
ومن عَبده با لحب وا وف والرجاء فَهُو مُؤْمن موحدا. 

ولِهَذًا وجد في المتأخّرين من انبسط في دَعُوى المحبّة» حى أخرجه دَلِك 
إلى نوع من الرعونة والدّعَوى الي تناف العْبُودية وتّدخل العَبّد في نوع من 
الربوبية الي ل تصلح إ إل للّه؛ فيدعي أحدهم دعاوى تتجاوز خُدود اء 

N‏ أو يطلب من الله ما لا يَصلح بحل وجه إلا للهء لا يصلح للأنبياء 

ولا للمرسلين. 

وهَذًا باب وقع فِيهِ فيه كثير من الشيُوخ. . وسّببه: ضعف تَحْقِيق العبودي ًة التي 
كياش قرفا لامر والتّغي الَنِي جَاءُوا بهه بل ضعف العقل الَنِي به 
يعرف العبد حَقِيقته. وإذا ضعف العقل» وقلص العلم بالدّين وفي التفئس 
عة طائشة جاهلة- انبسطت التّفس بحمقها في ذَلِك كما ينبسط الإنسان 
في حبّة الإِنّسَان مَعَ حمقه وجهله ويَقُول: أنا حب فلا أؤاخذ يما أفعلهُ من 
أُواع يكين نيه عدوان وجّهلء فَهَذَا عين الضلالء وهو شّبيه بقول اليَهُود 

وَالتَصَارَ: ى: نحن ناء اللّه وأحباؤه) [المَائِدَة: 18]» قال اللّه تَعَالَ: قل فلم 

'' الزنديق: هو من يبطن الكفر ويُظهر الإيمان مع الدسّ الخفي. 
9 المرجفة: فرقة من الفرق يعتقدوق آراء خخالفة لأهل السبة والجباعة؛ من أشهرها؛ أنه لا يضر 
مع الإيمان معصية؛ كما لا ينفع مع الكفر طاعة. 
”' الحرورية: هم الذين خرجوا على علخ د من جيشه بسبب قبوله التحكيم بينه وبين معاوية 
يله وقد حاربوا عليًا كه عند قرية اسمها (حروراء) في العراق. 


| لشيخ الإسلام ابن تيمية 3A sia aaa gaa‏ 0 
يعذبكم بذنوبكم بل انتم بشر ممن خلق يغفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء) 
ليه بنسبة البُنوة» بل يَمَتَضِي أنهم مربوبون مخلوقون. 

ERE‏ حبك وخيريه لاقمل فافض ة اق 
ويُسخطه؛ من الكفر والفسوق والعصيان. 

ومّن فعل الكْبَائْر وأصرَّ حَلَيّْهَا ولم يتب مِنْهَاه فَإِنَّ الله يُبغض مِنْهُ ذلك 

ومن ظن أن الوب لا تضرٌه لكون الله يحبهُ مَعَ إصراره عَلَيّْهَا- كانَ بمَنِْلّة 
من زعم أن تتاول السم لا يضرّهُ مَعَ مداومته عَلَيّه وعدم تداويه مِنْهُ لصِحَّة 
مزاجه؛ ولو تدبر الأحمق ما قضّ الله في تابه من قصّص أنبيائه» وما جرى لَهُم 
من التَوْبّة والاسْتِغْمَا وما أصيبوا به من أنواع البآاء الذي فيه تمحيص لَهُم 
وتطهير بحسب أحواهم- علم بعض ضَرَّر الذنوب بأصحابهاء ولو كانَ أرفع 
الاس مقَامًاه قن المُحبٍ للمخلوق إذا لم يكن عَارِفًا بمحايّه ولا مريدًا لَهَاء 
بل يَعْمل يِمُفْئَضى ا حب وإن گان جهلًا وظلمًا- كَانَ ذلك سَّبيّا فض المحبوب 
له وثفوره عَنهُ» بل سَبِبّا لعقوبته). 

خلق الله الخلق لعبادته الجامعة لكمال محبته» مع الخضوع له والانقياد 
د 
فأصل العبادة: محبة اللّهء بل إفراده بالمحبة» وأن يحكون الحب كله للّهء فلا يحب 


معه سواه» ا كن عا و کا س ان ورسله وملائحته 


.)344 70 ل رسالة العبودية ) 
وأولياءه» فمحبتنا هم من تمام حبته» وليست حبة معه» كمحبة من يتخذ من 
دون الله أندادًا يحبونهم كحبه. وإذا كانت المحبة له هي حقيقة عبوديته وسرهاء 
فهي إنما تتحقق باتباع أمره واجتناب نهيه» فعند اتباع الأمر واجتناب الدهي 
تتبين حقيقة العبودية والمحبة» ولمهذا جعل تعالى اتباع رسوله علمًا عليهاء 
وشاهدًا لمن ادعاها؛ فقال تعالى: (قل إن كنتم لبوق الله فاتبعوني يحببكم 
الله) [آل عمران: 31]» فجعل اتباع رسوله مشروطًا بمحبتهم لله وشرطًا لمحبة 
الله هم» ووجود المشروط ممتنع بدون وجود شرطه وتحققه بتحققه؛ فعلم انتفاء 
المحبة عند انتفاء المتابعة» فانتفاء محبتهم لله لازم لانتفاء المتابعة لرسوله 
وانتفاء المتابعة ملزوم لانتفاء محبة الله لمم» فيستحيل إذا ثبوت محبتهم لله 
وثبوت محبة الله لحم بدون المتابعة لرسوله. ودل على أن متابعة الرسول 4 هي 
حب الله ورسوله وطاعة أمره» ولا يكفي ذلك في العبودية حت يكون الله 
ورسوله أحب إلى العبد تما سواهماء فلا يكون عنده شيء أحب إليه من الله 
ورسوله» ومتى كان عنده شيء أحب إليه منهماء فهذا هو الشرك الذي لا يَغفره 
الله لصاحبه البتة» ولا يهديه اللّه؛ قال الله تعالى: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم 
وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون 
كسادها ومساڪن ترضونها أحب يڪم من الله ورسوله وجهاد في سبيله 
فتربصوا حتى يأتي الله بأمره واللّه لا يهدي القوم الفاسقين) [العوبة: 24]. 

فكل من قَدّم طاعة أحد من هؤلاء على طاعة الله ورسوله» أو قول أحد 
منهم على قول الله ورسوله» أو مرضاة أحد منهم على مرضاة الله ورسوله أو 


خوف أحد منهم ورجاءه والتوكل عليه على خوف الله ورجائه والتوكل عليه أو 
معاملة أحدهم على معاملة الله فهو تمن ليس الله ورسوله أحب إليه ما 
من قدم حڪم احد على حكم الله ورسوله» فذلك المقدم عنده أحب إليه من 
او 

إِنَّ كثيرا من أمراض قلوبنا ترجع إلى ضعف حب الله ورسوله 4 في 
قلوبناء وهو من أوثق عرى الإيمان. 

والذي يروم المحبة الصادقة لا بد له من حادٍ يسوقه ويعينه على مشقة 
الطريق» وعليه أن يجاهد نفسه في سبيل تحصيلها والعلذذ بها؛ وذلك بالبعد عن 
الذنوب ومصاحبة أهل الغفلةء وعليه بالاجتهاد في الطاعة» والعمل على تهذيب 
أخلاقه والسمو بروحه» والصبر على أنواع الابتلاءات المختلفة الممحصة» وبذل 
الغالي في سبيل ذلك؛ فالعاقبة حمودة. 

إن محبة الله تعالل تملا النفس سكينة ورضاه وكسلاً اليا تير وسعادة 
وتملاً المجتمعات البشرية تفاهمًا وتراحمًا وتكافلاء ومّن حرم تلك النعمة 
كان قرينه الضنك في الدنياء والعمى في الآخرة. 

saa 


7" انظر: «مدارج السالكين» (1/ 19ء 20). 


et haat i eas a OR O 346 |...‏ | شرح رسالة العبودية 

قال المصنف رحمه اللّه: «وكثير من السالكين سلكوا في دَعْوى حب الله 
أنواعًا من أمُور اجهل بالدّين: إِمَّا من تعيي حدود الله وما ِن تَضييع حَُقُوق 
الله وما من اذّعَاء الدَعَاوى البَاطِلّة الت لا حَقِيقَة لَهَا كَمَوْل بَعضهم: أي 
ريد لي ترك في القار أحتاء أن برئ نه ققَال الآخر: أي مُريد لي ترك أحنًا 
من المُؤْمِنِينَ يدخل النّار فأنا مِنْهُبَرِيء. 

قالأول: جعل مريده برج كل من في التّار. 

والتاني: جعل مريده يمْنّع أهل الكْبَابْر من دُخُول الثّار. 

ويقُول تعضهم: إذا گن يَوْم القِيَامَة تتصبت حَيْمَتي على جَمَنم حَقَّ لا 
فدخلهًا خد 

وأمثال ذلك من الأقوال الي تُؤّْر عَن بعض المَشَايخْ المَشْهُورينء وهي إِما 
كذب عليه وإمّا غلط مِنهم. 
ا EA‏ 0 شظظظ ولك من 
هَولاءِ مَّن إذا صحا اسْتغُفر من ذلك الكلام واأذين انوا ق 


اک 


سّماع القصائد المتضمنة للحبٌٍّ والشوق واللوم والعذل والغرام- كان هذا أصل 
مقصدهم» فَإن هذا الجنْس يحرك مَا في القلب من ال حب گائنا ما گانء ولهَدًا 
أنزل الله محنة يمْتحن بها المُحب؛ فَقَالَ: [قل إن كُنْثُم تحبون الله فَاتبِعُونٍ 
يحببكم الله) [آل عران: 31 فَلَا يڪون محبًا لله إل مَن يتبع رَسُولهء وطاعَة 
الول ومتابعته لا تكون إلا بتحقيق العْبُودة وكثير مِمَّن يَدَّعِي المحبّة 
بخرج عَن شَّرِيعته وسنته يله ويَدّعِي من ا محالات مَالَا يشيع هَذَا الموضع 


لذكره حى قد يظنٌ أحدهم سُقُوط الأمر وتخليل الحرام ل وغير َلك مِمّا فيه 
ُحَالمَة شَرِيعَة الرَسُول وسُنَّته وطاعته. 

بل قد جعل الله أساس محبته ومحبة رَسُوله: الجهّاد في سَّبيله. والجهّاد 
ِتَصَمَّن كَمَال محبّة مَا أمر الله يه وكَمَال بُغض ما نهى الله عَنهُء ولِهّدَا قال في 
صفة مَن يحبهُمْ ويَبُونَُ: (أِلَّ على المُؤْمِنِينَ أعزة على الافرين يجاهدون في 
سَبِيل الله ولا يَحَافُونَ لومة لاثم) [المَائْدَة: 54]. 

َلِهَذدَا كات محبّة هَذِهِ الأمة لله أكمل من محبّة من قبلهاء ٠‏ وعبوديتهم لله 
أكمل من عبودية من قبلهم» وأكمل هَذِه الأمة في ذلك هم أَصْحَاب محمد كلك 
ومن گان بهم أشبه ن ذلك فِيهِ أكملء فَيْنَ هذا ِن قوم يدعو المحبّة؟ 

وفي كلام ڊ بعض الشّبُوخ. : المحبّة تار تحرق في القلب ما سوى ىف المحبوب. 
a‏ تق الله وجو فظنا أن كال اف أن مب اله 
كل تَيْءء حى الڪفر والفسوق والعصيانء ولا يُمكن أحد أن يحب کل 
مَوْجُود» بل يحب ما يلائمه وينفعه» ويُبغض ما يُنَافِيهِ ويضره» ولّكن استفادوا 
دا الضلال اتَبَاع أهوائهم, ڈ م زادهم انغماسًا في أهوائهم وشهواتهم؛ فهم يحبونَ 
ما يَهوونه؛ كالصور والرئاسة وفضول المّال والبدع المضلةء اق أن قاع 
غ الله ومن هة الله بض أما بض الله ووشوله وجواد أهله باي 
اکان 

وأصل ضلاهم: أن هذا القَائِل الذي قَالَ: إن المحبّة تار تحرق مَا سوى مُرَاد 
المحبوب» قصد بِمُراد الله تَعَالَ: الإرَادَة الكونية في كل الموجودات. 


yy 348 )..‏ شرح رسالة العبودبة ) 

أما لَوقَالَ مُؤمن پاللّه وكتبه ورُسّله هَذه المقَالة فَإِنَّهُ يفُصد الإرَادَة الدّينيّة 
الشَّرْعِيّة لي هي بمعنى: محبته وراه فَكَأَنَّهُ قَالَ: حرق من القلب مَا سوى 
المحبوب لله. وهَدّا معنى صَحِيح» فَّإن من تّمام الح لله: ألا يحب إلا مَايبِهُ 
الله فَإذا أَخْبَبت ما لا يحب كَانّت المحبّة نَاقِصَة. وأما قَضَاوُهُ وقدره فهو يُبغضه 
ويكرهه ويسخطه وینهی عَنهُ فن لم أوافقه في بغضه وكراهته وسخطه لم 
کو غا لديل الا مخضةة 

إن كثيرًا نمن يدعي ال محبة يخرج عن شريعة النبي ‏ وسنته وهديه 
ويّدّعي من الخيالات والأوهام ما يشير الدهشة والشفقة عليهم» حت يظن 
أحدهم سقوط التكليف عنه وتحليل الحرام له» وكثير من الضالين الذين اتبعوا 
أشياء مبتدعة من الزهد والعبادة على غير علم ولا نور من الكتاب والسنة 
وقعوا فيما وقع فيه النصارى من دعوى المحبة لله» مع مخالفة شريعته وترك 
المجاهدة في سبيله وغو ذلك. 

فالاقتصار على جانب المحبة لا سى عبادة» بل قد يَؤول بصاحبه إلى 
الضلال بالخروج عن الدين» والصوفية وأشباههم- في الغالب- لا يرجعون في 
دينهم وعبادتهم إلى الكتاب والسنة» وإنما يرجعون إلى أذواقهم وما يدهم 
عليهم شيوخهم من الطرق المبتدعة والأوراد البدعية» بل وأحيانًا الشركيةء 
ويكتثرون من الاأسعدلال بالمكايات والمنامات والأحاديت الموضوعة لإئبات 
صحة ما هم عليه. 


ويتمسك الصوفية فيما يتقربون به إلى ربهم بنحوما تمسك به النصارى 
من الكلام المتشابه والحكايات التي لا يُعرف صدق قائلهاء ولو صدق لم يكحن 
معصومًا؛ فأحدثت شيوخهم لهم ديتّاء كما أحدثت الأحبار والرهبان لمتبوعيهم 
ديئً(1). 

وبهذه الحجّة والمنطق والبيان ارد شيخ الإسلام مظاهرٌ السَّخْفٍ 
والا نحراف التي قت بعقول بعض المسلمين وعقائدهم وأعمالهم؛» خاصة في 
أمر العبودية. 


2 


9 انظ الحقيقة لصوف ورقف الصوفية مى أصول الاد والديى) (صن 18:9): 


) 350 مس سس شرع رسالة العبودية ) 

قال المصنف رحمه اللّه: «فاتباع هَذه الشَّرِيعَة والقيّام با ٰجهَاد بها مِن أعظم 
الفروق بين أهل محبّة الله وأوليائه الّذِين بهم ويحِبُونهُ وبين من بذعي محبّة 
الله نَاظرًا إل عُمُوم ربوبيتهء أو مُتبعًا لتعض البدع المُخَالمَة لشرريعته فَإِنَّ 
دَعوى هذه المحبّة لله من جنس دَغْوى اليَهُود وَالتَضَارَّى المحبّة لله بل قد 
تكون دَغوى هَؤُلَاءِ شرا هن غوف الوذ َالتَضَارَى؛ لما فيهم من التّمَاق 
دين هم به في الدرك الأَْمّل من الكَارِ كُمَاقد تكون دَغوى اليَمُود 
OES,‏ يصلوا إل مثل ڪفرهم. 

وني التَوراة والإنجيل من التَّرَغِيب في محبّة الله مَا هم متفقون عَلَيَه ج 
إن ذلك عِنْدهم أعظم وضَايًا الناموس. 

في الإنجيل: أعظم وصَايًا اليح: (أن تحب الله بحل قَلبك وعقلك 
ونفسك) والتَصَارَى يدّعونَ قيامهم بِهَذِهِ المحبّة وأن ما هم فيه من الرُّهْد 
والعِبّادّة هُو من َلك وهم بُرَآء من محبّة الله إِذْ لم يتبعوا ما أحبه؛ بل اتبعُوا مَا 
أسخط الله وكرهوا رضوانه؛ فأحبط أَعْمَاهم. 

واللّه يبغض الكافرين وتم ويلعنهم؛ وهُو سُبْحَانَهُ بحب من يبه لا 
يُمكن أن يكون العَبّد محبًا للهء والله تَعَالَ غير محب له بل بقدر محبّة العَبْد 
لرَبه يڪون حب الله لَه وإن گان جَرَاء الله لعَبْدِهِ أعظم. گمَافي الديث 
الصَّحِبح الإلهي عَن الله تَعَالَ أنه َال امن تَقَرّب إِيّ شرا تقرّبت لَه راع 


مم ك 


ومّن تقرب إل ذِرَاءًا تقرّبت إِلَيْهِ باع ومن أَنَانِ يمشي يته هرولة»(1). 


7(" أخرجه البخاري (7405) ومسلم (2675) من حديث أي هريرة وَل 


وقد أخبر الله سُبْحَانَهُ: أنه يحب المُتَّقِينَ والمُحسنين والصَابرِينَه وبحب 
التوابين ويحب المتطهرين» بل هُو يحب من فعل ما أمر به من واجب 
ومستحبه كما في الحَدِيث الصّحِبح: الا يڙال عَبِدِي يقرب إل بالنوافل حى 
جب ذا أحببته كنت سَمعه الذي يُسمع بد وتصرب الي صر به أ 
الحديث(1)» وكثير من المخطئين الذين ابتدعوا ا ف الزهد والعبّادة وفَعُوا 
في بعض ما وقع ذ STS‏ 
المجاهدة في سَبِيلهء وتخو ذَّلِكه ويتمسكون في الدّين الَّذِي يمقر ريون به لی الله 
بحو مَا تمسك په التَصَارَى من الكلام المُتَمَابهه والحكايات الت ل يُعرف 
صدق قَائِلهَاه ولو صدق لم يكن قَائِلهًا مَعْضُوماء فيّجعلون مَتبوعيهم 
شارعين لَهُم ديئاء كُمَا جعل التَصَارَى قسيسيهم ورهْبَانِهِمُ شارعين لهم ديتًاء 
ووه مرو جب هوم I‏ 
u‏ اي نوع أخر 
يطول عرسيا قي ا 

وإِنَّمَا الدّينُ احق هو تَحْقِيق العْبُودِيَّة لله بكل وجه وهُو تَخْقِيق محبّة الله 
بكل دَرَجَةَ وبقدر تَكُييل العْبُودِيّة تكمل محبّة العَبّد لرَبهه وتڪمل محبّة 
الرب لعَبْدِهِ. وبقدر نقص هذا يكون نقص هَذَاء وكلما كانَ في القلب حب 


أخرجه البخاري (6502) من حديث أي هريرة قَله. 


...| 352 171190999990000 | شرح رسالة العبودية 


لغير الله- كانت فيه عبودية لغير الله بحسب ذَلِك. وكلما کن قبه غبودية 
لغير اللّه گان فيه حب لغير الله بحسب ذَلِك. 

ميعن موا الك ا( 
بَاطِلء فَالدّنْيَا ملعونة» مَلعون ما فِيهًا إل ما گان لله(1» ولا يكون لله إلا ما 
أحبه الله ورسوله A‏ 

فكل عمل ريد بيه غير الله لم يكن لله» وکل عمل لا يُوافق شرع الله لم 
يڪن لله بل لا يكون لله إل مَا جمع الوصفين: أن يكون لله وان يڪون 
مُوافقًا لمحبة الله ورَسُولهء وهُو الواجب والمُسْتحبء كُمَا قَالَ تَعَالَ: (قمن كَانَ 
يَرْجُو لِقَاء ربه فليعمل عملا صَالًا ولا يُشْرك بعبّادة ربه أحدا) [الكيْف: 110]. 

فلا بد من العَمَل الصّالح ومُو الواجب والمُسْتّحب ولا بد أن يكون 
خَالِضًا لوجه الله تَعَالَء كَمَا قَالَ تَعَالَ: بل من أسلم وجهه لله وهُو محسن 
قله أجره عند ربه ولا خوف عَلَيّهِم ولا هم رَدُون) [البقرّة: 1٠2‏ وقَالَ التي 
: من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرًا قو ردً)(2). وقَالَ 4: «إنَّمَا الأَعْمَال 
بالتيّاتِ وإنَّمَّا لكل امْرِئْ ما نوى؛ فمن گات هجرته لى الله ورَسُوله فَهجرّته 


أخرج الترمذي (2322) وابن ماجه (4112) عن أي هريرة د أن رسول الله كَتقال: 
«الدنيا ملعونة» ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالمًا أو مُتعلمااء وحسنه الألباني في 
«صحيح ابن ماجه) (3320). 

7 أخرجه مسلم (1718) من حديث عائشة رضي الله عنها. 


إلى الله ورسُولهء ومّن کات هجرته لدُنْيَا بُصِيبها أو امْرَأة يَتَرَوجِهًا فهجرّته إل 
ما قاجر لبي 
أرسل الله اسل وأفزل الكتب u e‏ 
وفِيه تخي وهو قطب الدّين الذي لدو غليه عاق 

والشرك غَالبٌ على التفُوسء وهُو كما جَاءَ في النديث: «مُوني هذه الأمة 
أخْفى من دَبِيب التَّمْل)(2)» وفي حَدِيث آخر: «قَالَّ أو بكر: كا سول الل 
گي تنجو مِنْهُ وهو أحنى من دَبِيب التَمْل؟ فَمَالَ التي 8: «أعلمك كلمة إذا 
قلتهًا جوت من دِقّه وجلّها قل قل: الهم إن أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم. 
وأستغفرك لملا أعلم)(3): وکن ضير يقول فق دڪائه: «اللَّهُم اجعل عَمَلي كله 
صَاًاء واجعله لوجهك خَالِضاء ولا عل لأحدٍ فيه شَينًاا. 

ادعى اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤهه مع أنهم في الحقيقة لم 
يمتغلوا هذه المحبة» ولم ينقادوا للمحبوب قولًا وعملاء وكذلك الذين ادعوا 
7(" أخرجه البخاري (1) ومسلم (1907) من حديث عمر بن الخطاب ذَلِقتهُ. 
9 أخرجه أحمد في «المسند) (4/ 403) (19622)» والبخاري في «الأدب المفردا (377)» 
وصححه الألباني في «اصحيح الترغيب والترهيب» (36). 
9 أخرجه البخاري في «الأدب المفرد) (716) من حديث معقل بن يسار يله وصححه الألباني 


في ااصحيح الأدب المفرد» (266). 


ai 00000000000 354 |...‏ | شرح رسالة العبودية | 
أنهم يحبون الله عز وجل وهم يحدثون البدع في دينه؛ والتي يتصورون أنها 
تقربهم إليه سبحانه وتعالى» فهؤلاء بهم شَّبّهِ من اليهود في دعواهم أنهم أحباب 
وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت. 

فدعوى المحبة لا تكني» بل لا بد أن يكون معه اتباع لسنة الي ئل 
واثقياه ف بالقول والعل اا أمرية الج ا وكا نقى عده لمحيو دركا. 

وقد يكون العبد أحياناً با لله تعال عة قلبية تجرد لكنة في سلوكه 
وعمله بعيد عن حقيقتها؛ من حيث اتباع الي بي ول هذا ابتلى الله سبحانه 
وتعالى الذي يَدّعون محبته بالامر باتباعه كَل كما قال الله عز وجل: (فُل إِنْ 
0 الله قَاتَبِعُونٍ يحُبِبكُمْ الله ؟ [آل غمران؛ 31]. 

وقد أنكرت بعض الفرق الضالة محبة الله تعالى؛ فقالوا: إِنَّ الله عر وجل 
لا يجبء وإِنَّما حبته للعبد هي إرادة الغواب له فقط؛ لأنه لا تتعلق به المحبة. 

وحتى الصوفية الذين يزعمون محبة الله عز وجل يفسّرون المحبة بتفسير 
جَبْري؛ فيقولون: هي موافقة قَدَر الله سبحانه وتعالى والاستكانة له؛ ويقصدون 
الرضا بما كتب الله وقوعه في الدنياء حتى وإن كان كفرًا أو معصيةء ولذلك لا 
يعلملون على دفع قدر الله بقدر اللهه ويظنون ذلك من تمام العبودية» أي: 
موافقة الحقيقة الكونية. 

وإنّما الدين الحق هو تحقيق العبودية لله» وعلى قدر تتكميل العبودية 
تكمل حبة العبد لربه» وتكمل محبة الرب لعبده» وبقدر نقص هذا يحون 


نقص هذاء وكلما كان في القلب حب لغير الله كانت فيه عبودية لغير اللّه 
بحسب ذلك» وكل محبة لا تكون لله فهي باطلة» وکل عمل لا يُراد به وجه الله 
فهو باطل. 

وكثير من المسلمين في هذه الأيام يظنون أن التعبد لله عر وجل هو الإتيان 
بالشعائر التعبدية فقطء بينما الحقيقة أن التعبد لله عز وجل هو الخضوع لأمر 
الله في كل مناحي الحياة؛ كما قال تعالى: (قُلْ إِنَّ ا وَنْسُك وَكَحْيَاي وَمَمَاقِ 


ا 


لور الْعَالمِيق * لا شَرِيكَ لَه وَبدَلِكَ يرت وأا أَوَلُ الْمَسْلِمِينَ) [الأنسام:دم1- 
163[ 

فهذا المفهوم الشامل للعبودية الذي جهله كثير من الناس لهذا المفهوم 
جعلهم يبتدعون ويخترعون أنظمة في الحياة وقوانين تخالف شرع الله 
ويدعو أن لا شان للدّين فى السياسةاولا ق الاقتضاد! 

ثم بين المصنف أن لقبول العبادة شرطين؛ هما: الإخلاص. واتباع النبي 
كل فيها؛ قال الله تعالى: (قَمَنْ کان يَنْجُولِقَاءَ رَه فَلْيَعْمَلُ عَمَلَّا ضَاطًِا ولا 
شرك بِعِبَادةِ ره أَعَدّا) [الكيفي:116]. 

ثم بَيّن المصنف رحمه الله خطر الرياء» وأنّه أخفى في الأمة من دبيب العمل؛ 
لذلك يجب عليها الحذر منه والاستعانة باللّه على دفعه. 

اكد ند 


aaa Sê ean aa 356‏ | شرح رسالة العبودية 


قال المصنف رحمه اللّه: «وكَثِيرًا مَا يُخالط التَّفُوس من الشَّهُواتِ الخفية مَا 


0 0 


ُفُسد عَلَيْهَاتحْقِيق محبتها لله وعبوديتها ل وإخلاص دينها لَه كَمَا قَالَ سداد 
بن أؤس: ايا نعايا العَرَبء يا نعايا العَرّب(1)!إِنَّ أخوف ما أَحَاف عَلَيْكُم 
الرّيّاء والشهوة الخفية)(2). وقيل لأبي دَاوْد السجشتاني: «ومًا الشَّهُوة الخفية؟ 
قَالَ: حب الرّئّاسَّة)(3). 

وعَن عب بن مالك عن التي له أنه قاد لقا تيان سافان اسلان 
زريبة عنم بأفسد لَهّا من حرص المَرْء على الال والشرف لدينه» قَالَ 

قَبيّن يله أنَّ ا زص عل المّال والتَّرف في إِفْسَاد الدّين ل ينقص عَن 
إِْسَاد الدنْبَين الجائعين لزريبة الغنم» ودَلِكَ بء قَإن الڌين السلِيم للا يڪون 
فيه هَذَا الحرْصء وذَلِكَ أن القلب إذا ذاق حلاوة عبوديته لله ومحبته لَه لم 
يكن ٿَيِء أحب إِلَيْهِ من ڏلك حَقّ يُقدمةُ عَلَيْهه ويرك يصرف- عَن أهل 


"' قال الأصمعي: إنما هو: يا نعاء العرب» أي: يا هؤلاء انعوا العرب. «عمدة القاري» (22/ 83). 
9 ا أبوتُعيم في «الحلية» (122/7))» وتأخبنار اصبيان) (2/ 6 وقال الألباني ف 
«الصحيحة» (508): «هذا إسناد حسن رجاله ثقات). 

أخرجه ابن عساكر في تاریخ دمشق» (22/ 200). 

۵إ خرجه أحمد (3/ 456) برقم (15765)» والترمذي (2376) من حديث كعب بن مالك 


۰ وصححه الألباني في (المشكاة) (5181). 


| لشيخ الإسلام ابن تہ 1 7 sia aaa Raa‏ 2 


الإخلاص لله- السوء والفحشاءء كما قَالَ تَعَالَ: ذلك لنصرف عَنةُ السوء 
والفحشاء إِنّه من عبادنًا الملخلصين) [يُوسُف: 24]. 

فَإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله مَا يمنعهُ عَن عبوديته لغيره 
ومن حلاوة محبته لله مَا يمنعه عَن محبّة عيره إِذْ لَيْسَ عند القلب السَّلِيم 
أحى 3 ألذ و أطيب ول اسر أنعم من حلاوة الإيمّان المتضمن عبوديته 
لله ومحبته لَه وإخلاص الدّين لَه وذَلِكَ يَفْتَضي انجذاب القلب إلى اللّه؛ فَيصير 
القلب منيبًا إل الله خَائمًا مِنْهُ رَاغِّا رَاهِباه كما قَالَ تَعَالَ: (من خشي الرّحْمّن 
المَيْبٍ وجَاء بقلب منيب) [3: 133 إِذْ المُحب ياف من روال مَظلُوبه أو 
خحُصُول مرغوبه؛ فلا يكونٌ عبد الله ونه إِلّا بين خوف ورجاء كَمَا قَالَ 
تعَالَ: (أُولَيكَ الذين يدعونّ يَبْتَغُونَ إلى رَبهم الوسِيلّة أيهم أقرب ويرجون 
رحمته وَيَخَافُونَ عَذَابهِ إن عَذَاب رَبك کان محذورًا) [الإسشْرّاء: 57]. 

وإذا گان العَبّد مخلصًا لله اجتباه ربهء فأحيا قلبه واجتذبه إِلَيْهه فَيَنْصَيف 
عَنَهُ مَا يضاد ذلك من السوء والفحشاءء ويخّاف من حُصُول ضد ذَلِكَء بخلاف 
القلب الي لم يخلص للهء فَإن فيه طلبّا وإرَادّة وحبًّا مُطلقَّاه فيهوى كل ما 
يسنح لَه ويتشبث بم يهواه كالغصنء أي فسيم مر به عطق وأماله قََارَة 
تجتذبه الصو المُحرمّة وغير المُحرمّة؛ قيبقى أَسِيرَا عبدًا لمن لو اَذه هُو عبدًا 
لَه لَكانَ ذلك عيبا ونقصًا وذمًا. 

وتارّة يجتذبه الشرف والرئاسة» فترضيه الكَلِمّة» وتغضبه الكَلِمّة ويستعبده 
من يثني عَلَيّهِ ولو بالبَاطِلٍِء ويعادي مَن يذمّه ولو باحق 


aaa 00 358 |...‏ | شرح رسالة العبودية | 


وتارّة يستعبده الدَّرْهَم والدّيئَان وأمثال ذلك من الأشور الي فستعبد 
القُلُوب» والقلوب تهواها؛ فيتخذ إِلَّا هوا ويتبع هَواه بعَيْر هدى من اللّه. 

ومن لم يكن خَالِضًا للّه عبدًا لَهُ قد ضار قلبه معبدًا لرَبه وحده لا شريك 
له َي يكون الله أحب إِلَيْهِ ِن كل ما سوا ويكون ذليلًا لَه خاضعًاء وإ 
استعبدته الكائنات واستولت على قلبه الشَّيّاطِين؛ فَكّانَ من الغاوين» إخُوان 

الشَّيَاطِين وصَارَ فيه من السو والفحشاء ما لا يعلمة إلا الله. 

وهَدًا أمر صَرُورِيٌّ لا جِيلّة فِيه. 

فالقلب إن لم يڪن حَدبنًا قبا عل الله مُعرضًا عَمَّا سوك ولا كن 
مُشْرك؛ قال تَعَالَه (فأقم وجهك للدين حَنِيفا فظرّة الله الي فطر الاس عَلَيْهَا 
ّا تَبْديل لخلق الله ذلك الدّين القيم وڪن أكثر النّاس لا يعلمُونَ * منيبين 
إِلَيْهِ واتقوه وأقِِمُوا الصّلّاة ولا تَحُونُوا من المُشركين * من الّذين فرقوا دينهم 
وا شيعًا كل حزب بمّا لديهم فَرِحُونَ) [الُوم: 30- 32]. 

وقد جل ا ا ا وال ا انق اا 
المخلصين أهل حي الله وعبادته وإخلاص الدَّين كما جعل فِرْعَوٌن وآل 
فِرْعَوْن أنه المفركين المتبعين أهواءهم؛ قَالَ تَعَالَ في إِبْرَاهِيم: (وومَبْتَا له 
إِسْحَاق ويَعْقُوب نَافِلّة وا جعلنًا صالحين اا و 
وأوحينا إِلَيْهم فعل الخيرات واقام الصَّلاة وإيتاء الرّكاة ونوا لنا عابدين) 


o7 o» 


[الأَنْبيّاء: 72 73]» وَقَالَ في فِرْعَوْن وقو مه: [وجعلناهم ية يدعونّ إلى الثّار ويم 


القيامّة له وة * وأتبعناهم في هَذِه الدْيا لعنة ويَوم | لقِيَامَة هم من 
المقبوحين) [القَصّص: 41 42]» ولهَدَا صر أَتبَاع فِرُعَوْن أ أولا إلى ألا ؛ يميزوا بين 


| لشيخ الإسلام ا O a‏ ا BO‏ 


مَا حب الله ويرضاه وبّين ما قَدّر الله وقضاه بل ينظرُونَ إلى المَشِيئَة المُطلقّة 
الشاملة» ثم في آخر الأمر لا يُمَيّون بين الاق والمخلوق» بل يِجْمَلُونَ وجود 
هَذَا وجود هَذَا. 

ويَقُول محققوهم: الشَّرِيعَة فِيهًا طاعَة ومعصية» والحقيقة فِيهًا مَعَصِية بلا 
طاعَةء والتحقِيق لَيْسَ فيه طاعَة ولا مَغصية. وهَذًا تحقِيق مَذَْهَبِ فِرْعَوْن 
وقّومه اين أنْكَرُوا الاق وأنكروا تكليمه لعَبْدِهِ مُوسَى وما أَرْسلهُ په من 
الأمر والتّغي. 

وأا راهيم وآل إِبْرَاهِيم الحنفاء من الأَنْبياء والمُْمنِينَ بهم فهم يعلمُونَ 
أنه لا بد من الفرق بين الاق والمخلوقء ولا بُد من الفرق بين الطّاعَة 
اه وان ال کے ی 0 القرف- ازذادت عه نه 
وعبوديته لَهُ وطاعته له وإعراضه عَن عبَّادّة غَيره ومحبة عيره وطاعة غيردا. 

بدك 

كثيرًا ما يخالط النفوس من الشهوات الخفية؛ كحب الظهور والمراءاة 
بالعمل- ما يُفسد عليها تحقيق محبتها لله وعبوديتها له» وإخلاص دينها له. 

وكذلك الحرص عل المال والحرص على الشرف يفسدان دين المرء» كالدثبين 
اجائعين المُرْسَليْن في زريبة غنم» ولذلك ينبغي للمؤمن أن يحرص على السلامة 
من هاتين الآفتين كحرص صاحب الغنم على حفظهم من الذئابه والدّئب لا 
يَسلم منه الراعي ولا يأمن منه على غنمه إلا بغاية الاحتراز والتحفظ والمراقبة» 


والبعد عنه» وجعل الحواجز بين عَنَّمِه وبينه. 


--[ 360 ا ل | شرع ردا انر | 

فمدار الأمر على القلب: إذا أقامه الإنسان على الجادة صلح وإذا أهمل 
إصلاحه وغفل عنه فسد أمره في الدنيا والآخرة» وهذا يُوجب تمام العناية 
بالقلب تطهيرًا وتركية وإصلاحًا وتهذيبًاء فإنه من أصلح قلبه صلحت حاله في 
الدنيا والآخرة كما قال ثَله: ألا وإنَّ في المسد مضغة؛ إذا صلحت صلح 
الجسد كلهء وإذا فسدت فسد الجسد كلهء ألا وهي القلب)(1). 

فالمخلص لله يذاق من حلاوة عبوديته له ما يمنعه عن عبوديته لغيره» ومن 
حلاوة محبته لله ما يمنعه عن محبة غيره؛ إذ ليس عند القلب السليم أحلى ولا 
ألذ ولا أطيب ولا ألين ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله 
ومحبته له» وإخلاص الدين له» وذلك يقتضي- انجذاب القلب إلى اللّه» فيصير 
القلب منيبًا إلى اللّه» خائقًا منه» راغبًا راهباء كما قال تعالى: (مَنْ خَشِيّ 
البَّحْمَنَ ع بِالْعَيْبٍ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبِ) [ق: 33]. 

ومّن لم يكن محبًا لله مخلصًا عبادته لله صار ذليلًا خاضعًا لغيره» 
واستولت على قلبه الشياطين» وصار فيه من السوء والفحشاء ما لم يعلمه إلا 
اللّه؛ قال المصنف رحمه اللّه: «فالقلب إن لم يڪن حنيفًا مقبلًا على الله معرضًا 
عما سواه کان مشركًا: (تَأَقِمْ َجْهَكَ لِلڈين حَنِيًا فِظرَة الله التي قَطرّ الاس 
ََيْا لا تيل قلق الله ذلك لين المي وَلَحِنَّ تر الاس لا يَْلَمُونَ * 
شيرق انهو قكرة را قيثو لقلا ولا خرن برق لذ ركيق "ون ادق 11 
د ركلوا شيا كل زت ا تزيم خرن اوا 


كيه البخاري (52) ومسلم (1599) من حديث النعمان بن بشير د. 


لذلك لما حقق إبراهيمُ وآلّه العبودية لله جعلهم سبحانه أئمة للحنفاء 
المخلصينء َال تَعَالَ في حقٌّ إِيْرَاهِيم: (ووَهَبًْا له إسْحَاق ويَعْقُوب كافك وكلا 
جعلتا صالحين * وجعلناهم ية يهْدُونَ بأمرنا وأوحينا إِلَيْهم فعل الخيرات 
وإقام الصلاة وإيتاء الرَاة واوا لما عابدين) [الأَنْبيّاء: 72ء 73]» ولما استكبر 
فرعون وقومه عن عبادته جل وعلا جعلهم أئمة للمشركين المتبعين أهواءهم؛ 
َال تعالى عن فِرْعَوْن وقومه: (وجعلناهم أَيِمّة يدعون إلى الكار ويَوْم القِيَامَة ل 
ينْصرُونَ * وأتبعناهم في هَذِه الدَّنْيَا لعنة ويَوْم القِيّامَّة هم من المقبوحين) 
[القصسصّص: 241 42]. 

وكما سبق فاللّه عز وجل له إرادتان: الإرادة الشريعية. والإرادة القدرية 
ووقع كثير من الناس في الطوام من عدم التفريق بين الإرادتين» وهذا هو معنى 
قول المصنف: 'اولِهَدًا يُصير أتبَاع فِرْعَؤْن- من الضالين الجبريةه سواء جبرية 
اة ج لل لز نوو ين خا ره وا 
مَا قَدَّر الله وقضاه)" 

وهؤلاء يقسمون الناس إلى قسمين: أهل الشريعةء وأهل الحقيقة» فيقولون: 
أهل الشريعة هم القائمون بها. وأما أهل الحقيقة: فهم الذين يرون أن كل ما 
وقع في الكون من حفر وإيمان وطاعة وعصيان هو مراد لله سبحانه وتعالىء 
وال كرو کوب سات رفا 

ولم يَقَرّقوا ما أراده الله قدرًا وما أمربه شرعًا؛ فلا بد من الفرق بين الخالق 
والمخلوق» ولا بد من الفرق الكفر والإيمان» وبين الطاعة والعصيان» وأن 


A eae a 362 |...‏ 23*55 | شرح رسالة العبودية | 
العبد كلما ازداد تحقيقًا هذا الفرق ازدادت عبوديته لله وإنابته إليه» وبالعالي 


تزداد محبته له» وينفر من عبادة غيره» ويعرض عن حبة سواه. 


DEC 


قال المصنف رحمه اللّه: (وهَوٌ لاء المُمركُونَ الضالون يسؤون بين الله وبين 
خلقه والخليل يَقُول: اريثم مَا كُنْتُم تَعْبدُونَ انتم وآباؤكم الأقدمون * 

انهم عدولي! إل وف العا ا 5 07 وکن بالمتشابه من كلام 
المََايحْ كَمَا فعلت التَصَارَى. 

تال ذَلِك: اسم a‏ ذا الفناء ثَلَانّة أا 

وتوع للقاصدين من الأُوْلِيَاء والصَّالْحِينَ. 

وتوع لِلمتافِقين المُلحِدِينَ المشبهين. 

اما الأول: قَُو الفناء عن إِرَادّة ما سوى اللّه؛ بيت لا يحب إلا اللّهء و 
يعبد إلا إا ولا يتوكل إلا عليه ولا يظلب من غَير. وهو المَعنى الذي يجب 
أن يقصد بقول الشَّيّحَ أبي يزيد؛ حَيتٌ فَالَ: (أريد ألا أريد إِلَّامَا يُريد) أي: 
الماد المحبوب المرظي: وهو اماد بالارادة الْديدَيّك وكتال العبد: ألا ريدولا 
يحب ولا يرضى إلا مَا أَرَادَهُ الله ورَضِيّه وأحبه» وهو ما أمر به أمرإِيجَابأ 


نواع: 


و اا 


اساب ول تحب إل ما ا اللده #اللاقكة والأفبيكء واا رة 
معنى قوم في قَؤْله: إل من أن الله بقلب سليم) [المُعَرَاء: ده» قَالُوا: هو 
السَلِيم ِمّا سوى الله أو مِمّا سوى عبّادة الله أو مما سوى إِرَادَة الله أو مشا 
سوى محبّة اللّهء فَالمَعْنى واجدء وهَذَا المَعنى إن سمي فتاء أولم يسم هُوأول 
السام وآخره» وباطن الدّين وظاهره. 

فزع لكو قثو للدم ی کس ديرن 
السّالكين» فم لفرط لنجذاب لوهم إلى ذكر لله وعبادته وعببده وضعف 


.)364 کو کے ا ی 
ُلُوبهم عن أن تّشهد غير ما تعبدء وترى غير ما تقصد- لا يخطر بقلوبهم غير 
الله بل ولا يَشْعْرُونَ إلا بهِء كَمَا قبل في قَوْلهِ تَعَالَ: (وأضبح فؤاد أم مُوسَى 
فَارعًا إن کادت لتبدي به ا أن ربطنا عل IT EEL‏ قالوا: تارا 
من كل شَيْء إل من ذكر مُوسَى. ودا كثيرا ما يعرض لمن دهمه أمر من 
الأمُور ؛ ما حبه وما خوفء وما رَجَاء؛ تی قلبه منصريقًا عن كل شَيْم إلا 
عَمَا قد أحبّه أوخافه أو طلبه؛ بِحَيْثُ يكون عِند استغراقه في ذلك لا يعر 

فَإذا قوي على صَاحب الفناء هَذَاء فَإِنَّهُ يَغيب بموجوده عن وجوده 
وبمشهوده عن شُهوده وبمذكوره عن ذكره» وبمعروفه عن مَعرفته» حَقَ يفنى 
من لم يكنء وهي المَخْلُوفَات؛ العَبّد قَمن سواه ويبقى مَّن لم يزل» وهُو الرب 
کال واا تاران 5 العَبْد وذكره وفناؤه عَن أن يُذْرِكهًا أويشهدهاء 
وإذا قوي هَذَا ضعف خی يضطرب في نميه فقد يظنٌ أنه هُو حبوبه 
3< يُذكر (أن رسا تفسه في اليم قألتى ثم به سے خلقه فثال: أت 
وقعتٌء قَمَا أوقعهك خَلني؟ Ê‏ ال 

وهَدّا الموضع رَلّت فيه أقوام وظنوا أله انحادء أن المُحب يتحد بالمحبوب» 
حَقّ لا يكون بَينهمًا فرق في نفس وجودهما. وهَدًا غلط؛ فَإِن الاق لا يتحد 
په تيء اصا۵ بل لا يُكن يتّحد شَيْء شيع إلا إذا استحالا وفسدت 
ا رانم مسو ين ادها أي Oa‏ ولا هَدَاء كُمَاإذا 
اتّحَد المَاء واللّينَه والمَاء وا لخم وتخو لك» ولّحكن يتحد الْمُرَاد والمحبوب» 
والمرّاد والمَكْرُوهء ويتفقان في نوع الإرَادَة والكَرَامَة؛ فيحب هَدَا مَايحب هَذَا 


: 


ع 


لشيخ الإسلام ابن تيمية) و ا يي يي ل واد 
ویبغض هَذَا ما يبغض هَذَاء ويّرضی ما يرضى» ويسخط ما يسخطء ويّكرة مَا 
يكره؛ ويوالي مَن يوالي» ويعادي من يعادي. 

وهّذًَا الفناء كله فيه نقص. 

وأكابر الأولقاءب كأبي بكر وعْمّر والسّابقين الأولين من المهاجرين 
والأَنْصَار- لم يقعوا في هذا الفناء؛ فضلًا عَمَّن هُو قَوقهم من الأَنْبِيَاء وإنّمَا 
وقع شَيْء من هَذَا بعد الصَحَابة. 

وَكَذَّلِكَ كل مَا كن من هَدًا النمط مِمّا فيه غيبّة العقل وعدم التَّمْيِيزلما 
يَردُ على القلب مِن أخوال الإيمّان. 

فَإِنَّ الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم كوا أكمل وأقوى وأثبت في الأخوال 
الإيمانية من أن تغيب عقوم أو يحصل لهم كي اوضق رشک ارقا 
ا 

وإِنَّمَا ن مبادئ هَذِه الأمُو رفي الاب _عين من عُبّاد البَضْرَة فَإنَّهُ ن 
فيهم من يُعْسى عَلَيّهِ إذا سّمِع القُرْآنء ومِنْهُم من يَمُوت؛ كأبي جهير الضَرِير 
وررارة بن أوفى قاضي البَضْرّة. 

وَكَدَلِكَ صَارفي شُيُوخ الصُوفِيَّة مَن يَعرض له من الفناء والشّكرمًا 
يضعف مَعَه تَمِْينه حَقّ يَمُول في تِلكَ الخال من الأَقُوال ما إذا صَحا عرف أنه 
غالط فیهء كَمَا يخى تو لك عَن مثل أي يزيد وأبي الْحْسَيّن النوري وأبي 
بكر الشبل وأمثاهم؛ يلاف أبي سُلَيْمَان الَارَانيِ ومعروف الكرخيء 
والفضيل بن عِيّاضء بل ويخِلاف اليد وأَمْثَالهه مِمّن كانت عْقُوطمْ وتمييزهم 
يَصحبهم في أَحْواهم؛ فا يّقعون في مثل هَدًا الفناء والسكر وكَنُو بل الكُمّل 


| 366 مسومو TT eel‏ دی 
تكون فُلوبهم لَيْسَ فِيهًا سوى محبّة الله وا رادته وعبادته» وعندهم من سَعَة 
العلم والعمييزمًا يشْهِدُونَ [به] الأمُورعل ما هي عَلَيّهِ بل هدو 
المَخُنُوفَات قَائِمَة بأَمْر الله مُديّرّة بمشيئته» بل مُستجيبة لَهُ قانتة له قيكون 
َم فِيهًا تبصرة وذكرى» ويكون ما يتشهدونه مِن لِك مؤيدًا ومُمِدًا ما في 
قُنُوبهم من إخلاص الدّينء وتْرِيد التَوْحِيد لَهُ والعبَادَة لَهُ وحده لا شريك لَه 
وهَذِه هي الحقِيقة الي دَعَا إا المُرْآن وقّامَ با أهل تَحْقِيق الإيمَان 
واكم من أهل العرقانء ونا 2 إِمَام ولا وأكملهم» ولِهدا ما عرج به إل 
القكارات ا 1 نات ااه ری تنوكا ارس من ان 
المَتَاجّاةق- «اصو قي اراي ار لاج حير حر ار ا 


0 


يظهر عل مُوسَى من التَكَنّي صل الله عَلَيْهم وسَلّم مين 

وأمّا الع الثّالِث: : مِمّا قد يُسَتَى فتّاءء قَهُو أن يَشْهد أن لَا مَوْجُود | إل اللّهء 
وأن وجود الاق هُو وجود المَخْلُوق» قد فرق بين الربٌّ والعَبّد قَهَذَا فنّاء أهل 
الضلال والإلحاد الواقعين في ال لول والاتحادء وهَدًا يبرأ مِنْهُ المَمَايخْ إذ قَالَ 
أحدهم: ما أرى غير الله أو لا أنظر إلى غير اللهء ونو دلك؛ فمرادهم بذلك ما 
أرى رَبّا غَيره ولا حالما ولا مُدبرًا غيره ولا إلا ل خَيرهء ولا أنظر إل غَيره 
محبّة له أو خوقًا مِنْهُه أو رَجَاء لَه إن العين تنظر إل مَا يتَعَلّق به القلب؛ فمن 
أحبّ سينا أو رجاه أو خافه التفت إِلَيْه وإذا لم يكن في القلب تَحبَّة لَهُ ولا 
رَجَاء له ولا خوف مِنْهُ ولا بغض له ولا غير ذلك يِن تعلق القلب لَهُ- لم 
يفُصد القلب أن يلتّفت إل ولا أن ينظر َي ولا أن يراه وإن رَآه اانا 
وة جَرَدة- گان کمن لو رأى حَائِطًا وتَحُوه ما لَيْسَ في قلبه تعلّق به. 


شيخ الإسلام ابنتيمية_) ب سوس ل يي ا اه 

والمشايخ الصّالحون رضي الله عَنْهُم يذكرُونَ شَيْئَا من َجْريد التَوْحجِيد 
وتَْقِيق إخلاص الدّين كُله؛ يحَيْتُ لا يكون العَبْدُ مُلتفنًا إلى غير الله ولا 
نَاظرًا إل ما سواة؛ لا حب ل ولا خوقًا مِنْهُ ولا رَجَاء له بل يكون القلب 
ارا من المَخْلُوقات» حَاليا مِنْها لا ينظر ليما إلا بنور الله قالح يسم 
وبالحق يبصرٌء وبال حق يبطشء وبالحق مشي فيحب مِنْمًا ما بحب الله 
ويُبغض مِنّْهَا ما يبغضه اللّهء ويوالي مِنْهَا ما والّاهُ الله ويُعادي مِنْهَا مَاعَادَاه 
الله ويخّاف اللّه فِيهًاء ولا يخافها في الله ويرجو الله فِيًاء ولا يرجوها في الله 
قَهَدَا هو القلب السَّلِيم الحنيف المُوَحّد المُسلم المُؤمن المُحَقق العَارف 
بمَعْرِفّة الأَْبيَاء والمُرْسِلِينَ وبحقيقهم وتوحيدهم. 

َهَدَا الع اللايث- الي هُو الفناء في الوُجُود- هُو تَحْقِيق آل فِرْعَؤْن 
ومّعرفتهم وتوحيدهم؛ كالقَرَامطة(1) وأمثاهم. 

وأما الع الذي عليه أَنْبَاع الأَنبيَاء قَهُو الفناء المَحْمُود؛ الذي يكون 
صَاحبه په مِمّن أثنى اللّه عَلَيْهم من أوليائه المُتَقَينَ» وجزبه المُفلحين وجنده 
الغالبين. 

ولَيْس مُرَاد المَمَايحْ والصَّاطِِينَ بهذا القَوْل: أن الَذِي أرَاهُ بعيني من 
الَخْلُوقّات هُو رب الْأَرْض والسّمَاوات» فَإِن هَدَا لا يَمُوله إِلَا مَن هُوفي غَايَة 
9 القرافظة: حركة باطنية عدّامة نتسب إل شخص اسمه داق ين الأفعكة وثلئّب بقرمط؛ 
لقصر قامته وساقيه؛ وهو من خوزستان في الأهوازء ثم رحل إلى الكوفة. وقد اعتمدت هذه الحركة 


العنظيم السري العسكريء وكان ظاهرها التشيع لآل البيت والانتساب إلى محمد بن إسماعيل بن 
جعفر الصادق» وحقيقتها: الإلحاد والإباحية وهدم الأخلاق والقضاء على الدولة الإسلامية. 


...| 368 0001 53*57 | شرح رسالة العبودية | 


الضلال والفساد؛ إِمّا فَسَاد العقل؛ وإِمّا فَسَاد الاعَيقّاد؛ فهو مُتَرَدْدُ بين الجُنُون 
والإلحاد). 
ارم 

هؤلاء المُشركون الصّالُون يُسَوُون بين اللّه وبين خَلّْقِهه والخليل إبراهيم 
عليه السلام يقول: [قَالَ قرأ ل * أَنْكم وااو ڪڪ الأَفْدَمُونَ 
* قاد هم عَدُوٌ لي إلا رب الْعاليين) [الشعراء: 77-75[ 

فمن ضلال هؤلاء: ألم يأخذون بعض كلام من يُسمونهم بالعارفينء 
دجون ف اموا تخالف كلام المرسلين» بل تخالف فطر الاس أجمعين؛ 
ولهذا فعلوا كما فعلت النصارى عندما استخرجوا من كلام الجواريين ما 
يظنون أنه يدعم مذهبهم في أن الأب والابن وروح القدس إله واحدء وهو 
مذهب العثليث. 

فيوجد في الصوفية مَّن يكون عنده شيء من الشرك الأصغرء ويوجد منهم 
من يكون عنده من الشرك الأ كبر مع إقراره بالنبوة وبالإههية لله عز وجل في 
الجملة» ويوجد منهم من هو أشد من ذلك» وما أعلاهم زندقة فهم القائلون 
بالحلول وأصحاب وحدة الوجود. 

ولقد كثرت الضطلحات عبد المماكرية كثرة كبيرة وأغلبها اراد نها 
أصحابها التلبس بالحق للوصول إلى الباطل؛ تحقيقًا لأهوائهم المريضة» وعقوطم 
السقيمة» وأكثر من جاء بهذه الملصطلحات هم أهل البدع المحدثة» الذين 
أرادوا العلبيس على أهل المنهج الحق» ومن هذه المصطلحات مصطلح (الفناء)» 


وقد بَيّن شيخ الإسلام هنا هذا المصطلح؛ وحقيقته وأقسامه» وما يجوز منه وما 
ا 

والفناء: اصطلاح صوفي» وهو متعلق بالتعبد ونتيجته عند الصوفية» 
ونتيجة التعبد عندما يشتغل به الإنسان- حسب فهمهم وطريقتهم- أن يصل 
الكل ا ا 

والمقصود بالفناء: العَيْبَةء أي: أن يَغيب عقل الإنسان الخارجي وحِسّه 
الظاهري الذي يستشعر به من حوله» فلا تكون عنده قدرة على استشعار ما 
حوله من الأشخاص والأماكن والأحوال التي حوله. 

فا أيه الضوفية فن اکونا لاان سيكو له أن يتترك الشريعة اود 
الحقيقة» أو يترك الأحكام» أو تلغى ظواهر النصوص الشرعية من أجل الحقيقة- 
فاسد وباطل» وهذا يُشبه قول الباطنية: بأن النصوص لما ظاهر وباطن» ثم 
يفسرون الباطن بالطريقة التي يرونها. 

وليس الفناء كله مذموم» وإن كان الاصطلاح أصلًا اصطلاحًا صوفيً 
ولڪن کون الإذسان يغيب عمن حوله هذا في حد ذاته ليس مذمومًا؛ لأنه قد 
يستغرق الإنسان في التعبد إلى درجة أنَّه لا يشعر بمن حوله» وهذا الاستغراق في 
التعبد وفق ما أمر الله سبحانه وتعالى به وع طريقة الي بل في العبادة ليس 
فيه إشكال» كما يروى عن بعض الصالحين: أنه كان يصل في المسجد وسقط 
الجدار فيه» وقّزع أهل السوق لصوت سقوط الجدارء وهو قائم يصلي في المسجد 
لم يّنتبه لذلك من خشوعه في صلاته. 


...| 370 53*55 | شرح رسالة العبودية | 
ولكن الطامة أن يعَّف الفناء بأنه: اختفاء عن الأمور الظاهرية؛ 
لاندساجه اء وان هذه هي ف ا رهھ كبا يفول دعا وة اجره 


25 


قال المصنف رحمه اللّه: «وكل المَشَايخْ دين يُفتَدى بهم في الاين مُتّفنقون 
رتح يست ديا TEE‏ تباي 
للمخلوقات» ولیس في مخلوقاته شَيْء من ڏاته ولا ني ڏاته شَيْء من مخلوقاته. 
وله يجب إِفرَاد اقيم عن الحَادث» وتمييز ا الق عَن المَخْلُوق» وهَدًا في 
كلامهم أكثر من أن يُمكن ذكره هُنا. 

وهم قد تكلمُوا على ما يَعرض للقلوب من الْأَمْرَاض والشّبهات» فَإنَّ بعض 
الاس قد يَشهد وجود المَخُنُوقَات؛ٍ فيظنه حَالق اش الا اک لعدم 
انيب والفرقان ف قلبه- بز من رأى شاع انس قطن أن كلك شو 
لتقي الى ف اللا 

وهم قد يَتَكَلَمُونَ في الفرق والمجمع؛ ويدخل في ذلك من العبارّات 
المُخْتَلقَة نَظِير ما دخل في الفناء. 

إن العَبّد إذا شهد التَفْرِقَة والكثرّة في المَخُلُوقَات- يِبُقى قلبّه مُتَعَلمّا بَا 
مشتنًا نَاظرًا إلَيهاء وتعلقه بهَا؛ إِمَّا محبّة» وإمّا خوقًاء وإمّا رَجَاء فَإذا انتتقل إل 
الجمع اجْتمع قلبه عل تَوْحِيد الله وعبادته وحده لا شريك له قالتفت قلبه إل 
الله بعد التفاته إلى المخلوقين؛ فصارّت محبته إلى ربه» وخوفه من ربه» ورجاؤه 
َيه واستعانته بربه» وهو في هذا الخال قد لا يسع قلبه التظر إلى المَخْلُوق؛ 
ليفرق بين الاق والمخلوق» فقد يكون مجتمعًا على الحقٌّ مُعرضًا عَن الخلق 
نظرًا وقصدّاء وهو تَظِير التّوع الثاني من الفناء. 

ون بعد ذلك الفرق النَانيه وهو أن يشُهد أن المَخْنُومَات قَائِمَة بالل 
مدبرة بأمر» ويشهد كثرتها مَعْدُومَة بوحدانية الله سَُبْحَانَةُ وتَعَالَء وأنه 


.) 372 ل e‏ شرح رسالة العبودية ) 
نَهُ رب المصنوعات وإلها وخالقها ومالكها؛ قيكون- مَعَ اجتِمَاعَ قلبه 

ا e‏ الاة فيه 
ومعاداة فيه وأمثال ذَلِك- تَاظرًا إلى الفرق بين الاق والمخلوق مُمَيرَ بين هَذَا 
ودا هد ترق اقات وكفْرتَاه مع قَهَادنه 
بعل باقر كاه آله إل هو. 

وهَدًا هُوالشّهُود الصَّحِيح المُسْتَقيم ودَّلِكَ واجب في عِلم القلب وشهادته 
وذکره ومعرفته» وفي حال القلب وعبادته وقصده وإرادته ومحبته وموالاته 
وطاعته. 

وَذَلِكَ تَحقيق سَهَادَة أن ا إل ِل ل الله؛ فَإِنَهَا تفي عَن قلبه ألوهية ما سوى 
الحق» وتٌئبت في قلبه ألوهية الحق. 

قيكون نافيا لألوهية كلّ شَيْء من المَخْلُوقَات مثبنًا لألوهية رب العَالمين 
ورب الْأَرْض والسَمَاوات» كك ِتَصَمّن اجتِمَاع القدب على الله وعَلى مُقَارقَة 
ما سواة؛ قيكون مفرقًا في علمه وقصده في شَهَادّته وإرادته» في مَعْرفّته ومحبته: 
ين الاق والمخلوق؛ بحَيثُ يكون عَالمّا باللّهِ تَعَالَ ذَاكِرَا له عَارِفًا بِه. وهُو 
م ذَلِك عَالم بمباينته لخلقه وانفراده عَنْهُم وتوحده دونهم؛ ويكون محبًا لله 
مُعظمًا ا غابد له راجا له خَائنًا نة با فيه مواكا فيه معادكا فيه متا 
به متوكلا عَلَيه مُمْتَنعًا عن عبَادّة غيره والتوكل عَلَيْ والاستعانة به والحوف 
مِنة والصائ ا له والموالاة فيه والمعاداة فيه ۾ والطّاعة آي وأمشان ذلك مما هو 
من خَصَائْص إِطيّة الله سْبْحَانَهُ وتعَالَ). 

ع 


أجمع أهل السنة والجماعة واتفق سلف الأمة وأئمتهاء ولا خلاف بين 
الأمم: أن الله- جل وعلا- بائن من خلقه سُبْحَائَهُ وَتعَالَ ليس فيه شيء من 
خلقه» ولا في خلقه شيء منه» إلا مَّن انحرف عن سبيل الأنبياء والمرسلين من 
النصارى ومّن شابههم من أهل الحلول والاتحاد الذين جعلوا الله -جل وعلا- 
يحل في المخلوقات» أو تحل فيه بعض المخلوقات. 

وهؤلاء المشايخ قد تكلموا على ما يتعرض للقلوب من الأمراض 
والشبهات» فإن بعض الناس قد يشهد وجود المخلوقات» فيظنه خالق الأرض 
والسماوات؛ لعدم العمييز والفرقان في قلبه» بمنزلة من رأى شعاع الشمس 
فظن أن ذلك هو الشمس التي في السماء» فيشتبه على هؤلاء هذا الكلام» وهم 
في أصل قوم أهل فسادء وإلا لما اشتبه عليهم هذا الاشتباه الذي لا يقوله أحدء 
ولا يقره عقل» ولا يعتقده قلب سليم» ولا يؤمن به من شم رانحة العلم 


الصحيح القائم على الكتاب والسنة» لكن فلا رَاغُوا أَرَاعٌ الله كُلُويَهُمْ) 


E 
وقول المصنف: «فإذا انتقل إلى الجمع اجتمع قلبه غل توحيد الله وغبادتة‎ 

وحده لا شريك له» فالعفت قلبه إلى الله بعد العفاته إلى المخلوقين»»المراد 
بالجمع هنا: أن يجمع قلبه على أن الخير كله في يد الله عز وجل وأنه ما من 
فَضل ولا بر ولا إحسان ولا نعمة ولا رحمة تصل إليه إلا من قِبّل الله سبحانه 
وتعالى» ويّغيب بهذا عن الأسباب التي قدّرها الله- جل وعلا- توصل إلى 
المقصود ويحصل بها هذه المقدرات» فيلغي النظر إلى الأسباب» ويجمع نظره فيما 
عند الله جل جلاله» وهذا كما قال المصنف: «نظير النوع الغاني من الفناء)؛ 


) رسالة العبودبة‎ 5 Lease eR 374 [- 

الذي هو نوع نقص. والكمال: أن يعتقد العبد أنه لا مانع لما أعطى ولا مُعطي 
لما منع» وأن الخير كله في يديه» وأنه جل وعلا قد قدَّر الأشياء بأسبابهاء فلا بد 
من أخذ الأسباب في تحصيل المطالب والمقدّرات. 

ولكن بعد ذلك الفرق الخاني: يشهد تفرق المخلوقات وكثرتهاء مع شهادته 
أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه؛ وأنه هو الله لا إله إلا هى وهذا هو 
الشهود الصحيح المستقيم» وذلك واجب في علم القلب وشهادته وذكره 
ومعرفته» وني حال القلب وعبادته وقصده وإرادته ومحبته وموالاته وطاعته. 

وذلك تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله» فإنها تنفي عن قلبه ألوهية ما سوى 
الحق وتثبت في قلبه ألوهية الحق» فيكون نافيا لألوهية كل شيء من المخلوقات» 
ومثبنًا لألوهية رب العالمين رب الأرض والسماوات. 

وذلك يتضمن اجتماع القلب عل الله وعلى مفارقة ما سواه فيكون 
مفرَّقًا- في علمه وقصده في شهادته وإرادته» في معرفته ومحبته- بين الخالق 
والمخلوق» بحيث يكون عالمًا باللّه تعالى ذاكرًا له عارقًا به» وهو مع ذلك عالم 
بمباينته لخلقه وانفراده عنهم؛ وتوحده دونهم؛ ويكون با لله معظمًا له 
ف 

وفي هذا رد على المبتدعة من الصوفية الذين جعلوا الغاية والمنتهى: تحقيق 
توحيد الربوبية» وذلك بأن يشهد العبد أن الله هو الخالق وأنه هو الصانع » 
وهذا النوع من التوحيد لم ينكره مشركو العرب؛ قال الله تعالى: (وَكَئِنْ أله 
من كلق السمارات واا رض وسر اهمس وَالْمَمَرَ لبَقُوأُنَ اللك ان يؤفكون * 
الله يَبْسُظ الق لمن يَسَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَفْدِرُْلَهُ إِنَّ الله بجحل شَيْءِ عَلِيهُ * 


وَين سَألْعهُمْ من رل مِنَ السّمَاءِ مَاءَ ياه اأص مِنْ بَعْدٍ مته ا مولن 
الله 0 الفكة لله بَلْ ا رُم لا ل کی ا 

واللشيقة أده لا تاوجف ا ا 
فالإيمان بأنه لا إله إلا الله- يتضمن الإيمان بأنه- سبحانه وتعالى- خالق كل 
شيء» والإيمان بريوبيته يقتضي توحيد العبادة» فمنتهى الأمر هو تحقيق العبادة 
غر وجل كما قال الله جل رعا هنا آم إلا و ا خرصي 11 
الذيق) ا 


00 


uae Sê ea Sanaa aa 376 |...‏ | شرح رسالة العبودية 


قال المصنف رحمه الله: «وإقرَاره بألوهيّة الله تَعَال دون مَا سواة- يتضَمّن 
إِقراره بربوبيته؛ وهو أله رب كل شَيْء ومليكه وخالقه ومدبره فَحِيدَئِذٍ يكون 
فوا للد 

ويّبين ذلك أَنَّ أفضل الذّكر: (لَا له إلا الله)» كُمَا رَواهُ التَرْمِذِيُ وان أ 


2 


1 


ع 


الدُنْيَا وعَيرهمًا مَرْفُوعا إلى الي يك أنه قَالَ: «أفضل الذّكر: لا لله الله 
وأفضل الدّعَاء: الحمد اللّه)(1). وفي «المُوطاً وغيره عن طلحَة بن عبيد | ا بن 
كريزأَنَ التي 4 قَالَ: "أفضلٌ مَا قلت أنا والّبيبون من قبي :لا إله إلا الله 
زحد فريك لَه لَهُ المُلْكُ وله المد وهُو على كل تََيْء قدير)(2). 

وين وهم أن هذا كر الحا ران ذكر ا اة هرال التقره وذكر 
خاصَّة الخّاصّة: هُو الاسم المُضمرء فهم ضَالُون غالطون: واحتجاج بَعضهم غل 
ذلك بقوله: (قل الله ثم ذرهم في خوضهم يَلعَبُونَ) [الأَنْعَام: 91] مِن أبين غلط 
َؤْلَاِ؛ قن الاسم [لله] مَذّْكُور في الأمريجَواب الاسْتِفْهَام في الآيَة قبله» وهُو 
قَوْله: (قل فين ازل الكتاب الَنِي جَاءَ به ۾ مُوسَى نورًا ری لين تجعلونه 
قَرَاطِيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلّمتم ما لم تعلمُوا انتم ولا آباؤكم قل الله) 
أخرجه الترمذي (3383)» وقال: لحسن غريب» وابن أبي الدنيا في «الشكر؛ (ص 37)» 
والنسائي في «الكبرى» (10599): وابن حبان في اصحيحه) (846) من حديث جابر بن عبد 


ا 


الله ك وحسنه الألباني في اصحيح الترمذي» (2694). 


أخرجه مالك في «الموطأ» (32)» والترمذي (3585)» من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله 


عنهماء» وصححه الألباني في اصحیح الترمذي» (2837). 


| لشيخ الإسلام ابن تہ 1 7 أ امس و موه esa aaa‏ 77 


[الأَنعَام: 91[ أَي: الله هُوَالَّذِي أنزل الكتاب الَذِي جَاءَ به موس فالاسم [الله] 
مُبْتَدا وخَبره قد دلَّ عَلَيْهِ الاسْتفْهَام كما في نَطَائِر ذَيِك؛ تقول: من جَجاره؟ 
وأمّا الاسم المُفْرد مُظْهِرًا أو مُضمرًاء فَلَيْسَ بكَلام تَامَّ ولا جملّة مفيدة 
ولا يتَعَلّق يه مان ولا ڪفر ولا أمر ولا نهي. 
ولم يذكر ذلك أحدٌ مِن سلف الأمةء ولا شرع ذَلِك رَسُولُ الله ك ولا 
يُعْطي القلبَ بِنَفسِهِ معرفّة مفيدة ولا حَالَا نَافِمَاه وِنَمَايُعْطِيِهِ تصورًا 


:0ه 


و 


مُطلقًاء ولا يحكم عَلَيّهِ تفي ولا إِنْبّاته فَإِن لم يقترن به من معرقة القلب 
وحاله ما يُفِيد بتَفِهء وإِلّا لم يكن فيه فَائْدَة والشربيعة إِنَّمَا تشرع من 
الأَذْكارمَا يُفِيد بِتَفسِيء لا مَا تكون الفَائْدَة حَاصِلَة بير 

وقد وقع بعض مّن واظب عل هذا الذّكرفي فنون من الإلحادء وأنواع من 
الاتحَادء كُمَا قد بسط في غير هذا المَوُضُوع. 

وما يذكر عن بعض الشّيُوخ فين اله قَالّ: «أحَاف أن أَمُوت اق التي 
والإنْبَات» حَال لا يُقْتَدى فِيهًا بصاحبها؛ فَإن في ذلك من القَلّط مَالَا خَمَاء 
به ذو مات العَبّد في هَذه الخال لم يمت إلا على ما قصده ونوا إِذْ الأَعْمَال 
باليّاتِ وقد تبت أن الي 4 أمر بتلقين المَيّت: الا إِله إل الله(1)» وقَالَ: 


16 


أخرج مسلم (916) عن أبي سعيد الخدريء قال: قال رسول الله كله: «لَقَنُوا موتاكهم: لا إله 


إلا اللّه). 


.ل 378 ظج ب“ e‏ | شرح رسالة العبودية | 
من کان آخر كلامه: لا لله إا الله دخل الجتّة)(1) ولو گن ما ذكره محذورًا لم 
يُلقن الميِّت كلمة ياف أن يَمُوت في أَنْنائِهَا مون غير تَحْمُوده بل گان يُلقن مَا 
اخْتَارَهُ مِن ذكر الاسم المُفرد. 

والذّكر الاسم المُضمر المُفْرد أبعد عَن السّنّه وأذخل في البدعَةء وأقرب 
إِلَ ضلال الشََيطان؛ قن مَن قَالَ: يَا هُو يا هو أو: هُوهُو وتخو ڏلك لم يڪن 
الضَّمِير عَائِدً إلا إل مَا يُصوره قلبهء والقلب قد يَهَْدِي وقد يَضل. 

وقد صَئَّف صَاحب «الفصوص» كتابا سَمَاهُ كتاب «الهوا» وزعم بَعضّهم أَنَّ 
قله (ومَا يعلم تأويله إل الله) [آل عمران: 7] مَعْنَاُ وما يعلم تأويل هذا الاسم 
لي هُو الهُو وإن كن هَذَا مِمّا افق المُسلمُونَ- بل العُمَلاء- على أنه من أبين 
البَاطِل؛ فقد يظنٌ ذلك مَن يَطْنهُ ِن هَؤْلَاءءِ حَقّ قلت مرّة تعض من قَالَ 
شَيْنَا من ذَلِك: لو ن هَدًا ما قله لكتبت الآيّة: وما يعلم تأويل (هُو) 


8 


ت 


ثم كثيرًا مَا يذكر بعض الشَيُوخ أنه تج على قول القَائل: (اللّه) بقوله: (قل 
الله ثم ذرهم] [الأنْعام: 1 ويظن أن الله ارا بأن ال الاسم المُفردء 
وهَدَّا غلط باتقًاق أهل العلم؛ قَإن قَؤله: (قل اللّه) مَعْنَاه: اللّهُ الذي أنزل 
الكتاب الَذِي جَاءَ په مُوسَىء وهُو جَّواب لقَوله: (قل من أنزل الكتاب الَذِي جَاءَ 
په مُوسَى نورًا وهدى للنّاس تجعلونه قَرَاطِيس تبدونها وتخفون كثيرًا وعلمتم 


'' أخرجه أبو داود (3116)» والحاكم في ١المستدرك)‏ (1/ 351)» وقال: اصحيح الإسناد» 
وصححه الألباني في «أحكام الجنائزا مسألة رقم (25). 


[لشيغ الإسلام ابن ية ) E ooo‏ 
مالم تعلموا نتم و أباؤكم قل الله [الأنعام:91]» أَي: الله ِي أنزل الكتابَ 
لي جَاءَ په مُوسَى رد بذلك قول من قَالَ: (مَا أنزل الله على بشر من شَّيء» 
َمَالَ: من أنزل الكتاب الَذِي جَاءَ په مُوسَى) ثمَّ قَالَ: (قل الله) أنزله ثمَّ در 
هَؤُلَاءِ المكذبين في خوضهم يَلعَبُونَ) [الأنعام: 91]. 

ومِما يُبين ما تقدم: ما ذكره سِيبّويْهِ ويره من أب النَحُو: أن العَرَب 
يحكون بالقؤل ما گان كلاماء لا يحكون بد ما گان قولًا. فَالقَول لا يخى ہے إل 
كلام تام أو جملّة اسميةء أو جملّة فعليةء ولِهّدّا بكسرون (إن) إذا جَاءَت بعد 
قزل قالقؤل لا کی و اس والله تال جامر أعنا باكر اشم شرف ل 
شرع للمسلمين. 

والاسم المُجَرّدِ لا يُفيد شَيْئّا مِن الإيمّان بِاتّمَاق أهل الإْسْلام ولا يُومر به 
في شََيْء من العِبَادات» ولا في شَيْء من المُخاطبات. 

ونير من اقتصر عل الاسْم المُفْرد مَا يُذكر: أن بعص الأَعْرَابِ مَرَّ بمؤذن 
يَقُول: (أشهدٌ أن تُحَمَدَا رسولّ الله) بالتصب! فَمَالَ: مَاذًا يَقُول هَذَا؟ هَذا الاسم 
َأَيْنَ ا حبر عَنهُ الَذِي يتم به الكلام؟ 

وما في الهُرآن من قَوْله: (واذْكُر اسم رَبك وتبتل إِلَيْهِ تبتسيلًا) [المزمل: 8 
وقوله: (سبح اسْم رَبك الأَعْلَ) [الأغل: 1 وقّوله: (قد افلح من تز * وذكر 
اسم ربه فصى) [لأَعْلَ: 4 15]» وقوله: (فسبح باسم رَبك العَظيم) [الواقعة: 74) 
وتخو ذلك لا يقتضى ذكره مُفردًا. 

بل في" السّئّن) أنه لما نزل قَوْله: (فسبح باسم رَبك العَظيم) قَالَ: «اجْعَلُومَا 
في ركوعكم»» ولا نزل فول (سبح اسْم رَبك الأَعْلَ) قَالَ: «اجْعَلُومَا في 


uaa 000 00 380‏ | شرح رسالة العبودية 


و ه سر 


e‏ . فشرع لهم أن ولوا في ار كُوع: (سبْحَانَ رَيْ العَظيم)» وفي 
السجُود: (سَبْحَانَ ري الأغلّ). وفي «الصحيح» اة كآق ولق كع 
'سُبْحَانَ ري العَظيم» وفي سُجُوده: اسبْحَانَ ري الأَعْلّ)(2): ودا هُو معنى 
قوله: «اجِعَلُوهَا في ركوعكم وسجودكثم' بِاتّمَاق المُسلمين. 

فتسبيح اسم ربّه الأَْلَ وذكر اسم ربه وتخو ذلك هُو بالكلام الام المُفِي 
ماني «الصحيح) عَنهُ ب4 أنه قالّ: «أفضل الكلام بعد المَرّآن اربع وهن من 
الفُرآن: سُبْحَان الله والح د للهء ولا لله إل الله والله أك بر»(3). وفي 
«الصحيح) غت كل أنه قَالَّ: «کلمتان خفيفتان عل الان تقيلتان في الميرّان» 
حَبيبتان إلى البّعْمّن: سُبْحَانَ الله ويحَمدِهِ سُبْحَانَ الله الَظيم)(4). 

وفي «الصَّحِيحَيْنَا ع يله أنه قَالّ: من قال ف يؤمه مائّة مرّة: :لا لله إل 
الله وحده ل شريك لَه لَه املك وله الحمد» وهُو على كل شَّيْء قدير» گتب الله 
له زرا ِن الشّيْطان يَؤْمه ذلك حَٿ يُسِيِيء ولم يأِ أحدٌ بأَفْضَل مِمّا جَاءَ به 


أخرجه الداري (1344) وأبو داود (869) من حديث عقبة بن عامر َء وحسنه الألباني في 
«المشكاة» (879). 

8 خرجه مسلم (772) من حديث حذيفة ذَلنَهُ. 

أخرجه مسلم (2137) عن سمرة بن جندب د قال: قال رسول الله ل اأحبٌ الكلام إلى 
الله أربع: سبحان اللّهء والحمد للّه» ولا إله إلا الله» واللّه أكبر. لا يَضصُدُك بأيّهن بدأت». 


أخرجه البخاري (6406)» ومسلم (2694) من حديث أي هريرة ذَلِقتَهُ. 


إلا رجل قال مثل ما قَالَّ أو راد عَلَيْهِ)(1). ومن قَالَ في يَؤْمه مانّة مرّة: 
سُْبْحَانَ الله ويحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللّه الَظيم» حصت عَنهُ خطاياه ولو كانت يشل 
زبد البَحر)(2). وفي «المُوطَأً) وغيره عن التّي أنه قَالَ: «أفضل كافك انا 
والتّبيون مِن قبى: لا إِله إلا الله مدن شك ایك ;ات قو 
على كل شَيْء قديرا(3)» وفي سنن ابْن مَاجّها وغَيره عَنهُ ي أنه قَالَ: لأفضل 
الذّكر: لا إِلَه إلا اللهء وأفضل الدّعَاء: الحمد للّه)(4). 

ومثل هَذِه الأَحَادِيث كَثِيرَة في أنُواع مَا يُقَال من الذّكر والدّعَاء. 

وكَدَلِكَ مَا في القُرْآن من قَوْله تَعَالَ ايتاك اکر م 
عليه [الأْعام: 121 وقوله: (فَكلُوا مما أمسكن عَلَيْكُم واذْكُرُوا اسم الله 
عَلَيْهِ [المائه: 4]: إِنَمَا هُو قول: سم الله. وهَذِه جملة تَامَّة؛ إِمّا اسمية» على أظهر 
قولي اة ,قةر ذبعي يسم الله أو أذيح يسم الله. . وكَدَلِكَ قول 
القَارئ: (يسم الله تتن اجا دوه ان نسم اللف أو ثرا ا اه 
ومن النّاس من يُضمر في مثل هَدًا: ابندائي يسم اللهء أو ابتدأت يسم الله 
ازن الس او بال که رن جاسم الله نشي کک اکاک تافر 
المُضمر في قَوْله: (اْرَأ باسم رَبك الَذِي خلق) [العلق]» وفي قوله: (يسم الله 


7(" أخرجه البخاري (3293) ومسلم (2691) من حديث أي هريرة َه 


7 أخرجه البخاري (6405) ومسلم (2691) من حديث أي هريرة فَللكه. 


8 تقدم تخريجه قريبًا. 


8 تقدم تخريجه قريبًا. 


ea 382 |...‏ وي لع ولاو أ ا ا ع ا ا ا تا | شرح رسالة العبودية 


مجريها ورد [هود: 41 وفي قول الي يله: «مَن كان ابجع قبل الصَّلَاة 
فليذبح مَكَانهًا اف ومن لم يكن ذبح فليذبح يلسم اللّه)(1). .ومن هَذَا 
الجاب: قول التي 4 في الحديث الصجيح لربيبه؛ عمر بن ای سَلمَّة: اغلام 
سَمٌ اللّهء ول بيمينك» وَل مِمّا يليك'(2) فَالمُرَاد أن يَمُول: باسم اللّهء لَيْسَ 
التراد أن يّذكر الاسم مُجردًا. وكَدَلِكَ قَوله في الحتديث الصَّحِيح لعدي بن حَاتِم: 
«إذا أزسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فَكْلُ)(3). وكَذَلِكَ قله بله: «إذا دخل 
الرجل منزله فَذكر اسْمَ الله عند دُخُوله وعند خُرُوجِه وعند طَعَامهء قَالَ 
الشّيّطان: لا مَبيت لكم ولا عشّاءا(4)» وأمثال َلك كثير. 

وَكَدَلِكَ مَا شرع للمُسلمين في صلاتِهم وأذانهم وحَجّهم وأعيادهم من ذكر 


له تَعَالَ إِنَّمَا هُو بِالجْمْلَةِ التَامّة كَقَوْل المُوَذن: (الله أكبرء الله أكبر» أشهد 
0 الله شود أن و ا (اللم أكون 


ال 
سَبْحَانَ رن العظيم؛ اسان ى الال ا الله ن دة 8 ولك ا 
السات لله ] لله)؛ وقول المُلَئي: (لبَيِك هد لِيَيْك)» وأمثال ذَِك). 


8 أخرجه البخاري (985) ومسلم (1960) من حديث جندب بن سفيان . 
9" أخرجه مسلم (2022) من حديث عمر بن سلمة ك. 
ا أخرجه البخاري (5483) ومسلم (1929) من حديث عدي بن حاتم ذَلِيكَه. 


Fos 


أخرجه مسلم (2018) من حديث جابر بن عبد الله 5 


العلاقة بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية: علاقة تلازم؛ فتوحيد 
الربوبية يستلزم توحيد الألوهية» والألوهية تتضمن توحيد الربوبية» فكل من 
ود الله في ميته فإن هذا يتضمن توحيده لله عز وجل في كونه رب كل شي 
ونه عز وجل خالق كل شيء» ومدبر كل شيء؛ لأنه لا يمكن أن يعبد الله عر 
وجل دون أن يعتقد مثل هذا الاعتقادء ومن اعتقد بالربوبية فإنه يلزمه أن 
يعتقد بالألوهية ويعمل بمقتضاها. 

وكلمة العوحيد (لا إله إلا اللّه) كلمة ها تأثير عجيب إذا استحضر الإنسان 
معناها وصدق في طلب فضلها فإنه لا يَعدطا شيء؛ لأنها تتضمن إثبات منتهى 
الكمال وغايته لله جل وعلاء ففيها من الخير والفضل ما لا يَعدله شيء» ولذلك 
كانت أفضل الذّكر كما قال النبي كلِ: «أفضل الذكر لا إله إلا اللّها. 

يقول المباركفوري رخيه اللّدة الآنها كلية التوحيةه والتويعيد لا ناله 
شيءء وهي الفارقة بين الكفر والإيمان» ولأنها أجمع للقلب مع اللّهء وأنفى 
للغير» وأشد تزكية للنفس» وتصفية للباطن؛ وتنقية للخاطر من خبث النفس»؛ 
وأطرد للشيطان»). 

ولذلك فالفائزمّن يكثر من هذه الكلمة في كل زمان ومكانء ولا يفتر 
لسانه عن اللهج بهاء واستحضار معانيهاء وتذكر مقاصدها. 

ومن زعم أن هذا ذكر العامة» وأن ذكر الخاصة هو الاسم المفرد» وذكر 
عا انقاصة هو الاين لبر ف هارن غالطرق:قد أدوا مزق هال جك 


'' «تحفة الأحوذي) (325/9). 


ait 70000000000 384 |...‏ | شرح رسالة العبودية | 
يستدلون بقوله: :قل الله على أنَّ الأفضل في الذّكر الاسم المجرد» وأنه أفضل 
كان من البدع ذكر الله بالاسم المفرد» وأشد منه الذكر بالضمير: (هو). 

والاسم المفرد المظهر أو المضمر ليس بكلام تام» ولا جملة مفيدة ولا 
يتعلق به إيمان ولا كفرء ولا يثبت به إيمان ولا يثبت به كفر ولا أمر ولا 
نهي» بخلاف (لا إله إلا الله)» فإِنَّ الله عَلّقَ عليها أحكامًا شرعية. 

ثم ذكر المصنف قاعدة مهمة في الأذكار الشرعية وهي: أن الشريعة إنما 
تشرع من الأذكار ما يُفيد بنفسه معنى يحصل به زكاء القلب» ويحصل به زيادة 
الإيمان» ويحصل به معنى مفيد» بذات اللفظ لا بأمر خارج. 

وأما هؤلاء الذين يزعمون أنهم يحدون سعادة وانشرياحًا حينما يقولون: 
(اللّهء اللّهء الله...). أو (هو هو هو...)» فهذا ليس من اللفظ نفسه وإنّماتما 
يقارن هذا اللفظ من العصورات التي في أذهانهم» لكن نفس اللفظ لا يحصل 

وقد وقع بعض من واظب على هذا الذكرفي فنون من الإلحاد وأنواع من 
الاتحادء وهذه نتيجة حتمية للبدع واتباع الأهواء وسلوك سبيل غير ما أنزل 


01 


الله. 


DCS 


38S fesa aaa aa 7 1 لشيخ الإسلام ابن تہ‎ | 


قال المصنف رحمه اللّه: «فَجَمِيع ما شّرعه الله من الذَّكر إِنَمَا هُوكلامٌ تام 
لا اسم مُفْرد؛ لا مظهر ولا مُضْمر. 

وهَذدًا هُوالَئِي تس فى اللّمَة: (كلمة) كَقَوْلِه: كلمتان خفيفتان على 
اللّسَانَ ثقيلتان في الميان» حبيبتان إلى البَثْمّن: سبْحَانَ الله َيه سبْحَانَ 
الله العظيم»(1)» وقوله: لأفضل كلمة قَالَهًا الشَّاعِ ركلمة لبيد: أل كل شَيْء ما 
خلا الله بَاطِل)(2). ومِنْه قَوله َعَالَ: (كبرت كلمة تخرج من أَفواههم) الآيَة 
[الكؤف: 5ه وقولهة [وتيت كلبة ريك صدقًا وعدلًا) الأَنْعَام: 115]. 

وأمثال ذَلِك مِمّا اسْتُعُمل فيه لفظ: (الكَلِمّة) من الكتاب والسّئَّة- بل 
وسَائْر كلام العَرّب- َنَم يراد به الْجُمَلّة التَامَّةء كما كانُوا يستعملون الَف 
في الاسم؛ فَيَقُولُونَ: هََا حرف غَرِيب أي: لفظ الاسم غَرِيب. 

وقسّم سِيبّويْه الكلام إِلَ: (اسم؛ وفعل» وحرف جاءَلِمَعْنى لََيْسَ باسم ولا 
فعل)(3)» وکل من هذه الأَقْسَامِ يُسى حرقًاء ڪن خَاصّة اللَايِث: أنه حرف 
جَاءَ لِمَعْنى لَيْسَ باسم ولا فعل. 

وب شرق اا س انه رهن امان 

ولّفظ الحَزْف يتَتاول هذه الأَسْمّاء وهه كنا فال التي :من ف 
القُرْآن فأعربه(1)؛ فَلهُ بكُل حرف عشر حَسَتَاتء أما إن افو ل (ألم) 


'' أخرجه البخاري (6406)» ومسلم (2694) من حديث أي هريرة د وقد تقدم. 
1 ا ره البخاري (3841) ومسلم (2256) من حديث أي هريرة ذَلَهُ. 
9 والكدابي) لسييوية (12/1): 


aer SÊ ean a 386 |...‏ | شرح رسالة العبودية | 
حرف» ولڪن ألف حرف ولام حرف» وميم حرف»(2)» وقد سَألَّ الْمَلِيلُ بن 
أخمد أَصْحَابّهِ عَن التُظق يحرف الرّاي مِن زيد؟ فَقَالُوا: (راي). فَمَالَ: جِنْكُمْ 
بالاسمء وإِنَّمَا الخؤف: (ر). 

ثم إن التّحَاة اصْطَلحُوا على أن هَذًا المُسَنَّى في اللقة بالحرفه يُسى: كلمة 
وأن لفظ الحَرف يخص لا جَاءً لمَعنى ليس باسم ولا فعل» كحروف الجر 
ر 
وأمًاألمَاظ حُرُوف المجاء فيعبر لَارَة بالحرف عَن نفس ا حرف من اللَفْظ 
وتارّة باسم ذلك الْحَرْفء ولما غلب هَذَا الاضطِلاح صَار يتوه مَن اعتاده أنه 
a E‏ ل 
الف القامة 

والمَفْصود هاه أن المَْرُوع في ذكر الله سُبْحَانَهُ هُو ذكره بجملة تَامّ وهُو 
المُسَتّى بالكلام؛ والواحد مِنْهُ يالكلِمَةء وهُوالَذِي ينفع القُلُوبء ويحصل به 
اواب والأجُر» ويجذب القُلُوب إلى الله ومعرفته ومحبته وخشيته» وغير ديك 
من المطالب العَالِيَة والمقاصد السامية. 


0 «أعربه» أي: أتقن قراءته وجَوّده وحَسَّن صوته به. 

7 أخرجه الطبراني في «الأوسط» (7574)» وقال الهيشي في ١مجمع‏ الزوائدا (7/ 163): «وفيه 
نهشل» وهو متروك. ونهشل: هو ابن سعيد بن وردان الورداني: متروك» وقد كذبه إسحاق بن 
راهويه)» وقال الألباني في «الضعيفة) (2348): (موضوع) . 


وما الافْتِصَار على الاسم المُفْرد مظهرا أو مضمرًا قلا أصل لَه فضلًا عَن أن 
يكون من رم والعارفين. 

بل هُو وسِيلّة ية إلى أنواع من البدع والشّلالات» وذريعة إل تصورا 
وأحوال قايةة من أطوال أهل الاساد وأهل الاتخاد. 

كما قد يُسط الكلام عَلَيّهِ في غير هَذَا الموضع). 

لاوج 

ادف من الذكر: هو تزكية النفس وزيادة الإيمان» وهذا لا يحصل بذكر 
كلمة مفردة» وهذا الرق الشريعية لا بد أن تكون بالكلام الشرعي الذي لا 
يوجد فيه أي شرك. وأن تحكون بكلاتم مفهوم واضح المعنى. وألا يوجد فيها 
شيء من الشركيات. وألا تكون مرتبطة باستغاثات بالجن وبغيرها من أنواه 
السحروالشعوذة 

والكلمة في لغة العرب: تطلق على الجملة المفيدة» وتطلق على الكلام؛ وللهذا 
يقال: ألقى فلان كلمة. وقد تستغرق وقتا طويلاء وتشتمل على كلام كثير 
وعبارات طويلة» ومن ذلك قوله تعالى: يرث گل 0 مِن أَفْوَاحِهمْ إِنْ 
CEE‏ اذ رما زوق كس ةم 
َعَخْلّا) [الأنعام:115]» وقوله عر وجل: (كلَا إِنّهَا كلمَةُ هُوَ قَائلُّهَا) [المؤمنون:100] 
وهي قوله: (َهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوَعَدُونَ) [المؤمنون: 36]» وهي جملة كاملة. 


C 


5 388 31001192 | شرح رسالة العبودية | 


وأمثال ذلك ثما استعمل فيه لفظ (الكلمة) في الكتاب والسنة» بل وساثر 
كلام العرب» فإنما يراد به الجملة التامة» كما كانوا يستعملون الحرف في الاسم؛ 
فيقولون: هذا حرف غريب» أي لفظ الاسم غريب. 

ولهذا يختلط عند كثير من الناس كلمة حرف في لغة العرب» وبين حرف 
في اصطلاح النحويين. 

فالنحاة يقسمون الحروف إلى قسمين: حروف المبافي» وحروف المعاني. 

وشيخ الإسلام رحمه الله يقرر أن االحرف مغل الكلمة» كما أن الكلمة في 
اصطلاح النحويين صارت بمعنى الجزء من الجملة» وهذا ليس مرادًا في كتاب 
الله ولا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم» وإنما هو اصطلاح خاص المهدف 
منه التعليم» وكذلك الحرف معناه العام في اللغة: الاسم؛ ولمهذا الحديث 
المشهور: «لا أقول: [الم) حرف» ولكن ألف حرف» ولام حرف» وميم 
حرف). 

والمقصود هنا أن المشروع في ذكر الله سبحانه» وهو ذكره بجملة تامة» وهو 
المسمى ب (الكلام)» والواحد منه ب(الكلمة)؛ وهو الذي ينفع القلوب» ويحصل 
به الغواب والأجرء والقرب إلى الله ومعرفته» ومحبته وخشيته» وغير ذلك من 
المطالب العالية» والمقاصد السامية. 

وأما الاقتصار على الاسم المفرد مظهراً أو مضمراً فلا أصل له» فضلاً عن أن 
يحون من ذكر الخاصة والعارفين. بل هو وسيلة إلى أنواع من البدع 
والضلالات. 


وكل الأحاديث التي أودها المصنف الكلام فيها مفيد؛ أي: إن الذكر فيها 
ليس ذكرًا باسم مفرد مجرد» بل ذكر بما له فائدة؛ فقول القائل مثلًا: (سبحان 
الله) معناءة أت الله عن كل نص ورعن عائلة الخلوقق: (والفسد ل أى: 
وأثبت له كل كمال يليق بذاته من الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال 
الجليلة. (ولا إله إلا الله): فيها إثبات الإهية لله وحده ونفيها عمن عداه. 
و(الله أكبر): فيها إثبات الكبرياء والعظمة لله وحده وأنه- جل جلاله- أكبر 
وأعظم من كل شيء. وهكذا جميع الأذكار الشرعية. 


D.C 


eA ean aa 390 |...‏ | شرح رسالة العبودية 


قال المصنف رحمه اللّه: 
«فصل: 
وجماع الدّين أصلان: 
ألا تَعبد إلا الله ولا تَعبدُه إلا يما شرع. لا تَعبده بالبدعء كْمَا قال تَعَاكَ: 
إقمن کان يَرْجُو لِقَاء ريه فليعمل عملا صَالحا ولا يُشْرك بعبّادة ربه أحدًا) 
[الكيك: 110]: 
وذَلِكَ تَحْقِيق الشَّهَادَتَيْنِ: سَهَادَة أن لا إِله إلا الله» وشَّهَادَة أن مُحَمَدَا رَسُولُ 


١ 
یں‎ 


الله. 


قفى الأولى: ألا تَعبد إلا إِياه. 
وفي المَّانِيّة: أن حَمَدًا هُو رَسُوله المبلّْ عَنهُء فعلينا أن نصدق خَبره وتنُطيع 


وقد کن ا ا تكبه الله بيه ونهاناغن قات الارن والخير اا 
صَلَالَة؛ قَالَ تَعَالَ: بل من أسلم وجهه لله وهُو محسن قَلهُ أجره عند ربه ولا 
خوف عَلَيُهم ولا هم يَحْرَنُونَ) E eA‏ 

وكما اننا مأمورون أَلَّا حاف إل الله» ولّا نتوكل إلا على اللّهء ولا تغب إل 
إلى اللهء ولا نستعين إل بالله وألا تكون عبادتنا إل لله فَكَذَلِك تحن 
مأمورون أن تَتّبع الرَسُول ونُطيعه ونتأسى به؛ 00 والجحرّام ما 
رمه والثين ما شرعد قال الله تقال زرو انيم ضرا تا قاف الله ورا 
مرو رو بود ير ا و0 
و5 فجعل الإيتاء لله ولِلرّسُولِء كما قَالَ: (وما آنَاكُم الرَّسُول فَحُدُوهُ وما 


لشيخ الإسلام ابن تيمية___) سويب ا ا ا 
نهاكم عَنَهُ فَانْتَهوا) [الخشر: 17» وجعل التَّوكل على الله وحده بقوله: (وقَالُوا 
حَسبتا اللّه) [العوبة:59]» ولم يقل: ورَسوله- كما قَالّ في وصف الصَّحَابّة رَضِي 
الله عَنْهُم في الآيّة الأخْرَى: (الّذِين قَالَ لَهُم الاس إن الكّاس قد جمعُوا لكم 
فَاخْشَوْهُمْ قَرَادهُم إِيمَانًا وقَالُوا حَسبتا اللّه ونعم الوكيل) [آل عمرّان: 173]» ومثله 
قؤله: (يا يها الي حَسبك الله ومن اتبعك من المُوْمِنِينَ) [الأثثال: 64 أي: 
حساك بيه الك نيقي كما قال: للش الله بكاف عبده) [الزمر: 36]- ثم 
قَالَّ: (سيؤتينا الله من قضله ورَسوله) [العوبة:59]» قجعل الإيتاء لله ولِلرَسُّولء 
وقدم ذكر الفضل للّه؛ أن [الفضل بيد الله يؤتيه من يشَاء واللّه ذو الفضل 
العَظيم) [الحديد: 29]» وله الفضل عل رَسُوله وعلى المُؤْمِنِينَ وقَالَ: (إنا إلى الله 
راغبون) [العوبة: 59]؛ فَجعل الرَّعْبّة إل الله وحدهه كما في قَْله: (فإذا فرغت 
فانصب * وإِلَّ رَبك فارغب) [الشّرْح: 8]. 

وقَالَ التي يي لابن عَبّاس: «إذا سَألت فاسأل الله» وإذا استعنت فَاسْبَعِنْ 
بالله/(1) والقُرْآن یدل على ثل هذا في غير مَوضِع. 

فَجعل العِبّادَة والمخشية والتّقوى لله وجعل الطّاعَة والمحبة لله ورَسُوله 
كما في قول نوح عَلَيْهِ السَّلَام: (أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون) [نوح: 3]» 
وقوله: (ومن يطع الله ورَسُوله ويخش الله ويتقه قَأُولّهِك هم الفائزون) 
[الثور:52]» وأمثال دَلِك. 


أخرجه أحمد (2669) والترمذي (2516)» وصححه الألباني في «المشكاة» (5302). 


ean aa 392 |...‏ ا 1 ا ل لا ل 2 | شرح رسالة العبودية | 


فالرسل أمروا بِعِبّادَتِهِ وحده. والرّعْبّة إِلَيْه والتوكل عَلَيْهِ وطاعته؛ والطّاعَة 
لَهُم فأصَنَّ السَيْطَانُ التَضَارَى وأشباههم؛ فأشركوا باللّه وعصو الرسُول 
فِ(اتَحَدُوا أَحْبَارهم ورُهْبَانِهمْ أَزيَابَ من دون الله والمسيح ابن مَرْيم) [العوبة: 
1 فَجِعلُوا يرغبون إِلَيْهم ويتوكلون عَلَيُهِم ويَسأَلُونَهُمْ مَعَ معصيتهم لأمرهم 
ومخالفتهم لسنتهم. 

وهدى اللّه المُؤْمِنِينَ المخلصين للّه؛ أهلّ الصّرَاط المُسْتَقيم الذين عَرفُوا 
احق واتبعوه فلم يَكُونُوا من المَغضوب عَلَيْهم ولا الصَالّين؛ فأخلصوا دينهم 
لله وأَسْلمُوا وُجَوههِمٍ للّه» وأنابوا إل رَبهم» وأحبوه ورّجوهء وخافوه وسألوه 
ورغبوا ‏ يه وفوضوا أمُورهم آله وتوكلوا عَلَيَهِ وأطاعوا رسله وعَزَّروهم 
ووقّروهم؛ وأحبّوهم وو وانَبّعوهم واقتفوا آثارهم واهتدّوا بمنارهم. 

وذَلِكَ هو دين ن الإسلام الَذِي بعث الله به الا ونين والآخرين من الا 


1 


وهو الدّين لي ل تقب اللَّهُ من أحد دين إلا إيّاه وهُو حَقِيقَة العِبَادّة لربٌّ 
العالمين. 

فنسأل الله العَظِيمَ أن يُثبتنا عَلَمْه ويُكمله لدا ويُميتنا عَلَيْهِ وسَائِر 
إخوانتا المسلمين. 

والحمد لله وحده وص الله عل اه وآله وصّحبه لما 

ا 

بيّن المصنف رحمه الله أنَّ جماع الدين أصلان: وهما: الأول: ألا نعبد إلا 
اللّهه وهو معنى: (لا إله إلا الله). والغاني: ولا نعبده إلا بما شرع أي: بما أرسل 
به رسله» وهو معنى (محمد رسول الله)» وأن نبتعد عن جميع البدع؛ كما قال 


تعالى: (قَمَنْ گان يَرْجُوا لِقَاءَ ريه قليَعْمَلُ عَمَلّا صَايخًا وَلا مُمْرِكُ بعِبَادَةِ رَبَّهِ 
ل [الكهف:110]. 

وبهذا يتم الدين» وإذا لزم الإنسان هذين الأصلين فقد جمع الله له 
السعادة كلهاء وتحققت له العبودية التي مَّن لزمها فاز في الدارين. 

وقد بين لنا رسولعا بي لها ما تعبد الله به» ونهانا عن محدثات الأمور 
وأخبر أنها ضلالة» وكما أننا مأمورون ألا نخاف إلا اللهء ولا نتوكل إلا على الله 
و کي الان اللسولة تميق الآ بان وال كن عاد ا إل لله 
فكذلك نحن مأمورون أن نتبع الرسول بل وُطيعه» ونتأمى به؛ قال الله تعالى: 
(وَمَا آتَاكُمْ اليَسُولُ فَخُدُوهُ وَمَا نَهَاحُمْ عَنْهُ قَانْتَهُوا) [الحشر:7]. 

والقرآن قد جعل العبادة والخشية والتقوى للّهه وجعل الطاعة والمحبة لله 
ورسوله» كما في قول نوح عليه السلام: أَنٍ اعْبدوا الله وَاتَقُوهُ ا [نوح: 
5 وقوله جل وعلا: ومن يم الوس وله ويش اللة وي4 َأَوْلهِكَ هُمْ 
الْقَائْدُونَ) [العور:52]» وأمثال ذلك. 

فجميع الرسل قد أمروا بعبادة الله وحده؛ والرغبة إليه» والتوكل عليه 
وطاعتهم في ذلك» وهذا هو دين الإسلام الذي بعث الله به الأولين والآخرين 
من الرسلء وهو الدّين الذي لا يقبل الله من أحد ديئًا سواهء وهو حقيقة العبادة 
لربٌ العالمين. 


|[ 394 شرج وسالة العبودية_) 

فنسأل الله العظيم أن يُثبتنا عليه؛ وأن لا يقبضنا إلا عليه؛ وأن يجعل 
كران جات الي مع العييق و ادن الها رال ن ر 
أولعك رفيقًا. 

وها تكرن قد اتتا نن الشرح والتعليق كل هة الريسنالة المبارك: 
النافعة لشيخ الإسلام ابن تيمية طيب الله ثراه وحعل الجنة مثواه» ورفع قدره 
عنده جزاء ما قدم للإسلام والمسلمين» وقد حوت هذه الرسالة- كما رأينا- 
على قواعد جليلة وأصول نافعة يجدر بطالب العلم أن يجعلها صب عينيه 
وأن يحسن فهمهما وتدبرهاء ومن نَم العمل بمقتضاها اعتقادًا وسلوك. 

والحمد لله وحده؛ وص الله على عبده ونبيه محمد وآله وصحبه وسَلّم. 


205